لجين
14-02-04, 07:52 AM
إخلاص الحب لله:
وهذه مقولة فوق مقولة توحيد الحب. فإن توحيد الحب لا ينفي اي حب آخر غير حب الله، ولكنه يحكّم حب الله تعالى ويغلّبه على أي حب آخر، فيكون حب الله هو الحب الغالب الحاكم (والّذينَ آمنوا أشدُّ حُبّاً للهِ)[420]، وهو من شروط الايمان وفرع من فروع التوحيد.
أما إخلاص الحب لله فهو ينفي أيّ حب آخر غير حب الله، إلاّ أن يكون في امتداد حبّ الله «الحب لله، والبغض لله» وهو ليس من شؤون الايمان والتوحيد، ولكنه من شؤون الصدّيقين ومقاماتهم. فإن الله تعالى يمكّن أولياءه وعباده الصالحين من تفريغ قلوبهم من كل حبّ وودّ غير حبّه وودّه.
وقد روي عن الامام أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): «القلب حرم الله، فلا تُسكن حرَم الله غير الله»[421]. وهذه صفة خاصة للقلب، فإن الجوارح تسعى وتتحرّك في الحياة باتجاهات وشؤون شتّى فيما أباحه الله تعالى وأجازه، أما القلب فهو حرم الله تعالى ولا ينبغي أن يحلّ فيه حبّ لغير الله وتعلّق بسواه.
والتعبير عن «القلب» في النص بـ«الحرم» دقيق ومعبّر; فإن الحرم منطقة آمنة ومغلقة على كل غريب، لا ينال أهلها سوء أو خوف، ولا يدخلها غريب، وكذلك القلب حرم الله الامن، لا يدخله حبّ آخر غير حبّ الله، ولا يمسّ فيه حبّ الله سوء أو خوف.
ولذلك فإن الصدّيقين والاولياء من عباد الله يخلصون الحب لله، ولا يجمعون بين حبّ الله وحبّ آخر، مهما كان إلا أن يكون في امتداد حب الله.
وفي المناجاة التالية نلمس لوعة الحبّ وصدق الاخلاص في الحبّ في كلمات زين العابدين(عليه السلام): «سيّدي إليك رغبتي، وإليك رهبتي، وإليك تأميلي، وقد ساقني إليك أملي، وعليك يا واحدي عكفت همّتي، وفيما عندك انبسطت رغبتي، ولك خالص رجائي وخوفي، وبك أنست محبّتي، وإليك ألقيت بيدي، وبحبل طاعتك مددت رهبتي، يا مولاي بذكرك عاش قلبي، وبمناجاتك برّدت أمل الخوف عني....»[422].
فالامام(عليه السلام) في هذه المقطوعة من المناجاة يربط رغبته ورهبته وأمله كلّها بالله، ويعكف بهمّته كلّها عليه تعالى، ويجعل له خالص رجائه وخوفه.
روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أحبّوا الله من كلّ قلوبكم»[423]. وفي الدعاء عن الامام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام): «اللهم إنّي أسألك أن تملا قلبي حبّاً لك، وخشية منك، وتصديقاً لك، وإيماناً بك، وفرقاً منك، وشوقاً إليك»[424].
وإذا كان حبّ الله والشوق إليه ملء قلب العبد فلا يبقى في قلبه محلّ شاغر لحبّ آخر غير حبّ الله، إلاّ أن يكون في امتداد حبّه تعالى، وهو في الحقيقة من حبّ الله ومن الشوق إليه.
في الدعاء عن الامام الصادق(عليه السلام) عند حضور شهر رمضان: «صلّ على محمّد وآل محمّد واشغل قلبي بعظيم شأنك، وارسل محبّتك إليه حتى ألقاك وأوداجي تشخب دماً»[425]. وهو بمعنى إخلاص الحبّ لله، حيث يكون حبّ الله هو الشغل الشاغل للقلب وهمّه الذي لا يفارقه.
غيرة الله على عبده:
إن الله تعالى يحبّ عبده، ومن خصائص الحبّ الغيرة، فهو على قلب عبده غيور، يحبّ أن يخلص له عبده حبّه ولا يحبّ غيره، ولا يسمح بحبّ آخر أن يدخل قلبه.
وروي أن موسى بن عمران(عليه السلام) ناجى ربّه بالوادي المقدّس، فقال: «يا ربّ، إني أخلصت لك المحبّة منّي، وغسلت قلبي عمّن سواك» وكان شديد الحبّ لاهله، فقال الله تبارك وتعالى: «... انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة»[426].
ومن غيرة الله تعالى على عبده أن يزيل حبّ الاغيار من قلب عبده، وإذا وجد أن عبده قد تعلّق قلبه بغيره سلبه عنه حتى يخلص قلب عبده لحبّه. وقد ورد في الدعاء عن الامام الحسين(عليه السلام): «أنت الذي أزلت الاغيار عن قلوب أحبّائك، حتى لم يحبّوا سواك... ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك، لقد خاب من رضي دونك بدلاً»[427].
ويعجبني أن أنقل بهذا الصدد هذه القصه المربّية التي يرويها الشيخ حسن البنا في كتابه «مذكرات الدعوة والداعية»: يقول حسن البنا: رزق الله الشيخ شلبي أحد مشايخ مصر في العرفان والاخلاق بنتاً في مرحلة متأخرة من عمره، فولع بها الشيخ ولعاً شديداً وشغف بها حتى كاد لا يفارقها إلى أن كبرت. وكان يزداد حباً لها كلّما شبّت وكبرت.
ولقد زاره الشيخ البنا مع جمع من أصحابه في بعض الليالي بعد انصرافهم من موكب فرح، انطلقوا فيه من دار قرب دار الشيخ شلبي في ليلة عيد ميلاد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وبعد عودتهم جلسوا مع الشيخ شلبي قليلاً. ولما أرادوا الانصراف قال لهم الشيخ بابتسامة رقيقة لطيفة: إن شاء الله غداً تزورونني لندفن روحية.
وروحية هذه وحيدته التي رُزقها بعد إحدى عشرة سنة من زواجه، وكان لا يفارقها حتى في عمله. وقد شبّت وترعرعت، وأسماها «روحية» لانها كانت تحتل منه منزلة الروح.
يقول البنا: فاستغربنا وسألناه، ومتى توفيت؟ فقال: اليوم قبيل المغرب. فقلنا: ولماذا لم تخبرنا فنخرج من منزل آخر بموكب التشييع؟ فقال: وما الذي حدث؟ لقد خفف عنا الحزن، وانقلب المأتم فرحاً، فهل تريدون نعمة من الله أكبر من هذه النعمة؟
وانقلب الحديث إلى درس تصوّف يلقيه الشيخ، ويعلّل وفاة كريمته بغيرة الله على قلبه، فإن الله يغار على قلوب عباده الصالحين أن تتعلق بغيره، أو تنصرف إلى سواه. واستشهد بابراهيم(عليه السلام) وقد تعلّق قلبه باسماعيل فأمره الله أن يذبحه، ويعقوب(عليه السلام) إذ تعلّق قلبه بيوسف فأضاعه الله منه عدة سنوات. ولهذا يجب أن لا يتعلق قلب العبد بغير الله تبارك وتعالى، وإلاّ كان كاذباً في دعوى المحبة.
وساق قصة الفضيل بن عياض وقد أمسك بيد ابنته الصغرى فقبّلها فقالت له: يا أبتاه أتحبني؟ فقال: نعم يا بنيّة، فقالت: والله ما كنت أظنّك كذّاباً قبل اليوم. فقال: وكيف ذلك؟ ولم كذبت؟ فقالت: لقد ظننت أنك بحالك هذه مع الله لا تحبّ معه أحداً، فبكى الرجل وقال: يا مولاي، حتى الصغار قد اكتشفوا رياء عبدك الفضيل! وهكذا من هذه الاحاديث التي كان الشيخ شلبي يحاول أن يسرّي بها عنا، ويصرف ما لحقنا من ألم لمصابه وخجل لقضاء هذه الليلة عنده. وانصرفنا وعدنا إليه في الصباح حيث دفنّا روحية. ولم نسمع صوت نائحة، ولم ترتفع حنجرة بكلمة نابية، ولم نرَ إلاّ مظاهر الصبر والتسليم لله العلي الكبير.
الحبّ لله وفي الله:
يبقى علينا أن نجيب عن السؤال التالي، فقد نفسر إخلاص الحبّ لله بهذا المعنى على خلاف طبيعة الانسان وفطرته، فإن الله تعالى فطر الانسان على حب أشياء كثيرة، وكُره أشياء كثيرة، وإخلاص الحبّ لله بهذا المعنى ينافي هذه الفطرة التي فطر الله تعالى خلقه عليها.
والجواب: أن إخلاص الحبّ لله ليس بمعنى التنكّر للفطرة، وإنّما هو بمعنى توجيه الحب والكره من خلال ما يحبّ الله تعالى وما يكره. فالله تعالى لا يريد من عبده وكليمه موسى بن عمران(عليه السلام) أن ينتزع حبّ أهله من قلبه، وإنّما يريد أن يكون حبّه لاهله من خلال حبّه، وأن يكون حبّه هو المصدر الوحيد لكلّ حبّ في قلبه. وبتعبير آخر: إن الذي يطلبه الله تعالى من عبده وكليمه موسى بن عمران(عليه السلام)هو ربط كلّ حبّ بقناة حبّه تعالى، فيكون عندئذ حبّه لاهله تكريساً لحبّه تعالى، وهو معنىً دقيق، واُسلوب رائع في التربية لا يناله إلاّ من اختصّه الله تعالى بحبّه واصطفاه. فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من أكثر الناس خلوصاً وصفاءً ونقاءً كان يقول: «حُبّب إليّ من دنياكم: النساء، والطيب، وقرّة عيني في الصلاة»[428].
وليس من شكّ أن هذا الحبّ هو من الحبّ الذي يقع في امتداد حبّ الله. فإن أحبّ هذه الثلاثة إلى قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة، فهي قرّة عينه. وليس من شك أن حبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها يقع في امتداد حبّه لله تعالى.
فليس في «إخلاص الحبّ لله» تخريب للفطرة وتشويش للطبيعة التي خلقها الله تعالى، وإنّما هو إعادة لتنظيم خارطة الحبّ والبغض في حياة الانسان بهذا الملاك الجديد الذي يطرحه الاسلام.
فيبقى حبّ الانسان الطبيعي في مواضعه، ولكن ضمن تنظيم جديد يكرّس حبّ العبد لله تعالى بدل أن يضعفه ويشوّش عليه.
ولهذا السبب فقد ورد تأكيد بليغ في النصوص الاسلامية في قيمة «الحب لله وفي الله». فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام): «المحبّة لله أقرب نسب»[429].
وعنه(عليه السلام) أيضاً: «المحبّة في الله آكد من وشيج الرحم»[430].
والتعبير دقيق ويعتمد على أصل فكري مهم، فإن للناس في حياتهم أنساباً ووشائج من العلاقات. ومن أوثق هذه الوشائج وشيجة الرحم. والعلاقة بالله تعالى آكد من وشيجة الرحم. وإذا ربط الانسان حبّه وتعلّقه بهذه الوشيجة، وأحبّ من خلالها، وأبغض من خلالها، كان أكمل النسب وآكد الوشائج.
وإنّما يكون آكد الوشائج لان الحبّ إذا كان لغير الله فقد يتغيّر وقد يختلّ، وقد يتأثّر بالمؤثّرات التي تغيّر وجه الناس بعضهم لبعض. أما إذا كان حبّ الانسان لاخيه لله فإنّه آكد وأقوى، وأكثر ثباتاً تجاه المؤثّرات والعوامل المضادّة المختلفة.
وليس فقط إخلاص الحبّ لله لا ينفي التعلّقات الطبيعية في نفس الانسان، وإنّما يؤكّدها أيضاً ويرسّخها بعد أن ينظّمها من خلال القناة الكبرى، التي تنظّم كلّ حبّ الصّديقين وأولياء الله. فيكون أفضل الناس عند الله أكثرهم حبّاً لاخيه المؤمن في الله. عن الصادق(عليه السلام): «ما التقى مؤمنان قطّ إلاّ كان أفضلهما أشدّهما حبّاً لاخيه»[431].
وروي عنه(عليه السلام) أيضاً: «إن المتحابّين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتى يعرفوا به، فيقال: هؤلاء المتحابّون في الله»[432].
وروي أن الله تعالى قال لموسى بن عمران(عليه السلام): «هل عملت لي عملاً؟ قال: صلّيت لك وصمت، وتصدّقت وذكرت لك، فقال الله تبارك وتعالى: أما الصلاة فلك برهان، والصوم جُنّة، والصدقة ظلّ، والذكر نور، فأي عمل عملت لي؟ قال موسى(عليه السلام): دلّني على العمل الذي هو لك. قال: يا موسى، هل واليت لي وليّاً وهل عاديت لي عدوّاً قط؟ فعلم موسى أن أفضل الاعمال الحبّ في الله والبغض في الله»[433].
والحديث دقيق، فإن الصلاة يمكن أن يقدم عليها الانسان لحبّه لله، ويمكن أن يقدم عليها لتكون برهاناً له في الجنّة. والصوم يمكن أن يقدم عليه الانسان حبّاً لله، ويمكن أن يقوم به ليكون جُنّة له من النار. أمّا حبّ أولياء الله وبغض أعدائه فلا يكون إلاّ حبّاً لله.
المصدر الاول للحب:
من أين نستقي حبّ الله؟ هذا سؤال مهم في بحثنا هذا. فمادمنا قد عرفنا قيمة حب الله، فلابدّ أن نعرف من أين نأخذ هذا الحب. وما هو مصدره؟
وإجمال الجواب أن الله تعالى هو مصدر الحبّ ومبدؤه وغايته. ولابدّ لهذا الاجمال من تفصيل، وإليك هذا التفصيل:
1 ـ يحبّ الله عباده:
إن الله تعالى يحبّ عباده، ويرزقهم، ويستر عليهم، ويهبهم من المواهب والنعم مالا يحصيه أحد، ويعفو عنهم، ويتوب عليهم، ويسدّدهم، ويرزقهم التوفيق، ويهديهم صراطه المستقيم، ويتولاّهم برعايته وفضله، ويدفع عنهم السوء والشرّ، وهذه جميعاً أمارات الحبّ.
2 ـ ويمنحهم حبّه وودّه:
ومن حبّ الله تعالى لعباده أنه يحبّهم، ويرزقهم حبّه. وأمر هذا الحبّ غريب، فإن الله تعالى هو واهب الحبّ، وهو الذي يتلقّى الحبّ من عباده. يهبهم الجذبة بعد الجذبة، ثم يجذبهم إليه بتلك الجذبة.
ونحن نجد في نصوص الاحاديث والادعية إشارات متكررة إلى هذا المعنى. ففي المناجاة الثانية عشرة للامام زين العابدين(عليه السلام): «إلهي، فاجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبّتك بمجامع قلوبهم». وقد شرحنا هذا النص من قبل.
وفي المناجاة الرابعة عشرة: «أسألك أن تجعل علينا واقية تنجينا من الهلكات، وتجنّبنا من الافات، وتكنّنا من دواهي المصيبات، وأن تنزل علينا من سكينتك، وأن تغشي وجوهنا بأنوار محبّتك، وأن تؤوينا إلى شديد ركنك، وأن تحوينا في أكناف عصمتك، برأفتك ورحمتك يا أرحم الراحمين».
وفي المناجاة الخامسة عشرة (مناجاة الزاهدين): «إلهي، فزهّدنا فيها، وسلّمنا منها بتوفيقك وعصمتك، وانزع عنّا جلابيب مخالفتك، وتولّ اُمورنا بحسن كفايتك، وأجمل صلاتنا من فيض مواهبك، واغرس في أفئدتنا أشجار محبّتك، وأتمم لنا أنوار معرفتك، وأذقنا حلاوة عفوك ولذّة مغفرتك، وأقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتك، وأخرج حبّ الدنيا من قلوبنا كما فعلت بالصالحين من صفوتك، والابرار من خاصّتك، برحمتك يا أرحم الراحمين».
وفي التكملة التي يذكرها السيد بن طاووس لدعاء الامام الحسين(عليه السلام) في عرفة: «كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الاثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقه عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً... فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك... وصنّي بسرّك المصون... واسلك بي مسلك أهل الجذب، إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري، وبا ختيارك عن اختياري، وأوقفني عن مراكز اضطراري... أنت الذي أشرقت الانوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحّدوك. وأنت الذي أزلت الاغيار عن قلوب أحبّائك حتى لم يحبّوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك، أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم. ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك متحوّلاً، كيف يُرجى سواك وأنت ما قطعت الاحسان؟ وكيف يُطلب من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان؟ يا من أذاق أحبّاءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملّقين، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين... إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك، واجذبني بمنّك حتى اُقبل عليك»[434].
3 ـ ويتحبّب إليهم:
والله تعالى يتحبّب إلى عباده، فيغدق عليهم النعم ليحبّوه، وإن النعم في القلوب الواعية والمدركة تحبّب الله تعالى إلى الذين ينعم عليهم.
في دعاء علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) في الاسحار: «تتحبّب إلينا بالنعم، ونعارضك بالذنوب، خيرك إلينا نازل، وشرّنا إليك صاعد، ولم يزل ولا يزال ملك كريم يأتيك عنا في كل يوم بعمل قبيح، فلا يمنعك ما يأتي منّا من ذلك أن تحوطنا برحمتك، وتتفضّل علينا بآلائك، فسبحانك ما أحلمك وأعظمك وأكرمك مُبدئاً ومُعيداً»[435].
والمقارنة بين ما هو النازل من لدن الله إلى العبد من نعم وفضل وإحسان وجميل وعفو وستر، وبين ما هو الصاعد من قبل العبد إلى الله من قبيح وشر يُشعر العبد بالخجل من مولاه، فهو يقابل هذا الحبّ والتحبّب من جانب الله تعالى بالاعراض والتبغّض إليه.
وما أكثر بؤس الانسان وشقاءه إذا كان يقابل حبّ الله تعالى له وتحبّبه إليه بالاعراض والتبغض.
تأمّلوا في هذه الكلمات من دعاء الافتتاح للامام الحجة(عليه السلام): «إنّك تدعوني فاُولّي عنك، وتتحبّب إليّ فأتبغّض إليك، وتتودّد إليّ فلا أقبل منك، كأنّ لي التطوّل عليك، فلم يمنعك ذلك من الرحمة بي، والاحسان إليّ والتفضّل عليّ»[436].
«خيرك إلينا نازل، وشرّنا إليك صاعد»[437].
إخـلاص الـحب لله
توحيد الحبّ:
عندما نستعرض النصوص الاسلامية في الحب الالهي من الكتاب والسنّة... نجد أن هذه النصوص تحدّد لنا ضوابط ثلاثة في مسألة الحب:
أولاً: تفضيل حبّ الله:
لابدّ أن يكون الانسان أشدّ حباً لله من كل أحد، ومن كل شيء، وأن يكون حبّ الله تعالى هو أمكن شيء في نفسه، يقول تعالى: (قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبناؤُكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتُموها وتجارةٌ تخشونَ كسادَها ومساكنُ تَرضَونها أحبَّ إليكم من اللهِ ورسولهِ وجهاد في سبيلهِ فتربّصوا حتى يأتيَ اللهُ بأمرهِ واللهُ لا يهدي القومَ الفاسقينَ)[438].
فلا ينهى الله تعالى عن حبّ الاباء والابناء والاخوان والازواج والعشائر، ما لم يعادوا الله ورسوله، ولا ينهى عن حبّ المال والتجارة والمساكن، ما لم تكن من حرام... وإنّما ينهى أن يكون حبّ هذه الاُمور أقوى وأشدّ عند المؤمن من حبّ الله ورسوله وجهاد في سبيله، ويقول تعالى: (ومِن الناسِ من يتَّخِذُ مِن دونِ اللهِ أنداداً يُحِبّونَهم كحُبِّ اللهِ والذينَ آمنوا أشدُّ حبّاً للهِ)[439].
والاية الثانية تكمل دلالة الاية الاولى، فلا ينبغي أن يكون في الكون شيء أحبّ إلى قلب المؤمن من الله، وعليه أن يجعل لحبّ الله المنزلة العليا في نفسه، وأن يمكِّن حبّ الله من نفسه أكثر من أي شيء آخر، مهما كان ذلك الشيء، وما لم يكن لحبّ الله على قلب المؤمن مثل هذه الهيمنة القوية والفاعلة لا يكون الانسان كامل الايمان.
فإن الله تعالى يقول: (زُيِّنَ للناسِ حبُّ الشهَواتِ من النِساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ من الذّهبِ والفِضّةِ والخيلِ المسوَّمةِ والانعامِ والحَرْثِ)[440].
وليس على المؤمن بأس أن يحبّ كل ذلك ما لم يحرّمه الله... إذا كان حبّه لله أشد وأقوى حتى من حبّه لنفسه. فيكون الحبّ الالهي أقوى وأنفذ في نفس المؤمن من أي حبّ آخر وعلاقة اُخرى. وقد روي عن الصادق(عليه السلام): «لا يمحض رجلٌ الايمانَ باللهِ حتى يكونَ اللهُ أحبَّ إليهِ من نفسِهِ وأبيهِ واُمِّهِ وولدِهِ وأهلِهِ ومالِهِ ومِن الناسِ كلِّهم»[441].
وليست هيمنة الحبّ الالهي على قلب المؤمن مسألة نظرية معزولة عن حياته وحبّه وعلاقاته، وتحرّكه.
فللحبّ متطلّبات ومستلزمات وتبعات، وما لم يقترن الحبّ بها لن يكون من الحبّ الصادق (قُلْ إنْ كُنتم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبعوني)[442].
وعندما يتعارض حبّ وحبّ آخر في قلب المؤمن، وتتعارض أحكام ومتطلبات كل واحد منهما، يكون حبّ الله أقوى في نفسه، وأكثر نفوذاً وفاعلية، ويكون استجابته لحبّ الله دون غيره، هو علامة صدقه في الحبّ.
وقد ورد هذا المعنى في الكثير من النصوص الاسلامية في الادعية، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما روي عنه من الدعاء: «اللّهم إني أسألك حبَّك وحبَّ من يحبّك، والعملَ الذي يبلّغني حبَّك، اللّهم اجعل حبَّك أحبَّ اليَّ من نفسي وأهلي»[443]. وورد مثله عن داود(عليه السلام)[444].
وورد أيضاَ عن رسوله الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهم اجعل حبّك أحبّ الاشياء اليّ، واجعل خشيتك أخوف الاشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرِر عيني من عبادتك»[445].
وهذه مقولة فوق مقولة توحيد الحب. فإن توحيد الحب لا ينفي اي حب آخر غير حب الله، ولكنه يحكّم حب الله تعالى ويغلّبه على أي حب آخر، فيكون حب الله هو الحب الغالب الحاكم (والّذينَ آمنوا أشدُّ حُبّاً للهِ)[420]، وهو من شروط الايمان وفرع من فروع التوحيد.
أما إخلاص الحب لله فهو ينفي أيّ حب آخر غير حب الله، إلاّ أن يكون في امتداد حبّ الله «الحب لله، والبغض لله» وهو ليس من شؤون الايمان والتوحيد، ولكنه من شؤون الصدّيقين ومقاماتهم. فإن الله تعالى يمكّن أولياءه وعباده الصالحين من تفريغ قلوبهم من كل حبّ وودّ غير حبّه وودّه.
وقد روي عن الامام أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): «القلب حرم الله، فلا تُسكن حرَم الله غير الله»[421]. وهذه صفة خاصة للقلب، فإن الجوارح تسعى وتتحرّك في الحياة باتجاهات وشؤون شتّى فيما أباحه الله تعالى وأجازه، أما القلب فهو حرم الله تعالى ولا ينبغي أن يحلّ فيه حبّ لغير الله وتعلّق بسواه.
والتعبير عن «القلب» في النص بـ«الحرم» دقيق ومعبّر; فإن الحرم منطقة آمنة ومغلقة على كل غريب، لا ينال أهلها سوء أو خوف، ولا يدخلها غريب، وكذلك القلب حرم الله الامن، لا يدخله حبّ آخر غير حبّ الله، ولا يمسّ فيه حبّ الله سوء أو خوف.
ولذلك فإن الصدّيقين والاولياء من عباد الله يخلصون الحب لله، ولا يجمعون بين حبّ الله وحبّ آخر، مهما كان إلا أن يكون في امتداد حب الله.
وفي المناجاة التالية نلمس لوعة الحبّ وصدق الاخلاص في الحبّ في كلمات زين العابدين(عليه السلام): «سيّدي إليك رغبتي، وإليك رهبتي، وإليك تأميلي، وقد ساقني إليك أملي، وعليك يا واحدي عكفت همّتي، وفيما عندك انبسطت رغبتي، ولك خالص رجائي وخوفي، وبك أنست محبّتي، وإليك ألقيت بيدي، وبحبل طاعتك مددت رهبتي، يا مولاي بذكرك عاش قلبي، وبمناجاتك برّدت أمل الخوف عني....»[422].
فالامام(عليه السلام) في هذه المقطوعة من المناجاة يربط رغبته ورهبته وأمله كلّها بالله، ويعكف بهمّته كلّها عليه تعالى، ويجعل له خالص رجائه وخوفه.
روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أحبّوا الله من كلّ قلوبكم»[423]. وفي الدعاء عن الامام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام): «اللهم إنّي أسألك أن تملا قلبي حبّاً لك، وخشية منك، وتصديقاً لك، وإيماناً بك، وفرقاً منك، وشوقاً إليك»[424].
وإذا كان حبّ الله والشوق إليه ملء قلب العبد فلا يبقى في قلبه محلّ شاغر لحبّ آخر غير حبّ الله، إلاّ أن يكون في امتداد حبّه تعالى، وهو في الحقيقة من حبّ الله ومن الشوق إليه.
في الدعاء عن الامام الصادق(عليه السلام) عند حضور شهر رمضان: «صلّ على محمّد وآل محمّد واشغل قلبي بعظيم شأنك، وارسل محبّتك إليه حتى ألقاك وأوداجي تشخب دماً»[425]. وهو بمعنى إخلاص الحبّ لله، حيث يكون حبّ الله هو الشغل الشاغل للقلب وهمّه الذي لا يفارقه.
غيرة الله على عبده:
إن الله تعالى يحبّ عبده، ومن خصائص الحبّ الغيرة، فهو على قلب عبده غيور، يحبّ أن يخلص له عبده حبّه ولا يحبّ غيره، ولا يسمح بحبّ آخر أن يدخل قلبه.
وروي أن موسى بن عمران(عليه السلام) ناجى ربّه بالوادي المقدّس، فقال: «يا ربّ، إني أخلصت لك المحبّة منّي، وغسلت قلبي عمّن سواك» وكان شديد الحبّ لاهله، فقال الله تبارك وتعالى: «... انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة»[426].
ومن غيرة الله تعالى على عبده أن يزيل حبّ الاغيار من قلب عبده، وإذا وجد أن عبده قد تعلّق قلبه بغيره سلبه عنه حتى يخلص قلب عبده لحبّه. وقد ورد في الدعاء عن الامام الحسين(عليه السلام): «أنت الذي أزلت الاغيار عن قلوب أحبّائك، حتى لم يحبّوا سواك... ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك، لقد خاب من رضي دونك بدلاً»[427].
ويعجبني أن أنقل بهذا الصدد هذه القصه المربّية التي يرويها الشيخ حسن البنا في كتابه «مذكرات الدعوة والداعية»: يقول حسن البنا: رزق الله الشيخ شلبي أحد مشايخ مصر في العرفان والاخلاق بنتاً في مرحلة متأخرة من عمره، فولع بها الشيخ ولعاً شديداً وشغف بها حتى كاد لا يفارقها إلى أن كبرت. وكان يزداد حباً لها كلّما شبّت وكبرت.
ولقد زاره الشيخ البنا مع جمع من أصحابه في بعض الليالي بعد انصرافهم من موكب فرح، انطلقوا فيه من دار قرب دار الشيخ شلبي في ليلة عيد ميلاد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وبعد عودتهم جلسوا مع الشيخ شلبي قليلاً. ولما أرادوا الانصراف قال لهم الشيخ بابتسامة رقيقة لطيفة: إن شاء الله غداً تزورونني لندفن روحية.
وروحية هذه وحيدته التي رُزقها بعد إحدى عشرة سنة من زواجه، وكان لا يفارقها حتى في عمله. وقد شبّت وترعرعت، وأسماها «روحية» لانها كانت تحتل منه منزلة الروح.
يقول البنا: فاستغربنا وسألناه، ومتى توفيت؟ فقال: اليوم قبيل المغرب. فقلنا: ولماذا لم تخبرنا فنخرج من منزل آخر بموكب التشييع؟ فقال: وما الذي حدث؟ لقد خفف عنا الحزن، وانقلب المأتم فرحاً، فهل تريدون نعمة من الله أكبر من هذه النعمة؟
وانقلب الحديث إلى درس تصوّف يلقيه الشيخ، ويعلّل وفاة كريمته بغيرة الله على قلبه، فإن الله يغار على قلوب عباده الصالحين أن تتعلق بغيره، أو تنصرف إلى سواه. واستشهد بابراهيم(عليه السلام) وقد تعلّق قلبه باسماعيل فأمره الله أن يذبحه، ويعقوب(عليه السلام) إذ تعلّق قلبه بيوسف فأضاعه الله منه عدة سنوات. ولهذا يجب أن لا يتعلق قلب العبد بغير الله تبارك وتعالى، وإلاّ كان كاذباً في دعوى المحبة.
وساق قصة الفضيل بن عياض وقد أمسك بيد ابنته الصغرى فقبّلها فقالت له: يا أبتاه أتحبني؟ فقال: نعم يا بنيّة، فقالت: والله ما كنت أظنّك كذّاباً قبل اليوم. فقال: وكيف ذلك؟ ولم كذبت؟ فقالت: لقد ظننت أنك بحالك هذه مع الله لا تحبّ معه أحداً، فبكى الرجل وقال: يا مولاي، حتى الصغار قد اكتشفوا رياء عبدك الفضيل! وهكذا من هذه الاحاديث التي كان الشيخ شلبي يحاول أن يسرّي بها عنا، ويصرف ما لحقنا من ألم لمصابه وخجل لقضاء هذه الليلة عنده. وانصرفنا وعدنا إليه في الصباح حيث دفنّا روحية. ولم نسمع صوت نائحة، ولم ترتفع حنجرة بكلمة نابية، ولم نرَ إلاّ مظاهر الصبر والتسليم لله العلي الكبير.
الحبّ لله وفي الله:
يبقى علينا أن نجيب عن السؤال التالي، فقد نفسر إخلاص الحبّ لله بهذا المعنى على خلاف طبيعة الانسان وفطرته، فإن الله تعالى فطر الانسان على حب أشياء كثيرة، وكُره أشياء كثيرة، وإخلاص الحبّ لله بهذا المعنى ينافي هذه الفطرة التي فطر الله تعالى خلقه عليها.
والجواب: أن إخلاص الحبّ لله ليس بمعنى التنكّر للفطرة، وإنّما هو بمعنى توجيه الحب والكره من خلال ما يحبّ الله تعالى وما يكره. فالله تعالى لا يريد من عبده وكليمه موسى بن عمران(عليه السلام) أن ينتزع حبّ أهله من قلبه، وإنّما يريد أن يكون حبّه لاهله من خلال حبّه، وأن يكون حبّه هو المصدر الوحيد لكلّ حبّ في قلبه. وبتعبير آخر: إن الذي يطلبه الله تعالى من عبده وكليمه موسى بن عمران(عليه السلام)هو ربط كلّ حبّ بقناة حبّه تعالى، فيكون عندئذ حبّه لاهله تكريساً لحبّه تعالى، وهو معنىً دقيق، واُسلوب رائع في التربية لا يناله إلاّ من اختصّه الله تعالى بحبّه واصطفاه. فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من أكثر الناس خلوصاً وصفاءً ونقاءً كان يقول: «حُبّب إليّ من دنياكم: النساء، والطيب، وقرّة عيني في الصلاة»[428].
وليس من شكّ أن هذا الحبّ هو من الحبّ الذي يقع في امتداد حبّ الله. فإن أحبّ هذه الثلاثة إلى قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة، فهي قرّة عينه. وليس من شك أن حبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها يقع في امتداد حبّه لله تعالى.
فليس في «إخلاص الحبّ لله» تخريب للفطرة وتشويش للطبيعة التي خلقها الله تعالى، وإنّما هو إعادة لتنظيم خارطة الحبّ والبغض في حياة الانسان بهذا الملاك الجديد الذي يطرحه الاسلام.
فيبقى حبّ الانسان الطبيعي في مواضعه، ولكن ضمن تنظيم جديد يكرّس حبّ العبد لله تعالى بدل أن يضعفه ويشوّش عليه.
ولهذا السبب فقد ورد تأكيد بليغ في النصوص الاسلامية في قيمة «الحب لله وفي الله». فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام): «المحبّة لله أقرب نسب»[429].
وعنه(عليه السلام) أيضاً: «المحبّة في الله آكد من وشيج الرحم»[430].
والتعبير دقيق ويعتمد على أصل فكري مهم، فإن للناس في حياتهم أنساباً ووشائج من العلاقات. ومن أوثق هذه الوشائج وشيجة الرحم. والعلاقة بالله تعالى آكد من وشيجة الرحم. وإذا ربط الانسان حبّه وتعلّقه بهذه الوشيجة، وأحبّ من خلالها، وأبغض من خلالها، كان أكمل النسب وآكد الوشائج.
وإنّما يكون آكد الوشائج لان الحبّ إذا كان لغير الله فقد يتغيّر وقد يختلّ، وقد يتأثّر بالمؤثّرات التي تغيّر وجه الناس بعضهم لبعض. أما إذا كان حبّ الانسان لاخيه لله فإنّه آكد وأقوى، وأكثر ثباتاً تجاه المؤثّرات والعوامل المضادّة المختلفة.
وليس فقط إخلاص الحبّ لله لا ينفي التعلّقات الطبيعية في نفس الانسان، وإنّما يؤكّدها أيضاً ويرسّخها بعد أن ينظّمها من خلال القناة الكبرى، التي تنظّم كلّ حبّ الصّديقين وأولياء الله. فيكون أفضل الناس عند الله أكثرهم حبّاً لاخيه المؤمن في الله. عن الصادق(عليه السلام): «ما التقى مؤمنان قطّ إلاّ كان أفضلهما أشدّهما حبّاً لاخيه»[431].
وروي عنه(عليه السلام) أيضاً: «إن المتحابّين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتى يعرفوا به، فيقال: هؤلاء المتحابّون في الله»[432].
وروي أن الله تعالى قال لموسى بن عمران(عليه السلام): «هل عملت لي عملاً؟ قال: صلّيت لك وصمت، وتصدّقت وذكرت لك، فقال الله تبارك وتعالى: أما الصلاة فلك برهان، والصوم جُنّة، والصدقة ظلّ، والذكر نور، فأي عمل عملت لي؟ قال موسى(عليه السلام): دلّني على العمل الذي هو لك. قال: يا موسى، هل واليت لي وليّاً وهل عاديت لي عدوّاً قط؟ فعلم موسى أن أفضل الاعمال الحبّ في الله والبغض في الله»[433].
والحديث دقيق، فإن الصلاة يمكن أن يقدم عليها الانسان لحبّه لله، ويمكن أن يقدم عليها لتكون برهاناً له في الجنّة. والصوم يمكن أن يقدم عليه الانسان حبّاً لله، ويمكن أن يقوم به ليكون جُنّة له من النار. أمّا حبّ أولياء الله وبغض أعدائه فلا يكون إلاّ حبّاً لله.
المصدر الاول للحب:
من أين نستقي حبّ الله؟ هذا سؤال مهم في بحثنا هذا. فمادمنا قد عرفنا قيمة حب الله، فلابدّ أن نعرف من أين نأخذ هذا الحب. وما هو مصدره؟
وإجمال الجواب أن الله تعالى هو مصدر الحبّ ومبدؤه وغايته. ولابدّ لهذا الاجمال من تفصيل، وإليك هذا التفصيل:
1 ـ يحبّ الله عباده:
إن الله تعالى يحبّ عباده، ويرزقهم، ويستر عليهم، ويهبهم من المواهب والنعم مالا يحصيه أحد، ويعفو عنهم، ويتوب عليهم، ويسدّدهم، ويرزقهم التوفيق، ويهديهم صراطه المستقيم، ويتولاّهم برعايته وفضله، ويدفع عنهم السوء والشرّ، وهذه جميعاً أمارات الحبّ.
2 ـ ويمنحهم حبّه وودّه:
ومن حبّ الله تعالى لعباده أنه يحبّهم، ويرزقهم حبّه. وأمر هذا الحبّ غريب، فإن الله تعالى هو واهب الحبّ، وهو الذي يتلقّى الحبّ من عباده. يهبهم الجذبة بعد الجذبة، ثم يجذبهم إليه بتلك الجذبة.
ونحن نجد في نصوص الاحاديث والادعية إشارات متكررة إلى هذا المعنى. ففي المناجاة الثانية عشرة للامام زين العابدين(عليه السلام): «إلهي، فاجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبّتك بمجامع قلوبهم». وقد شرحنا هذا النص من قبل.
وفي المناجاة الرابعة عشرة: «أسألك أن تجعل علينا واقية تنجينا من الهلكات، وتجنّبنا من الافات، وتكنّنا من دواهي المصيبات، وأن تنزل علينا من سكينتك، وأن تغشي وجوهنا بأنوار محبّتك، وأن تؤوينا إلى شديد ركنك، وأن تحوينا في أكناف عصمتك، برأفتك ورحمتك يا أرحم الراحمين».
وفي المناجاة الخامسة عشرة (مناجاة الزاهدين): «إلهي، فزهّدنا فيها، وسلّمنا منها بتوفيقك وعصمتك، وانزع عنّا جلابيب مخالفتك، وتولّ اُمورنا بحسن كفايتك، وأجمل صلاتنا من فيض مواهبك، واغرس في أفئدتنا أشجار محبّتك، وأتمم لنا أنوار معرفتك، وأذقنا حلاوة عفوك ولذّة مغفرتك، وأقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتك، وأخرج حبّ الدنيا من قلوبنا كما فعلت بالصالحين من صفوتك، والابرار من خاصّتك، برحمتك يا أرحم الراحمين».
وفي التكملة التي يذكرها السيد بن طاووس لدعاء الامام الحسين(عليه السلام) في عرفة: «كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الاثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقه عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً... فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك... وصنّي بسرّك المصون... واسلك بي مسلك أهل الجذب، إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري، وبا ختيارك عن اختياري، وأوقفني عن مراكز اضطراري... أنت الذي أشرقت الانوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحّدوك. وأنت الذي أزلت الاغيار عن قلوب أحبّائك حتى لم يحبّوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك، أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم. ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك متحوّلاً، كيف يُرجى سواك وأنت ما قطعت الاحسان؟ وكيف يُطلب من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان؟ يا من أذاق أحبّاءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملّقين، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين... إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك، واجذبني بمنّك حتى اُقبل عليك»[434].
3 ـ ويتحبّب إليهم:
والله تعالى يتحبّب إلى عباده، فيغدق عليهم النعم ليحبّوه، وإن النعم في القلوب الواعية والمدركة تحبّب الله تعالى إلى الذين ينعم عليهم.
في دعاء علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) في الاسحار: «تتحبّب إلينا بالنعم، ونعارضك بالذنوب، خيرك إلينا نازل، وشرّنا إليك صاعد، ولم يزل ولا يزال ملك كريم يأتيك عنا في كل يوم بعمل قبيح، فلا يمنعك ما يأتي منّا من ذلك أن تحوطنا برحمتك، وتتفضّل علينا بآلائك، فسبحانك ما أحلمك وأعظمك وأكرمك مُبدئاً ومُعيداً»[435].
والمقارنة بين ما هو النازل من لدن الله إلى العبد من نعم وفضل وإحسان وجميل وعفو وستر، وبين ما هو الصاعد من قبل العبد إلى الله من قبيح وشر يُشعر العبد بالخجل من مولاه، فهو يقابل هذا الحبّ والتحبّب من جانب الله تعالى بالاعراض والتبغّض إليه.
وما أكثر بؤس الانسان وشقاءه إذا كان يقابل حبّ الله تعالى له وتحبّبه إليه بالاعراض والتبغض.
تأمّلوا في هذه الكلمات من دعاء الافتتاح للامام الحجة(عليه السلام): «إنّك تدعوني فاُولّي عنك، وتتحبّب إليّ فأتبغّض إليك، وتتودّد إليّ فلا أقبل منك، كأنّ لي التطوّل عليك، فلم يمنعك ذلك من الرحمة بي، والاحسان إليّ والتفضّل عليّ»[436].
«خيرك إلينا نازل، وشرّنا إليك صاعد»[437].
إخـلاص الـحب لله
توحيد الحبّ:
عندما نستعرض النصوص الاسلامية في الحب الالهي من الكتاب والسنّة... نجد أن هذه النصوص تحدّد لنا ضوابط ثلاثة في مسألة الحب:
أولاً: تفضيل حبّ الله:
لابدّ أن يكون الانسان أشدّ حباً لله من كل أحد، ومن كل شيء، وأن يكون حبّ الله تعالى هو أمكن شيء في نفسه، يقول تعالى: (قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبناؤُكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتُموها وتجارةٌ تخشونَ كسادَها ومساكنُ تَرضَونها أحبَّ إليكم من اللهِ ورسولهِ وجهاد في سبيلهِ فتربّصوا حتى يأتيَ اللهُ بأمرهِ واللهُ لا يهدي القومَ الفاسقينَ)[438].
فلا ينهى الله تعالى عن حبّ الاباء والابناء والاخوان والازواج والعشائر، ما لم يعادوا الله ورسوله، ولا ينهى عن حبّ المال والتجارة والمساكن، ما لم تكن من حرام... وإنّما ينهى أن يكون حبّ هذه الاُمور أقوى وأشدّ عند المؤمن من حبّ الله ورسوله وجهاد في سبيله، ويقول تعالى: (ومِن الناسِ من يتَّخِذُ مِن دونِ اللهِ أنداداً يُحِبّونَهم كحُبِّ اللهِ والذينَ آمنوا أشدُّ حبّاً للهِ)[439].
والاية الثانية تكمل دلالة الاية الاولى، فلا ينبغي أن يكون في الكون شيء أحبّ إلى قلب المؤمن من الله، وعليه أن يجعل لحبّ الله المنزلة العليا في نفسه، وأن يمكِّن حبّ الله من نفسه أكثر من أي شيء آخر، مهما كان ذلك الشيء، وما لم يكن لحبّ الله على قلب المؤمن مثل هذه الهيمنة القوية والفاعلة لا يكون الانسان كامل الايمان.
فإن الله تعالى يقول: (زُيِّنَ للناسِ حبُّ الشهَواتِ من النِساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ من الذّهبِ والفِضّةِ والخيلِ المسوَّمةِ والانعامِ والحَرْثِ)[440].
وليس على المؤمن بأس أن يحبّ كل ذلك ما لم يحرّمه الله... إذا كان حبّه لله أشد وأقوى حتى من حبّه لنفسه. فيكون الحبّ الالهي أقوى وأنفذ في نفس المؤمن من أي حبّ آخر وعلاقة اُخرى. وقد روي عن الصادق(عليه السلام): «لا يمحض رجلٌ الايمانَ باللهِ حتى يكونَ اللهُ أحبَّ إليهِ من نفسِهِ وأبيهِ واُمِّهِ وولدِهِ وأهلِهِ ومالِهِ ومِن الناسِ كلِّهم»[441].
وليست هيمنة الحبّ الالهي على قلب المؤمن مسألة نظرية معزولة عن حياته وحبّه وعلاقاته، وتحرّكه.
فللحبّ متطلّبات ومستلزمات وتبعات، وما لم يقترن الحبّ بها لن يكون من الحبّ الصادق (قُلْ إنْ كُنتم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبعوني)[442].
وعندما يتعارض حبّ وحبّ آخر في قلب المؤمن، وتتعارض أحكام ومتطلبات كل واحد منهما، يكون حبّ الله أقوى في نفسه، وأكثر نفوذاً وفاعلية، ويكون استجابته لحبّ الله دون غيره، هو علامة صدقه في الحبّ.
وقد ورد هذا المعنى في الكثير من النصوص الاسلامية في الادعية، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما روي عنه من الدعاء: «اللّهم إني أسألك حبَّك وحبَّ من يحبّك، والعملَ الذي يبلّغني حبَّك، اللّهم اجعل حبَّك أحبَّ اليَّ من نفسي وأهلي»[443]. وورد مثله عن داود(عليه السلام)[444].
وورد أيضاَ عن رسوله الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهم اجعل حبّك أحبّ الاشياء اليّ، واجعل خشيتك أخوف الاشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرِر عيني من عبادتك»[445].