.. ::: موقع جزيرة تاروت ::: ..
» شعر وأدب

  


بعضهم أكد ضرورة فصل الأدب العام عن المسيس.

تباينت أراء عدد من المثقفين حول ترجمة الأدب العبري، كواحد من الآداب العالمية، والتعامل معه كأي أدب آخر، ليتسنى للقارئ معرفة وقراءة الآخر، خاصة أننا في عالم أصبح فيه كل شيء في حالة سرعة، ومن ضمنه ترجمة الأدب، وكسر حواجز المنع.

ويتساءل البعض عن الفائدة المرجوة من ترجمة الأدب العبري، وما سيضيفه من شيء مختلف عن الأدب العالمي الآخر مثل الفرنسي والألماني والانجليزي، خاصة في ظروف ليست خافية على أحد.

يقول الناقد د. أحمد عسيري: لاشك أن ترجمة الأدب تحديدا هي انعكاس لأثر المعطيات الثقافية المجتمعية والمعرفية على المستوى الحضاري الذي طالته أمة ما، والتبادل المعرفي عبر الترجمة هو جزء من حوار مثاقفة غير معلن، ومقاربة فكرية لها جدواها مع الآخر، من منطلق أن «الإنسان عدو ما يجهل»، فإذا كانت الفكرة أو المعلومة المشكلة للانطباع وبالتالي المحددة لكيفية التعامل غير مستوفاة، فهي تضفي ضبابية في فهم الأولويات المطروحة للتعامل مع أية ثقافة أو حضارة مغايرة.

وعن جدوى ترجمة نتاج الآداب بين الدول يرى عسيري أن ذلك يقع ضمن المنحى السياسي، وإشكالية الاعتراف، مثل الأدب الإسرائيلي تحديدا، موضحاً أن علينا التفريق بين الأدب العام والأدب المسيس، إذ انه، وبحكم العموم، لابد من وجود نقاط مشتركة تتلاقى فيها الثقافات والمعارف والتي يحدد أهميتها التنوع المثمر والفائدة المتوقعة وليس المصدر، مشيراً إلى أن الحضارة الإسلامية إبان ذروة عطائها الحضاري كانت مرجعا لسائر الأمم، وبدورها أخذت احتياجها من العلوم، أي أن العداء المزمن في حينه لم يكن مانعا للتبادل المعرفي البناء ولصالح الطرفين.

ويقول إن الأدب والثقافة التي تتسم بالتسييس فمن الطبيعي أنه يقع ضمن اهتمامات الدور الرقابي، كونه يمثل جزئية خاصة يتطلبه مقتضى الموقف، وبما يتعلق بالتأثير الأيدلوجي والعقدي، ومن البديهي أيضاً أن الحضارة الإسرائيلية، بمعطياتها الأدبية والثقافية، لها وقع بحساسية خاصة فرضتها الظروف التاريخية.

أما الناقد والشاعر محمد الحرز فيقول: نافذة الأدب العالمي المطل على الأدب العربي شبه معدومة تماماً.. لازلنا نتصور الأدب كما هو مطروح في التراث النقدي، والسبب الأكبر في تصوري يكمن في انغلاق الأبواب على مفهوم الترجمة وفعالياته على مستوى الأفراد والمؤسسات. مضيفاً أن اللحظة الراهنة تلح بشكل كبير للانفتاح على أدب شعوب العالم من خلال الترجمة والحوارات والثقافات.

ويوضح الحرز أن الأدب اليهودي، في ظل الاستعمار، لا يمكن أن نتعامل معه إلا كمعرفة ثقافية وأدبية، وهناك أمثلة مثل احتلال النازية لفرنسا، حيث كان هناك حالة من الهذيان والهيجان، خاصة من قبل أدباء فرنسا، وكانوا يشكلون قامات ثقافية.

ويذكر أن هذا الأمر فيه تسييس وتضخيم للرؤية السياسية، وهي نوع من الفوضى، ولابد من فصل المسارات، فالسياسة هي السياسة، والقضايا السياسية لا يمكن أن تنسحب على أمور أهم وأوسع، وهي القضايا الثقافية، والترجمة جزء أساسي لمعرفة الآخر وثقافته.

ويتفق الشاعر عبد الله الزيد مع الحرز حول ترجمة الأدب العبري، ويقول: من مبدأ المعرفة والثقافة وقراءة الآخر، فليس هناك ما يمنع من ترجمة الأدب العبري وقراءته والإطلاع عليه، بل الأمر مطلوب وملح، كذلك من فضاءات انطلاقنا وبحثنا عن الحكمة التي نحن أحق بها، وكما هي أمنية عريضة أن نقرأ الأدب العبري ونطلع عليه بلغته الأم وليس بالترجمة، ولعل من أخطر أبجديات السيطرة على الآخر، والآخر المضاد تحديداً، أن نتعلم لغتهم ونلم بأدبياتهم.


يختم الزيد حديثه: إن الأدب العبري مثله مثل غيره من آداب البشر على وجه البسيطة، فيه الجيد وفيه الرديء، وفيه المتقدم وفيه المتخلف، وفيه الراقي وفيه المبتذل، والمطلوب ألا يجرمنا شنآن قوم ألا نعرف ونقرأ ونطلع، فليس هناك ما يقلق.

وبصورة مخالفة يرى الروائي عبد الحفيظ الشمري موضوع ترجمة الأدب العبري أمر غير مجد، ويقول: ترجمة الأدب اليهودي قد لا تكون مجدية أو ذات أثر فاعل، فالقضية قد تتعدى كونها أدباً وثقافة ومعرفة، إنما باتت احتقاناً عرقياً أفرزته منظومات السياسة حتى غدا الأمر مجرد تصفية حسابات وتكسير عظام لأي جهة تهادن أو تسالم أو تتظاهر بالعولمة والبناء المعرفي على أسس إنسانية صرفة.

ويذكر الشمري أن اللبس السياسي والجدل التاريخي المتأزم بين اليهود ومن سواهم وبيننا، بات يستدرج الظاهرة الثقافية والمعرفية لاسيما البعد الدعائي والإعلامي الذي قد لا يكون مفيداً في مجال تقديم رؤية إنسانية معبرة.

ويضيف أن من الأهمية أن تكون هناك أرضية للتفاهم والتعقل مبنية على رد الحقوق وتعويض من تضرر والرؤية بعين سليمة وواعية للآخرين بوصفهم بشراً، لا بوصفهم عبيداً لأي دين أو معتقد على نحو ما يظهر في بعض هذه الممارسات التي باتت تقذفها جنونيات الصهيونية وحماقاتها التي باتت تدعي اليهودية الآن.

ويختم الروائي الشمري حديثه: لسنا بحاجة إلى مثل هذه التراجم والأعمال المعرفية والثقافية، المترجم منها والمنقول، طالما أن أبسط المعايير الحوارية لم تحترم، فالقضية باتت أعمق والإشكالية لم تعد ثقافية حسنة النوايا، إنما باتت تهدد الوجود وتقطع الرزق وتحرق الشجر وتقتلع الإنسان من أرضه ووجوده، فمع هذا التداخل المفاهيمي الآن، بات من الضروري أن نزهد بكل ما هو مجرد نزوة أو مجرد تفكير حالم لا أساس له في الواقع.

ويمضي الكاتب فاضل العماني إلى ما ذهب إليه الزيد والحرز بقوله: يبدو أن هناك خلطا ساذجا، وقد يكون مقصودا بين معرفة الآخر والتطبيع، وقد ساهمت الشعارات العنترية والخطابات الحماسية التي امتدت لأكثر من ستة عقود في الخوف من الاقتراب من حقيقة ذلك العدو، وبالتالي معرفته كما يجب، دون الاستهانة به ورميه في البحر كما كان يُظن، بينما نجد مراكز البحث والدراسات في الجانب الآخر ترصد كل صغيرة وكبيرة عن العالم العربي والإسلامي في جميع الجوانب بدءاً بالجانب العسكري وانتهاءً بالشأن الأدبي والثقافي. وهنا يكمن الفرق الحقيقي في الذهنية والعقلية بيننا وبينهم في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي.. هم يعرفون كل شيء عنا تقريباً، بينما ننشغل نحن في تفكيك مصطلح التطبيع ونجعله سيفاً مسلطاً ضد أي أسلوب مغاير لإدارة ذلك الصراع.

ويضيف العماني: أظن أن ترجمة بعض الكتب والمصادر من العبرية للعربية إشكالية بحد ذاتها، إلا إنها تأخرت كثيراً جداً.. قد أتفهم الإحجام عن ذلك في الماضي إبان المد الثوري والعنفوان العربي الذي كان يجتاح الوطن العربي، فقد كان من غير المقبول الإقدام على مثل هذه الخطوة المبكرة.


جريدة اليوم

» التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!

أول موقع محلي عربي لجزيرة تاروت
على شبكة الإنترنت

Copyright © 1999 - 2012
www.tarout.info