.. ::: موقع جزيرة تاروت ::: ..
» مقالات

  


في البدء كان الإنتخاب سرابا في صحراء الحقوق و الحريات ، و لم يكن الإنتخاب إلا خلجات عابرة تملأ النفوس بالغصص و التمنيات. و اليوم فكرة الإنتخاب نزلت لواقعنا عليلة بمورثات الماضي المغلول بثقافة الرأي الواحد، ومن باب قل للمحسن أحسنت وللمسيئ أسأت لا يمكننا التعامل مع الجدلية الانتخابية الحاصلة في فضاءاتنا السياسية و الإجتماعية بالمملكة، بنفس اللامبالاة التي جعلت عقلنا و واقعنا السياسيين مستقيلين و منحصرين في الفتات و الهبات الحقوقية ، حيث كل المطبّات التنموية و الحقوقية ما هي سوى نتيجة منطقية لتاريخ من الرضا بما هو موجود و إنتظار تحقق الوعود...


هكذا نفهم لماذا ؟ كانت الانتخابات و لا تزال من جهة حقا أساسيا وتشريعيا للأفراد والمجتمعات لا يمكن العدول عنه ، كون المشاركة في الانتخابات بالترشيح والتصويت هو المدخل في مشوار الإصلاح والتغيير وإحراز التقدم و تطهير مصانع التنمية الشاملة من المثبطّات و المعوقّات و الفيروسات المولدة للهامشية و النكوص السياسي .
ومن جهة أخرى فالانتخابات هي ترجمة لثقافة الديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان ، حيث فيها يتحدد إصلاح الأنظمة المحلية واللوائح الداخلية وفقا لمتطلبات الحاجة من خلال الرقابة والنقد والمحاسبة حتى لوتم ذلك عبر الإدلاء بالآراء والمقترحات. كما أن علاقة الإنتخاب بالمجتمع علاقة طردية جوهرية في مصير الإصلاح في هذا المجتمع ، وذلك لإرتباط مستقبل الناس بعملية الإنتخاب وبما يتوافق مع منهجية الحكومة ونظامها السياسي المتبع ، الأمر الذي يتوجب على الأفراد تأدية مسؤوليتهم السياسية و الاجتماعية عبر الإسهام بقوة في تقرير مصيرهم ، من خلال صوتهم الإنتخابي أو ترشّح بعض الأفراد النزهاء بشكل مستقل أو بقائمة جامعة تتناسب و الأهداف الإصلاحية المرجوة.

في ذات السياق و حسب الضرورة الملحة لوسيلة الإ نتخابات و غاياتها الخلاقة للإصلاحات الشاملة، جاء الإعلان عن إنتخابات المجالس البلدية بالمملكة العربية السعودية في عام 2005، ثم أجلت 2009لهذا العام في 22 سبتمبر2011،حيث الأبواب لا تزال مشرعة و مستمرة لاستقبال الناخبين وتسجيلهم للحصول على البطاقة الانتخابية التي تؤهلهم لإختيار المرشح الذي يمثلهم ، إلا أن الملاحظ ضعف الإقبال الشعبي على المشاركة في هذه الانتخابات ، وتصاعد الأصوات والحملات التي تنادي بالمقاطعة . و مما لا شك فيه بحسب التطورات الأخيرة أن هناك أسبابا كثيرة دعت المجتمع نحو مقاطعة هذه الإنتخابات قد نتفق عليها أو نختلف ، و بالطبع هذه المقاطعة الشعبية لم تأت من فراغ ، أتوافق مع البعض الذي علّل أن نتيجة هذا التراجع ناجمة عما أفرزته الدورة الانتخابية الأولى وما طرأ عليها من سلبيات في تقليص سلطة أعضاء المجلس ، وما صاحبها من نواقص ومعوقات لعمل المجالس البلدية وغياب الصلاحيات وعدم الاستقلالية ، ولأن الدولة بعد لا تؤمن بمفهوم الشراكة الشعبية والوطنية الحقيقية في تقرير المصير، وتعشق " الأنصاص، والأرباع والكسور " بفرضية أن نصف المجلس البلدي معين والنصف الآخر منتخب ، وأن نصف المجتمع يشارك ونصفه الآخر معطل ،

و ما إقصاء المرأة وحرمانها من المشاركة الإنتخابية عن عدم جدوائية الإنتخابات ببعيد ، كل هذا هو مدعاة للإحباط والتراجع ، و مؤداه بالنتيجة إلى إنخفاض نسبة التفاعل والحماس التي كانت متوفرة أثناء إنتخابات الدورة الأولى ، وذلك طبعا يتنافي مع ما تقوم عليه العملية الإنتخابية في مضمونها من مشاركة المواطن في الشأن العام و في صناعة القرار، هذا بالإضافة إلى ما تمر به الساحة السياسية داخل المملكة من ظروف إستثنائية متعكرة ، وما تشهده من توترات أمنية نتيجة للتفاعلات التي خلفتها الثورات العربية ، ونتيجة لتعثر الإصلاحات السياسية ، وإندلاع الحركات الإحتجاجية والمطلبية في مناطق متعددة في المملكة لاسيما في المنطقة الشرقية التي حققت أعلى نسبة تصويت في الدورة الأولى.

رغم كل ذلك أقول: إن مقاطعة العملية الإنتخابية ككل مع - إحترامي لكل الدعوات المنادية بذلك - وإن جاءت مقاطعة الأفراد للإنتخابات المحلية نـظرا للمقارنة بين الدورة الأولى والثانية الذي نتج عنها حسب تصوري تباطؤ وإهمال ، من قبل أجهزة النظام عبر إحتكار السلطة و عدم تقدير كفاءة المرشح وإحترام حقه كمواطن ، مما إنعكس سلبا على أداء العملية الإنتخابية الحالية و أدى إلى شك الأفراد عن جدوى أداء هذا الواجب الأساسي من واجبات المواطنة (المبتورة), لاجدال حول وجود شعور بالغبن تولد لدى الأفراد الحريصين على خدمة وطنهم بسبب السلبيات التي رافقت عمل بعض المجالس البلدية ، ونتيجة للضغوط والتحديات التي تعرضوا لها ، إلا أنها في المقابل يجب أن لا تمثل عائقا أمام أعمال هذه الدورة ، فالتجربة الإنتخابية في السعودية وليدة وحديثة وفي نفس الوقت قابلة للنمو والتطور .

على الرغم من كل الإخفاقات والتعثرات التي واجهت الانتخابات بالمملكة في بداية التجربة ، إلا أنها بمستوى إمكاناتها حققت إنجازات لا يمكن تغافلها على مستوى محافظة القطيف –مثلا- كان «أبرز إنجازات المجلس البلدي خلال الفترة الماضية فصل ميزانية بلدية القطيف، وتعديل أنظمة البناء، والمساهمة في رفع ميزانية البلدية، وترتيب أولويات المشاريع في المحافظة، و اقتراح مجموعة مشاريع وبرامج إستراتيجية كشوارع شريانية، و تشييد أسواق مركزية، و مشاريع استثمارية، واقتراح ومتابعة مشاريع تنموية للمحافظة من خلال وزارة النقل، والتحسين الزراعي، والهيئة العامة للسياحة والآثار».

وبالمختصر المفيد، كل ذلك من المفروض أن يدعو للتفاؤل ويقود للنجاح.


وفي كل الأحوال مهما كانت الأسباب والدوافع يجب أن لا يكون ذلك مدعاة للإحباط والعزوف عن المشاركة السياسية. فالإصرار والاستمرارية مع ما يرافقها من تعثرات هو بحد ذاته يصنع التحدي لتجاوز العقبات وتصحيح مسيرة العملية الإنتخابية في المستقبل ، ويدعو الجهات المعنية إلى إعادة النظر والأخذ بالحسبان مشاركة كافة أبناء الوطن بما فيهم المرأة ويحتم عليهم الإلتزام بكافة المعايير الأساسية الخاصة بالإنتخابات.


وهنا لابد من الإشارة إلى عدة توصيات ومرتكزات مغيبة عنا أهمها :


1- أهمية العمل على تعزيز التجربة وتأصيلها بمشاركة أكثر المواطنين في هذه الدورة ، وتأصيلا للقرار السامي في إشراك المواطنين في صناعة القرار المرتبط بحياتهم اليومية، بإعطاء دورا أكبر في تحديد أولويات المشاريع وتوضيح آلية عمل المجالس البلدية وصلاحيتها بما يتناسب مع عجلة التنمية وبما يتوافق مع تطلعات المواطنين هذا من جهة. ومن جهة أخرى تنبع أهمية التواصل والمتابعة بين اللجان الأهلية وبين الأعضاء ( المرشحين الجدد من يمثلون صوت الناس في المجالس البلدية ) لإبراز الإنجازات وعرض الآراء والمقترحات ، والمساهمة في معالجة المشاكل والتحديات .

2- " الشعب هو مصدر السلطات " والإنتخابات هي وسيلة لحرية إختيار الأفراد في إدارة الشؤون العامة للبلاد ، حيث يمارسها الشعب في جو من الإستقرار ومناخ مناسب من توافر الأمن في تحريك الحريات الديمقراطية وأعلى هرمها ، حرية الرأي والتعبير والإعلام وبدون إستثناء أو تمييز ، بناءا على نصوص المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة ، واليوم ليس كما الأمس فالأحداث والأمور الداخلية في الدول والمجتمعات تحت ظل التقنية الحديثة لم تعد خافية على وسائل الإعلام العالمية والدولية أو المنظمات الحقوقية غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني كما كان الحال في السابق ، بالإضافة إلى أن هناك إتفاقات عالمية وإلتزامات دولية تفرض نفسها على الساحة ، وقد إلتزمت بها الدول والحكومات وبالتالي فإن هذا الإلتزام يخضعها بالطبع للرقابة الدولية وللجنة المعنية في مجلس حقوق الإنسان ، ومن ثم يخضعها لرقابة الرأي العام العالمي وهذا جدير بالاهتمام .

3- محاكاة الخطاب الدولي والعالمي في هذا العصر، لا تقاس بالقوة وحجم الثروة المتوفرة، بل تقاس بالمنطق الديمقراطي في ماهية الإنتخابات ونسبة المشاركة فيها والمعايير التي تم الإلتزام بها وموائمتها لحقوق الإنسان وما شابه ذلك. لذلك نلحظ أهمية ما تدلي به تقارير منظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية حول الإنتخابات وحقيقة ما يجري فيها وكيفية التعامل معها .

ما أود التنبيه له، أن هناك خطأ كبيرا يقع فيه الإنهزاميون والمحبّطون بمجتمعنا السعودي بكل مناطقه، من خلال قبوعهم في البيوت والمنازل خلال هذه الفترة، بحجة أن لا قيمة للتصويت وأن الأصوات غير مأخوذة بالحسبان أو أنهم يعلنون موقفا إحتجاجيا إنفعاليا بمقاطعة هذه الإنتخابات، بينما هي الأساس في التطوير السياسي لدى المجتمعات ، والمشاركة فيها تعتبر مؤشراعلى الوعي و الصمود في إثبات جاهزية المجتمع و قابليته لأي تقدم فلا ندع الفرصة تفوت " فضياع الفرصة غصة " و" عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة " ، و كذلك عدم ترك الساحة فارغة للإنتهازيين و المتسلطين ليعثوا فيها فسادا و إفسادا لمستقبل المواطنين و مصالحهم.

على هذا الأساس أهيب بكل الشباب من أبناء وطني إلى عدم التراجع خاصة من أكملوا السن القانوني 21 سنة لتقييد أسمائهم في جداول الإنتخابات وسجلّاتها، وليذهب بعدها كل صاحب بطاقة إنتخابية أو حق تصويت للإدلاء بصوته في دائرته الإنتخابية ، مع إصرار كل مواطن على ملئ بطاقته بنفسه وفرض صوته الحر على اللجنة الإنتخابية ، كما أدعو إلى أن يكون المرشحّين من فئة الشباب نفسها ففيهم تجتمع كل المؤهلات ، والكفاءات والقدرات ، الشباب السعودي ليس قاصرا فهو العزم وهو الهمة ، وهو المستقبل والأمل الواعد للغد المشرق المليئ بالحريات و التنمية و التمدن.

ختاما : تقاس حركة التطوّر والتغيير في المجتمعات بالحراك أيا كان نوعه: سياسيا، ثقافيا إقتصاديا، إجتماعيا ، كما ترتقي الشعوب و الدول في إستحقاقاتها عبر التجارب والتراكمات وإقرار الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية...إذن الإنتخابات البلدية المقبلة هي إستحقاق إستراتيجي في المملكة العربية السعودية بشتى تنوعاتها، عبر التواصل و التكاتف من خلال التنافس الانتخابي النزيه من أجل وطن متقدم وتنمية مستدامة، حيث أننا كسعوديين مؤمنين بالإصلاح و التطوير و المواكبة للاستراتيجيات التنموية العالمية، يبقى علينا جميعا النضال و التنافس النزيه مع العمل الدوؤب فيما يعزز سيادة القانون و يحقق التنمية الإجتماعية و السياسية...


بكلمة: إن المقاطعة في العمق هي مشاركة لكنها صفرية عديمة ، بل العكس تحسب ضد خيار الإصلاح المطلوب ، بينما المشاركة بجدارة و حكمة هي شوكة في حلق كل طفيلي سياسي ، و ما المقاطعة في المرحلة الراهنة سوى تضخيم لسيكولوجية المتغطرس السياسي، فتعالوا إلى كلمة الإصلاح ... و اللبيب يالإشارة يفهم .



» التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!

أول موقع محلي عربي لجزيرة تاروت
على شبكة الإنترنت

Copyright © 1999 - 2012
www.tarout.info