القلم المتأمل
08-11-03, 01:33 PM
قصة تراثية حقيقية :
الغرض من المشاركة بهذه القصة ليس لمعرفة الشخصيات بقدر ما إن هنالك أسرار لا يمكن الوغول فيها ومعرفة كنهها ..فمثل قصتنا هذه يتعب الفرد في البحث عن فك رموزها .. ولكن دعونا نقرأها ..
---------------------------------
تحدثت الأخبار المتناقلة من كبار السن قبل خمسة أجيال تقريبا قد حدثت قصة غامضة عن بحار يدعى أحمد بن مرزوق ..فقد دخل البحر مع مجموعة كبيرة من البحارة في قارب شراعي كبير ، وعند نزولهم المناطق البحرية المخصصة لهم ، اتجه كل فرد منهم إلى موقعه حيث وجود آلة الصيد في المعامر وهي القراقير . فبعد أن مكثوا الفترة المعتادة والمتعارف عليها اتجهو جميعا إلى قاربهم ، فخطف الشراع وسار بهم القارب متجها لبندر الدراز القريب من الساحل لمسجد أبي صبح . بعد نزول البحارة وذهابهم إلى بيوتهم استشعر بعضهم وهم في الطريق بعدم رؤية أبي مرزوق معهم في القارب ، فتم التساؤل فيما بين البحارة أنفسهم ، حيث اتضح إنه لم يركب معهم في القارب .
المياه غمرت البندر عند الرجوع ، وهذا يعني إن أبا مرزوق في خطر كبير . خاف البحارة خوفا شديدا فركبوا القارب للبحث عنه . البحث لم يسفر عن نتيجة فظلوا في حالة قلق على مصيره . علم الخبر داخل الدراز فخرج الرجال والشباب إلى الساحل وحركت القوارب كلها من أجل البحث عن أبي مرزوق ، ولكن مع الأسف الوقت قد أدركهم ولم يفلحوا في رؤيته .. اصطف الكثير من الأهالي متفرقين على امتداد الساحل حتى وصل نفر منهم إلى قرب جنوسان . بعضهم قام ينادي عليه بصوت رفيع عله يسمع فيجيب لكن لا حياة لمن تنادي .
رجع الجميع والأسى قد حفر في وجوههم الشيئ الكثير ،دب الذعر والخوف والهلع على مصير أبي مرزوق و بدأ الحزن والبكاء في وسط الأهالي ، وخيم هذا الحزن على كل أطراف القرية . أدركو جميعا إن أبا مرزوق قد غرق ومات ولا بد من إن جثته ستطفو يوما ما في إحدى المناطق أو يأكلها السمك ويجب وضع تعزية عليه في مأتم العائلة ، مأتم آل مرزوق .
بدأت الفاتحة في ليلتها . الدراز لم تنم في تلك الليلة الموحشة لما هم عليه من قلق وحزن وأسى ، الكل توقف عن العمل وراح يشارك في التعزية ويساهم في تخفيف المعاناة على أهله وأسرته .
تم قراءة الفاتحة بحضور جمع غفير وهم في حالة بكاء ونحيب وتوجع على هكذا مصاب ..
اختتم اليومان من الفاتحة بتقرح أفئدة أهله ومحبيه .. يتفكرون في شكل مصيبة أبي مرزوق الغريق ، وما آلت عليه نهايته من ذلك البحر الغادر .. ها هو اليوم الثالث والأخير من إقامة طقوس التعزية ومراثي الحزن عليه . بدأ الملا في القراءة والمستمعة من حوله في تحسر وألم وقد توشحت وجناتهم بالدموع على فراق الغريق ، لكن ما بين هم في اختلاج أنفسهم مع الخطيب ومتابعته المتأثرة بصوته ونواعيه واختتامه القراءة ووقوف المعزين لمواساتهم ، وإذا بأبي مرزوق يدخل بين الرجال المعزين ، يمد يده إلى أهل المصاب يصافحهم ويخلف عليهم ويواسيهم ويشاطرهم دون أن يعلم من هو المتوفى ..
في البداية لم يلتفت أحد عليه لأن الناس مشغولة بما هم فيه ، ولكن بعد فترة وجيزة جدا وإذ تعم حالة الفرار والفوضى والقلق داخل المأتم بين راكض وهارب وبين ساقط ومتعرقل ، وبين عاض على ذيل ثوبه ميمما وجهه لناحية الباب الذي سقط الكثير أمامه من تلك الحالة النفسية الرهيبة التي جرت عليهم ، وأبو مرزوق لا يدري ما حصل ، هو مستنكر معهم لكنه غير مدرك لما يجري ...
المهم بدأ الناس تستوعب الخبر بأن الحاج أبو مرزوق لم يغرق ، لكن كيف خرج وأين كان هذه المدة التي قضاها .. تحولت الدراز لحالة شبيهة بالخيال ، كثرت الأقاويل والتأويلات ، وكثر الهرج والمرج ، والقرية غير مستوعبة لما يجري ، لما يحدث ، فلم يحدث عندهم من قبل أن رجع غريق إلى الحياة ، بدأت الناس تنهال على مأتم آل مرزوق ، كل البيوت خلت بمن فيها ، تسعى لترى الغريق الحي فمن جميع الاتجاهات الناس رجالا ونساء ، شيوخ وصغار ، تجري لجهة واحدة وكأنهم فروع لشطوط يلتقون في مصب واحد ... فصارت التجمعات تتسيدها الرجال من جهة ، وعلى النواحي الأخرى تتجمع النساء يرسمون في ذهنهم هذه الأسطورة الخرافية العجيبة ... أخرج أبو مرزوق في حالة من التهليل والتسبيح وأصوات الصلوات والأناشيد ، فعمت الفرحة والسعادة ..
الحاج أبو مرزوق أدرك الموقف إن الفاتحة التي كان فيها إنما وضعت لأجله ، لكنه لم يشعر بغياب ثلاثة أيام عن القرية فكان يتهيأ له إنه غاب بضع ساعات .. فكيف تم رواية أبو مرزوق للخبر ..
أبو مرزوق لا يريد الإفصاح عما حصل له في اليومين الماضيين ، وحاول التهرب والانزواء ، حاول الابتعاد عن هذا الموضوع بكل وسيلة ، لكن إصرار المجتمع أقوى من صمته وانزوائه ، وحتى لو كان الخبر على حساب تضحيته التي أكدها مرارا عليهم ،. أكد إن هذه القصة سر ولا يمكن البوح به . البوح بهذا السر يعني أمر ضار بالنسبة له .. الكل لا يريد المعرفة ولو كلف ذلك أشياء كثيرة ، وفي هذا المقام وتحت الضغط الشديد بدأ ينحدر لرغباتهم ...
فكيف تم ذلك ؟ :
بعد أن ذهب البحارة عنه من غير أن يشعر بهم ، رفع رأسه فلم يجد أحد والمياه ما تزال تسرع في استطراد عملية المد ، المياه تسحبه شيئا فشيئا ، حاول مقاومة المياه الساكنة التي بدأت ترتفع إلى أعلى ، لكن الأمواج أخذته إلى مناطق بعيدة تقذفه في لهوات التفافها . كان الموج قويا والمياه عميقة ، والبلد لا يرى منها شي ، قاوم وهو يستغيث فلا أحد يسمعه غير هدير الموج المتلاطم ... ضعفت قوته وخانت حيلته ونفذت إرادته واستسلم للموت ، للغرق ، للنهاية المحتمة ، وهو يرمق السماء باسترحام ويشغل نفسه في آخر رمق من حياته بأن لا وسيلة له إلا هو سبحانه وتعالى وأهل البيت عليهم السلام ، بعدها انقطع عن الدنيا وراح في غيبوبة ماحقة ...
وفي عالم غير متوقع يشاهد نفسه في جزيرة خضراء ، تحفه الأشجار والمياه يترقرق بينها ، فجلس بين أناس يلبسون ثياب خضراء قد اعتنوا به اعتناء كبيرا . أخذوه في قارب وتوجهوا به إلى بندر الدراز وقد طلبوا منه عدم إفشاء سره هذا كي لا يقع في المحضور ، وكل هذا كان يظن إنه مع زملاؤه البحارة وإن القارب الذي ركب فيه هو نفسه قاربهم ، وعند وصوله للدراز لم يكن في باله أمر غرقه أو الابتعاد عنه ، وكأنه راجع من عمله بعد يوم حافل بمنجزاته العادية ...
عاش أبو مرزوق فترة من الزمن ولكنه فقد عينيه وهو ما كان يخشاه من إفشائه بذلك السر العجيب أثناء غرقه .. وبهذا يسدل الزمن قصة الغموض والسر الدفين ..
--------------------
أعدها لكم : القلم المتأمل
الغرض من المشاركة بهذه القصة ليس لمعرفة الشخصيات بقدر ما إن هنالك أسرار لا يمكن الوغول فيها ومعرفة كنهها ..فمثل قصتنا هذه يتعب الفرد في البحث عن فك رموزها .. ولكن دعونا نقرأها ..
---------------------------------
تحدثت الأخبار المتناقلة من كبار السن قبل خمسة أجيال تقريبا قد حدثت قصة غامضة عن بحار يدعى أحمد بن مرزوق ..فقد دخل البحر مع مجموعة كبيرة من البحارة في قارب شراعي كبير ، وعند نزولهم المناطق البحرية المخصصة لهم ، اتجه كل فرد منهم إلى موقعه حيث وجود آلة الصيد في المعامر وهي القراقير . فبعد أن مكثوا الفترة المعتادة والمتعارف عليها اتجهو جميعا إلى قاربهم ، فخطف الشراع وسار بهم القارب متجها لبندر الدراز القريب من الساحل لمسجد أبي صبح . بعد نزول البحارة وذهابهم إلى بيوتهم استشعر بعضهم وهم في الطريق بعدم رؤية أبي مرزوق معهم في القارب ، فتم التساؤل فيما بين البحارة أنفسهم ، حيث اتضح إنه لم يركب معهم في القارب .
المياه غمرت البندر عند الرجوع ، وهذا يعني إن أبا مرزوق في خطر كبير . خاف البحارة خوفا شديدا فركبوا القارب للبحث عنه . البحث لم يسفر عن نتيجة فظلوا في حالة قلق على مصيره . علم الخبر داخل الدراز فخرج الرجال والشباب إلى الساحل وحركت القوارب كلها من أجل البحث عن أبي مرزوق ، ولكن مع الأسف الوقت قد أدركهم ولم يفلحوا في رؤيته .. اصطف الكثير من الأهالي متفرقين على امتداد الساحل حتى وصل نفر منهم إلى قرب جنوسان . بعضهم قام ينادي عليه بصوت رفيع عله يسمع فيجيب لكن لا حياة لمن تنادي .
رجع الجميع والأسى قد حفر في وجوههم الشيئ الكثير ،دب الذعر والخوف والهلع على مصير أبي مرزوق و بدأ الحزن والبكاء في وسط الأهالي ، وخيم هذا الحزن على كل أطراف القرية . أدركو جميعا إن أبا مرزوق قد غرق ومات ولا بد من إن جثته ستطفو يوما ما في إحدى المناطق أو يأكلها السمك ويجب وضع تعزية عليه في مأتم العائلة ، مأتم آل مرزوق .
بدأت الفاتحة في ليلتها . الدراز لم تنم في تلك الليلة الموحشة لما هم عليه من قلق وحزن وأسى ، الكل توقف عن العمل وراح يشارك في التعزية ويساهم في تخفيف المعاناة على أهله وأسرته .
تم قراءة الفاتحة بحضور جمع غفير وهم في حالة بكاء ونحيب وتوجع على هكذا مصاب ..
اختتم اليومان من الفاتحة بتقرح أفئدة أهله ومحبيه .. يتفكرون في شكل مصيبة أبي مرزوق الغريق ، وما آلت عليه نهايته من ذلك البحر الغادر .. ها هو اليوم الثالث والأخير من إقامة طقوس التعزية ومراثي الحزن عليه . بدأ الملا في القراءة والمستمعة من حوله في تحسر وألم وقد توشحت وجناتهم بالدموع على فراق الغريق ، لكن ما بين هم في اختلاج أنفسهم مع الخطيب ومتابعته المتأثرة بصوته ونواعيه واختتامه القراءة ووقوف المعزين لمواساتهم ، وإذا بأبي مرزوق يدخل بين الرجال المعزين ، يمد يده إلى أهل المصاب يصافحهم ويخلف عليهم ويواسيهم ويشاطرهم دون أن يعلم من هو المتوفى ..
في البداية لم يلتفت أحد عليه لأن الناس مشغولة بما هم فيه ، ولكن بعد فترة وجيزة جدا وإذ تعم حالة الفرار والفوضى والقلق داخل المأتم بين راكض وهارب وبين ساقط ومتعرقل ، وبين عاض على ذيل ثوبه ميمما وجهه لناحية الباب الذي سقط الكثير أمامه من تلك الحالة النفسية الرهيبة التي جرت عليهم ، وأبو مرزوق لا يدري ما حصل ، هو مستنكر معهم لكنه غير مدرك لما يجري ...
المهم بدأ الناس تستوعب الخبر بأن الحاج أبو مرزوق لم يغرق ، لكن كيف خرج وأين كان هذه المدة التي قضاها .. تحولت الدراز لحالة شبيهة بالخيال ، كثرت الأقاويل والتأويلات ، وكثر الهرج والمرج ، والقرية غير مستوعبة لما يجري ، لما يحدث ، فلم يحدث عندهم من قبل أن رجع غريق إلى الحياة ، بدأت الناس تنهال على مأتم آل مرزوق ، كل البيوت خلت بمن فيها ، تسعى لترى الغريق الحي فمن جميع الاتجاهات الناس رجالا ونساء ، شيوخ وصغار ، تجري لجهة واحدة وكأنهم فروع لشطوط يلتقون في مصب واحد ... فصارت التجمعات تتسيدها الرجال من جهة ، وعلى النواحي الأخرى تتجمع النساء يرسمون في ذهنهم هذه الأسطورة الخرافية العجيبة ... أخرج أبو مرزوق في حالة من التهليل والتسبيح وأصوات الصلوات والأناشيد ، فعمت الفرحة والسعادة ..
الحاج أبو مرزوق أدرك الموقف إن الفاتحة التي كان فيها إنما وضعت لأجله ، لكنه لم يشعر بغياب ثلاثة أيام عن القرية فكان يتهيأ له إنه غاب بضع ساعات .. فكيف تم رواية أبو مرزوق للخبر ..
أبو مرزوق لا يريد الإفصاح عما حصل له في اليومين الماضيين ، وحاول التهرب والانزواء ، حاول الابتعاد عن هذا الموضوع بكل وسيلة ، لكن إصرار المجتمع أقوى من صمته وانزوائه ، وحتى لو كان الخبر على حساب تضحيته التي أكدها مرارا عليهم ،. أكد إن هذه القصة سر ولا يمكن البوح به . البوح بهذا السر يعني أمر ضار بالنسبة له .. الكل لا يريد المعرفة ولو كلف ذلك أشياء كثيرة ، وفي هذا المقام وتحت الضغط الشديد بدأ ينحدر لرغباتهم ...
فكيف تم ذلك ؟ :
بعد أن ذهب البحارة عنه من غير أن يشعر بهم ، رفع رأسه فلم يجد أحد والمياه ما تزال تسرع في استطراد عملية المد ، المياه تسحبه شيئا فشيئا ، حاول مقاومة المياه الساكنة التي بدأت ترتفع إلى أعلى ، لكن الأمواج أخذته إلى مناطق بعيدة تقذفه في لهوات التفافها . كان الموج قويا والمياه عميقة ، والبلد لا يرى منها شي ، قاوم وهو يستغيث فلا أحد يسمعه غير هدير الموج المتلاطم ... ضعفت قوته وخانت حيلته ونفذت إرادته واستسلم للموت ، للغرق ، للنهاية المحتمة ، وهو يرمق السماء باسترحام ويشغل نفسه في آخر رمق من حياته بأن لا وسيلة له إلا هو سبحانه وتعالى وأهل البيت عليهم السلام ، بعدها انقطع عن الدنيا وراح في غيبوبة ماحقة ...
وفي عالم غير متوقع يشاهد نفسه في جزيرة خضراء ، تحفه الأشجار والمياه يترقرق بينها ، فجلس بين أناس يلبسون ثياب خضراء قد اعتنوا به اعتناء كبيرا . أخذوه في قارب وتوجهوا به إلى بندر الدراز وقد طلبوا منه عدم إفشاء سره هذا كي لا يقع في المحضور ، وكل هذا كان يظن إنه مع زملاؤه البحارة وإن القارب الذي ركب فيه هو نفسه قاربهم ، وعند وصوله للدراز لم يكن في باله أمر غرقه أو الابتعاد عنه ، وكأنه راجع من عمله بعد يوم حافل بمنجزاته العادية ...
عاش أبو مرزوق فترة من الزمن ولكنه فقد عينيه وهو ما كان يخشاه من إفشائه بذلك السر العجيب أثناء غرقه .. وبهذا يسدل الزمن قصة الغموض والسر الدفين ..
--------------------
أعدها لكم : القلم المتأمل