المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طوق الطهارة .. محمد حسن علوان


اثير
08-08-07, 07:36 PM
مرحبا ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

http://www.moq3.com/img/uploads/Zvs77612.jpg



الروائي محمد حسن علوان
يصدر روايته الجديدة ( طوق الطهارة)


http://www.moq3.com/img/uploads/Q5H77851.bmp


* الناشر/ دار الساقي



رابط الرواية في الموقع الشخصي:
http://www.alalwan.com/novels/Tauq/novel-Tauq.htm



رابط الرواية في مكتبة النيل والفرات:
http://www.neelwafurat.com/itempage....4&search=books



كل التوفيق للمبدع محمد علوان ..




اثير6 :cool:

قلب أبيض..
24-11-07, 02:19 AM
أنني أشعر بالندم عندما أتسرع في حرق أحداث رواية بقراءة مقاطع منها .. اتخيل نفسي عندما تصبح الرواية بين يداي .. كيف سأعاود قراءة ما قرئته منذ فترة ؟
لكن مع لغة علوان الفريدة تنفذ معاجز الصبر لدينا ونظل نبحث عن ظل لكلماته لنشبع نهم قراءة نصوصه .





---------------------------------


محمد حسن علوان

فصل من رواية "طوق الطهارة"

http://www.kikah.com/data/kikaharabic/live/k2/2007-08-22/230_files/image002.jpg








هذه المرة أكتب بنوايا متعددة..

وأعرف أن فرقاً شاسعاً سوف يؤلم ذهني، ولن ينتبه إليه أحد. أنا الذي أكتب الآن على ورقٍ يابس، وأمارس هذا القمار الثقيل، وقد انقسم إيماني إلى أجزاء لا يعرف أياً منها طريق النافذة، ولا شكل السماء. لم يبق عندي إلا نصف الشوق، ونصف الليل، ونصف اللغة، بعدما تركتني الأنصاف الأخرى من أجل حياةٍ أكثر جدوى، وطريق أكثر أماناً.



هذا ما يجعلني بطيئاً وخائفاً؛ أكتب على مهل مثلما تُنقش التوابيت، وأراقب في سطح ذهني مئات الوجوه التي لا أعرف أياً منها، ولكنها طفرت فجأة على الورق، مثل جماعات الغجر، وصار لزاماً عليّ أن أرقص معهم أو أموت غريباً. حاصرتني هذه النوايا المتعددة، بعد أن كان يستحيل عليّ أن أكتبَ بأكثر من نية، مثلما يستحيل أن أكتب بأكثر من قلم، خشية أن يخرجني هذا من توحيد الكتابة، ويجعلني مشركاً كالرسامين الذين يرسمون بألوان كثيرة، ولا أستطيع أن أقلدهم في ضلالهم المتعدد، فما الذي يحدث الآن يا ترى؟



صرتُ مثل الأسترالي الأصلي الذي أستيقظ من النوم ليجد العالم قد انتقل إلى قارته، وقرر أن يشاركه إياها! وأنا لا أعرف فن الحرب، ولا حتى فن السلم، ولا أعرف فعلاً، معنى أن يكون هناك آخرون على وجه الكتابة، أقاسمهم الوحشة والنزق، فلا يردون عليّ قميصها المفقود. أنا الذي تعودتُ أن أكتب الأحلام، وأحشرها في كبسولة تحت لسان الله، وأنساها، وجدتُ نفسي هذه المرة، موقوفاً على جانب الطريق، متهماً بحيازة أحلام باطلة، وكبسولات غير مشروعة!



كيف يمكن أن أحتسب أجر هذه الضوضاء في غرفة من الروح، كانت هادئة، كما يليق بعاشق سابق؟ وكيف يمكن أن يخرج هذا الكتاب الصعب من وراء الغياب، ليضطرني فجأة إلى تغيير عادات أصابعي، وسكنات يدي، وتقاليد الكلمات، ورائحة الورق، ويدخلني في جدلٍ طويل مع ضمائر لا أعرفها، وقوانين لا أفهمها، ونوايا لا تصلح أبداً لكتابة كاملة؟



تقلقني هذه الانقلابات المفاجئة في الحرفة التي ركدت بداخلي مثل جدول قديم، وأنا لا أعرف تماماً كيف تُمارسُ الانقلابات، وليس في تاريخي ثورة واحدة. ما زلتُ متمسكاً بهذا الدستور البسيط، وكتابتي ذات النية الواحدة هي كل ما تعودتُ عليه، وثقفتُ عليه قلبي، ولا أعرف من طرقاتها المتشعبة أكثر من تحديد البقعة المناسبة للكتابة إذا فقدتُ الأرض، والجلسة المثلى لتخطيط القلب، إذا أبى إلا أن يقيس أوجاعه بعرض الورق، أما أن أفتح دكاناً غريباً من كلماتٍ وبراهين كبيرة، وأقدم للمجهولين تقارير عن حزن حياتي، وعثارها الذي لا ينتهي، فهذه نوايا صعبة، تعيق يدي، وتجعلها أقصر كثيراً مما كانت عليه.



في الحنين الماضي كان الأمر مختلفاً. كنتُ أكتبُ في كنف مصباح وفيّ، يعرف وجهي أكثر مني، ويعرف متى يتواطأ طوعاً مع اقتراب البكاء، ثم ينطفئ عمداً عندما يبدأ الألم بجرفي خارج الكتابة، والآن صرتُ أرتكبُ كتابةً تشبه الرقص الوضيع في صخب السامعين الناكرين، وخونة الحكايات.



يوجد فرقٌ بين الكتابتين ولا شك، حاولتُ أن أشرحه لقلة من الناس الذين تحلقوا حولي ذات جزع، واستجابوا للغناء الخافت، وطقطقة الحنين، وأشعلوا معي أوراق كتابي، وجلسنا نتدفأ من البرد المشترك. فرقٌ كبيرٌ بين الوعي الذي يحاصرني الآن بقوانين مريبة، مثل وجود أناس آخرين، حزانى، وملعونين، وقطّاع أمل، يتقاطعون معي في قصص متشابهة، وبكاءٍ باهت، وبين اللاوعي الجميل الذي تعلمته منها أثناء كتابة النية الواحدة، والذي كان يمنح أوراقي ذات يوم مساحةً عضلية هائلة، وتمارين شاقة من الأمل الموارب.



فرقٌ بين الركض في المضمار الأنيق، ذي المسار الذي لا يقاسمني إياه راكضٌ آخر، ولا يرسلني إلا إلى قارئة واحدة، وبين الركض في يبابٍ من الجائعين، والخائفين، والعاشقين، والمفقودين. كلهم يملك نفس القدمين، ونفس الأوهام، ويركض في ذات الاتجاه الذي لا يفضي إلى شيء، ولا يعود إلى نقطة البداية الجميلة أبداً..



* * * *

قلب أبيض..
24-11-07, 02:21 AM
لقد كان غريباً حقاً أنها نَشَرت الكتاب بطريقتها، مثلما رتبت كل حبنا بطريقتها أيضاً، حاكت هذا الفعل من غيابها الخفي البعيد، لأن الأقدار لا تصير أقداراً إلا إذا جاءت من البعيد الخفي أصلاً. وهي بعيدةٌ، وخفية منذ سنوات، وهذا الذي جاءني منها الآن، بناءً على مصدره، ثم أثره، لا يمكن إلا أن يكون قدراً ولا ريب. لا يوجد عندي احتمالٌ آخر.



قدَّرت لي هذا، دون أن تخبرني كيف يمكن أن أطرح السؤال البسيط: لماذا، ولا أبدو متسولاً وأنا أطرحه. لأن بعض الأسئلة الكربونية تحمل تاريخ صلاحية محدود، لا تظل إجاباتها ممكنة بعده، وتتحول إلى أسئلة غير لائقة، تخدش سطوة الغياب الذي ترتديه هي بكل اقتدار، وتمارسه كأنها لم تأتِ أصلاً إلا لتغيب، مثلما يفعل التائبون الذين قرروا استعادة ميدالية الطهارة، بعد دورة حياتية ضالة!



ولهذا لا أجد أمامي إلا أن أحمل أدوات الأسئلة الأخرى التي صرتُ خبيراً في استخدامها مؤخراً، أنا الذي عانيتُ طويلاً من عدم الفهم، وتألمتُ من عصيان الأسئلة، وفوجئتُ بالكتاب منشوراً مثل صحيفة عبد يحاسبه الله قبل يوم الحساب بوقت طويل!



هكذا رحت أنقّب في صحراء هذا الحدث الجديد بحثاً عن إجابات محتملة، لأفعال امرأة مزاجية، وغائبة، وبعيدة.



الأكثر حيرة مني كان أبي الذي لم يفهم كيف صار ابنه الذي يشاركه الغداء والعشاء كل يوم، مؤلفاً، بين ليلة وضحاها، بينما في الأمس فقط كان لا يهجس بفكرة كتاب، ولا يعرف كيف يرتب جبينه فضلاً عن أن يرتب كتاباً كاملاً. كانت تساؤلاته أكثر حموضة من كأس الليمون الذي يساعدني على جعل ارتجافات وجهي وتقلصاته تبدو طبيعية، ومبررة. لاسيما وأنا أكذب عليه، كما لم أفعل من قبل.



ولكنه كذب الوهلة الأولى، هكذا بررتُ لنفسي هذا الانتهاك الكبير لحقيقة علاقتي بأبي. كنتُ أحتاج أن أفهم أنا أولاً قبل أن أعيد تنسيق الحكاية بأكملها له، هو الذي لا يحترم في حياته شيئاً أكثر من الورق المرصوص بين دفتين، ويجمع في مكتبه، ومستودع المنزل، وسطحه، آلاف الكتب، مثل الوراقين القدماء الذين يفيضون باحترام الكتب حد الخجل من كتابة أحدها. كان من المتوقع أن يدهشه الآن، وهو في السبعين، أن الكتاب الذي لم يكتبه هو أبداً، كتبه ابنه الوحيد الذي لم تبد على ملامحه من قبل سيماء الكتابة!



لهذا هو اليوم يتكلم أسرع من المعتاد. غابت عني لوهلة نبرته البطيئة الهادئة تلك، وراح يمرر لي اندهاشه في حكايات غير ضرورية، وبعض الضحك القصير، ثم أخذني إلى مكتبه، وهو يمسك بيدي طوال صعودنا الدرج، ويفتح الباب، لندلف إلى المكتب المبطن بالأرفف الخشبية، وأظهر الكتب الجلدية المدموغة بتلك العناوين الذهبية العتيقة. تركني أجلس، ودار حول مكتبه الكلاسيكي الصغير، وراح يخرج من أدراجه أوراقاً مكدسة، ومخطوطات كتابية معدة للنشر، ومعنونة فعلاً، وبخط اليد. كلها في هيئة ورقية نهائية، جاهزة لأن تتحول إلى كتاب حقيقي، ولكنها وقفت دون ذلك.



((كلها من حبر العمر يا ولدي، ولكن أخاف أن تخرج إلى الناس، في النشر شجاعة كبيرة.. ما شاء الله عليك، أما أنا..))، وتنهد وسط ابتسامة منكسرة ثم أضاف ((.. لا أعرف إذا ما كنت سأتشجع يوماً على النشر أو لا، حتى الآن، ومنذ زمن طويل، قلم الباركر الأثير هو ناشري الوحيد، مثلما أن هذا الدرْج.. هو قارئي الوحيد أيضاً!))



وعلى مرمى بصري كانت ملفات أبي البلاستيكية المرصوصة تحوي كل ما أراد أن يكتبه ذات يوم عن تجربته القديمة في السجن: قصاصات الورق الصغيرة الباهتة التي كتبها بنفسه في زنزانته الرطبة بجدة، بأسطر مائلة، وأسهم تنظم اتجاهات السير لكلماتٍ تائهة، ولدت في ورقة ضيقة جداً، ثم نسخاً مصورة منها هي نفسها، بعد أن لاحظ أبي أن السنوات التي مرت، راحت، بوقاحة، تحاول أن تمحو شيئاً من حبر الكلمات الأزرق، وكأن الزمن الذي أرداه سجيناً لم يكتف بذلك، بل تجاوزه إلى الاعتداء الصارخ على ذاكرة بؤسه، ليسرق الأدلة والأحزان.



كان أحد الملفات يضم القصاصات الخمسين تقريباً، بينما ملفٌ آخر يحوي أوراقاً منسوخة من روايات وسير عديدة من أدب السجون، جمعها أبي خلال قراءاته عاماً بعد عام كلما وجد منها ما يتقاطع مع تجربته، ويقع فيها الألم على الألم، لعله يحشد ما يستعين به على كتاب لم يكتبه حتى الآن، وظل يبشر نفسه به سنواتٍ طويلة، قبل أن يغلب عليه طابع الحياة الرتيب، وتتراكم أعوامه على ظهره، ويقرر تدريجياً أن يحتسب عند الله أجر هذا البوح الذي لم يحدث أبداً.



وفي ملف آخر كانت مجموعة من الأشرطة الصوتية، وبعض الأجندات التلفونية الصغيرة، ووريقات تحمل أسماء وعناوين أشخاص كان أبي ليرجع إليهم إن احتاج إلى ذلك أثناء الكتابة، قال لي وهو يضحك بعصبية: ((أغلبهم ماتوا ولم أكتب الكتاب بعد!))، ثم تنهد، ووضع يده على كتفي وهو يردد بيت الشعر الأثير عنده، والذي يقوله عند كل نازلة، وأمام كل نعي يقرأه في الجريدة، أو يسمعه في الأخبار: ((ذهب الذي يُعاش في أكنافهم...))، وأشاح بوجهه عني، وأطفأ نور المكتب ونحن نخرج منه، وأكمل بقية البيت متصلاً بالزفير: ((... وبقيتُ في خلف كجلد الأجربِ))..



* * * *

قلب أبيض..
24-11-07, 02:22 AM
في وجهه محرابٌ لا يمكن أن تخطئه عيناي. دائماً ما ألمح طائفة من الأحزان تصلي فيه، ولا أستطيع تمييز أي منها. لا يفصح أبي عن أي من أحزانه المنيبة الخاشعة، ولطالما ضنّ بهذا البوح المعتق في عينيه، وأشفق عليه من النزول في آذان من لا يملكون شفاعةً ولا جزاءً، ويؤمن أن كل شكوى ينطق بها في الدنيا، تحترق، وتصبح غير صالحة للآخرة، وكأن الآلام أصبحت عملة مؤجلة ليوم الحساب فقط، ولهذا هو يدخرها لليوم الذي تصير فيه آلامه قابلة للتداول، وتشتري له نعيماً وجنة!



وأنا أسمع كلام أبي، شعرتُ أنه سيندم قريباً على هتكه كل هذه الأدراج أمامي بعد أن يقرأ كتابي فعلاً، فلا يجده إلا قطعاً غير متصلة من حبٍ لم يؤدَّ كما يجب أن يؤدَّى الحب، فجاء ناقص الفروض والأركان، ومات على عجل، لتنبشه امرأةٌ بعد أن تسّنه في قبره فعلاً، وتلبسه الكتاب، وتعيده إلى الناس. لا يمكن لهذه الشيخ الكلاسيكي الذي يكتب عن انكسارات الظلام في السجن أن يقبل مثل هذه الكتابة الدائخة، ولا أعتقد أن عينيه ستعبران أكثر من مرتين على كتاب ابنه الطارئ هذا.



ولماذا لم تخبرني أنك تكتب كتاباً؟ كنت ساعدتك على الأقل. أعرف، في بيروت، وديع جلال. جهبذ في اللغة العربية، وأعرف سليم طيراني، عنده دواوين شعر، وعنده خبرة في...



قاطعته وأنا أعرف أنه يتكلم وفق اعتبارات مختلفة تماماً عن حقيقة الأمر..

لم تكن فكرة جادة يا والدي، كانت مجرد هاجس بعيد، وعندما كنتُ في بيروت في المرة الأخيرة، التقيتُ بالناشر صدفة، وقرر أن يطبع كتابي.



كتابي أم كتابها؟



ماذا كان يجدر بي أن أسميه وأنا أنسبه لنفسي أمام أبي؟



إذا كنتُ أنا الذي نسجتُ النسيج، وهي التي خاطته، فلماذا ألبسه الآن وحدي، رغم أنها تتحمل مسؤولية أكبر، وتختزل مسافة أبعد؟ ألم يكن من المناسب أن تدس اسمها الشفاف بجوار اسمي مادامت قد ارتَكَبَتْ معي كل شيء في الكتاب، ثم أكَمَلَتْ الطريق إلى نهايته، ونَشَرَتْ وحدها هذا الطلسم القلبي المشترك، دون علمي؟



تذكرتُ عندما استوقفتها ذات مرة، وهي تقلب معي دفتر خواطرها، ويومياتها غير المنتظمة، قلت لها ((أنتِ تنسقينها مثل كتاب، حتى أرقام الصفحات!))، وابتَسَمَتْ من كلامي ابتسامةً تشبه ابتسامة أبي السابقة، وهزت رأسها قليلاً فسقطت خصلة كانت معلقة بشكل واه خلف أذنها..



كتاب مرة وحدة؟ لا.. صعبة..



هكذا أجابت بخجل، ثم صرفت الكلام إلى مجرى آخر.



كانت صعبة هي الكتابة كما قالت، ولكن يبدو أن تنسيق الكتب الأخرى، والتطويح بها من بعد، لتصيب حياتي في دهشة، لم يكن بذلك الصعوبة أبداً!



مر أسبوعان منذ أن عرفتُ أن كتاباً باسمي أصبح على قيد الحياة، ويتداوله الناس، وما زلتُ حتى الآن أتساءل عن مدى قدرتي على تحمل مسؤولية هذه الشهادة الحبرية الداكنة. لم يكن هذا ما يؤرقني فحسب، بل لا أدري أيضاً إذا كانت هي قد فكرت في احتمال أن يشم أبي رائحتها في الكتاب، ويظن أن قلبي ما زال يفرز حباً، وشجناً، رغم أنها تركت هذا المنزل منذ ثلاثة سنوات على الأقل.



لا أدري كيف سيتصرف وقتها، ولكن ما أعرفه، أنه سيحزن على ابنه الوحيد الذي ما زال يتألم، كما يقول الكتاب، وتضيع بذلك كل محاولاتي لإقناعه، طوال هذه السنوات الثلاث، أني تغيرت، وأفقت، وتجاوزتُ الدوخة العابرة، وصرت أقوى، وأكثر حكمة. من حق قلبه السبعيني ألا يدفع ضرائب قلبي العشريني وخيباته، وهي لابد أنها لم تفكر أبداً في هذه الشؤون الصغيرة بين ابن وأبيه، ولا أدري لماذا ترتكبُ كل هذه الفوضى فجأة. منذ أن شق وجودها قشرة هذه الأسرة الصغيرة وهذا النسيان البطيء هو كل ما نعول عليه لنستعيد حالة بيتنا المعتادة.

ولأننا نتفق على كل شيء، اتفقتُ أنا وأبي وأمي على حبها معاً، وفرحنا بها معاً، والتقينا بها معاً، وحجزنا مكانها معاً، وحسب هذا السياق، كان من المحتم أن نحزن عليها معاً، بعد أن فوجئنا بظروفها الصعبة، والحصار الذي فرضه عليها قطّاع الأمل، وتأملناها وهي تخرج من المشهد ببطء مثلما دخلت، وصار بيتنا مليئاً بحزنٍ معقدٍ، يقبل القسمة على ثلاثة، ولا يقل أبداً.



كان حضورها وغيابها، والاحتمال الفائت الذي كاد أن يحول عددنا في البيت إلى أربعة، أقوى ضربة تتلقاها الأسرة منذ دخل أبي السجن، والآن نحن نحاول أن نطرد من هذا البيت ثلاثة أحزان لها أعمار مختلفة، وآخر ما يحتاجه هذا البيت، أن أخون وحدي هذه المحاولات الجادة، وأكتب كتاباً!



كانا يكبران بهدوء. يتحولان إلى عجوزين، وأنا معهم! كلنا نحمل نفس القدر من الطاقة، ونفس سلة الأفكار، وحتى فصيلة الدم، وكلنا نكره عادات المدينة، ونتفق على أن يبقى البيت صحيحاً، وسليماً، ما دامت المدينة صعبة وخاطئة. ولم يبخل أي منهما بأي جهد ليجعل البيت مكاناً صحيّاً للحياة، ليس معنوياً فقط، بل إن أبي وضع في كل غرفة من غرف البيت، جهازاً لتنقية الهواء، ووضعت أمي قوائم للطعام تجعل الأكل في المطاعم الخارجية خياراً خالياً من الجاذبية تماماً، ووحدي أنا أدخلتُ الفيروس الحزين إلى أجواء البيت الآمنة، وأحدثت الخلل في المكان الذي تعود بالفعل على حالته الثلاثية الأزلية، ولم يترجم نفسه بعد إلى حالة أخرى.



لحسن الحظ، كانت عائلتنا من الصغر، والحياد، بحيث أشاحت عنها المدينة المغرورة، ولم تحفل بإيذائها كما تفعل مع آخرين. كثيراً ما اعتقدتُ أن هذه الحالة المرنة مفيدة جداً في مدينة كالرياض، لا يمكن فيها أن نتنبأ من أين ستأتي الصفعة الاجتماعية القادمة، ولهذا السبب، لسنا في حاجة للكتب، ولا الأحزان المتجددة. كان حرياً بها أن تساعدنا على نسيانها بدلاً من أن تنفخ الكدر القديم في وجوهنا مرة أخرى.



حتى الجيران كانوا يتشابهون معنا كثيراً. اخترنا جميعاً أن نقيم على حافة المدينة، ما دام خروجنا إليها محدوداً، لأن أبي تقاعد منذ زمن طويل، بينما تقتصر صداقات أمي على نساء قليلات، ولذلك اشترى أبي البيت قريباً من الجامعة من أجلي فقط، وأستطيع من نافذة غرفتي أن أرى بهوها الشاهق، ومبانيها الشهباء الضخمة، ولا أحتاج إلا أن أستدير بسيارتي عبر الطريق الدائري الغربي حتى أكون في حرمها المزدحم بالطلاب. كان اسمه حي الخزامى.



جارنا تركي، رجل كبيرٌ في السن، تبنى طفلاً معاقاً بعد أن وهن العظم منه، واشتعل رأسه شيباً ولم يهبه الله ولداً مثل زكريا. كثيراً ما كان يستضيف أبي في خيمته الصغيرة الملحقة ببيته بعد صلاة المغرب، ويقضيان بعض الوقت في الكلام، ومشاهدة الأخبار، قبل أن يخرجا مرة أخرى إلى صلاة العشاء. كان طيباً وعفوياً ككل الذين ما زالت في قلوبهم عشبة القرية لم تمت بعد.



استيقظت ذات صباح على صوته وهو يناديني من صالة بيتنا! كان أبواي قد خرجا باكراً، وبقيتُ وحدي نائماً، ولما جاءت شركة الغاز لتحقن خزانه الكبير في جانب البيت كما تفعل عادة كل عدة أشهر، لم أجب دقاتهم على جرس الباب، ولم تفعل الخادمة أيضاً حسب قوانين أمي، فكادوا أن ينصرفوا لنضطر إلى انتظارهم مرة أخرى أسابيع طويلة، ولكن جارنا تركي تشبث بهم، وراح يطرق الباب بشدة حتى فتحت له مأمونة، خادمتنا، التي لا تفتح الباب للغرباء مطلقاً، ولا لشركة الغاز.



يا حسان.. يا حساااان..



خرجتُ من غرفتي فزعاً من هذا الصوت الغريب الذي لم تسمعه من قبل جدران بيتنا. وجدته واقفاً في منتصف الصالة، وقد غطى جبينه العرق، بينما تقف مأمونة عند مدخل الصالة، وهي تقلب عينيها بقلق بيني وبينه، أجبته وأنا ما زلتُ أفكر كيف تراه وصل إلى هذه النقطة من عمق البيت وحده، وأين أبي وأمي؟



يا ولدي ما تقوم تشوف حقين الغاز بغوا يروحون ويخلونكم؟

سم يابو فهد، والله كنت نايم..

لو أنهم راحوا كان ما تشوفونهم إلا بعد شهرين!

يا ساتر، لا.. لا.. خير ان شاء الله..



غسلتُ وجهي على عجل، وأنا أضحك من عفويته الفجة تلك، وعندما نزلتُ مسرعاً لأوافيهم عند الباب، كان لا يزال واقفاً معهم، حياني تحية الصباح وهو يهزُّ رأسه بأسف، قبل أن يدور على عقبيه، ويتجه إلى بيته. كان ابنه فهد، المعاق، قد بلغ الحادية عشرة من عمره فعلاً في كنف هذا الرجل، يعرجُ بشدة، ويتكلم بصعوبة، ويجلس دائماً أمام باب المنزل، يراقب السيارات الرائحة والغادية، ولا ريب أنه هو الذي أخبر أباه بسيارة شركة الغاز التي تدق بابنا.



في الجهات الأخرى تناثر جيرة آخرون، ما بين الكثير من المساحات الفارغة. كان الحي جديداً نسبياً، تنمو فيه فيلا رمادية جديدة كل عدة أشهر، وتحتل مساحة من الأفق. وكلما انتهت إحداها، وانتقل إليها ساكنوها، طرق بابهم جارنا تركي، وأقام لهم وليمة عشاء لا نغيب عنها أنا وأبي أبداً، وهو الذي قاد حملة لدى وزارة الشؤون الإسلامية لتغيير إمام الحي، لأنه يرتل القرآن مثل الأناشيد الإسلامية، وليس مثلما تعودوا، ولا يحترم كبار السن، ويتأخر في الحضور لصلاة الفجر، وعندما يأتي يكون المؤذن قد أمّ الناس، وصلى. كان تركي هو المحور الاجتماعي للحي، عنده تتصل الوشائج، وإليه تنتهي كل أخبار الحي، ولولا وجوده الضروري، لانعزلنا تماماً عن كل من حولنا، لأن أبي لم يكن اجتماعياً على الإطلاق، ولا أنا.



* * * *

قلب أبيض..
24-11-07, 02:23 AM
كان واحداً من أغرب أيام حياتي!



السادسة مساءً، اتصل بي رجلٌ لا أعرفه، ولا هو يعرفني، وضاعت عدة جمل في الحوار المضطرب وأنا أحاول تفسير أسلوبه وهو يتكلم وكأنه مستقبلٌ للمكالمة، وليس هو الذي اتصل، وظلّ يفترض طوال الوقت أنني كنتُ أنتظرها منه. سادت حالة من عدم التفاهم، وأنا لتوي استيقظتُ من النوم، وما زلتُ أحاول فك رموز المكالمة، وتوضيح الصورة بصعوبة، وعيناي تجوسان في ظلام الغرفة. راح صوته يبعثر غيوم النوم، ويعيدني إلى يباس اليقظة، وهو يكرر نفس الجملة أكثر من مرة، ((فيه ظرف..))، ما يتنافي مع رغبته الضرورية للتوضيح. اعتدلتُ من ضجعتي، ورحتُ أفركُ جبيني وكأني أستحثّه على الفهم، وبعد محاولات عديدة مع لغته العربية الركيكة، خلصتُ إلى أنه يحمل لي طرداً من بيروت، ولا أكثر.



قبل هذا لم يكن ثمة جديد في حياتي، كنتُ مستمراً في تقليب الأيام مثل نسيج من الصوف، لا يمكن أن نفرّق ظاهره من باطنه، وسعيداً بهذا الحالة الصوفية سعادة الذي ما زالت على جلده آثار عراء وبرودة، ولم يكن خيط الصوف لتلك الليلة ليختلف عن المعتاد، بل كان أهلاً في عاديته لأن ينضم إلى النسيج، وإلى العامين المسطحين البسيطين الذين مرّا على حياتي بسلام وتواضع، لولا هذه المكالمة التي نكثت العهد، وجعلتني أدوّن في ورقة صغيرة قرب سريري عنوان مكتبة الزهراء، لألتقي بهذا المجهول الذي وراء الطرد.



داهمني شعورٌ طفيفٌ بالرهبة وأنا أنهي المكالمة. هل كان الحدس؟ أم أني شممتُ رائحة امرأة بعيدة فكَّرت فيّ فجأة، إنْ كانت للأفكار روائح يمكنها أن تجوس في ليل مدينة بأكملها؟ عادت يدي لتلتقط الهاتف مرة أخرى، وتبحث عن رقم أيمن، وعدتُ لأضطجع على السرير في انتظار رده..



مرحباً..

أيمن، هل تورطنا في علاقة ما في بيروت، ونسينا؟



ويضحك أيمن، وأنا أفركُ عيني من ثقل النوم، وأحاول أن أرتب حيرتي بهذه السخرية المفتعلة..

ربما، ليش تسأل؟

شخص اتصل بي الآن، ويقول أنه يحمل طرداً من بيروت، باسمي.

ربما مخالفة مرورية..

طرد يا أيمن، أي مخالفة هذه التي بحجم طرد!

ربما رضيع إذن، مرت تسع أشهر منذ عودتنا. ولا أعرف بالضبط كيف كان مستوى ذنوبك.

أقل بكثير من ذنوبك يا عزيزي. مع السلامة..



ولفرط استتباب أيامي وبساطة مجرياتها آنذاك، كانت فكرة بسيطة، مثل أن أتنبأ بطرد مجهول وأشخاصٍ وراءه، مثيرة جداً، ولذلك قررت أن أنهض من السرير ولا أكمل نومي، وعندما دخلت في انتعاش الاستحمام، ركزتُ أفكاري إلى مستوى يقلل الكثير من إثارة الأمر. ربما كان طرداً دعائياً من الفندق مثلاً، (ولكن لماذا لا يصل إلى بريدي؟) ربما كان طرداً خاطئاً بما أن الرجل الذي اتصل لم يذكر سوى اسمي الأول فقط.



بعد ساعة تقريباً، كنتُ أنا والطرد وحدنا، في السابعة والربع من ليل الرياض المزدحم، أجلس في سيارتي التي ركنتها في طرف الحي الذي فيه المكتبة، يأتيني عن قرب صوت ضجيج الشارع العام، ومن ورائي يتردد أزيز المآذن التي بدأت تحشد مصلّيها لصلاة العشاء، وما أزال حتى الآن، أتذكر تفاصيل الموقف، وصعوبة تغليف ذلك الطرد المتواضع، والكتاب الذي صافح دهشتي الكبيرة، بكل صلف وبرود.



كان عنوانه يبدو مثل شهقة أوليّة في حنجرة مليئة بالبوح، وليس بوسعي أن أنفي أُلفته وأنا الذي اخترته أصلاً، ولكنه كان آنذاك نائماً بين دفتي سطر ما، في صفحة رمادية متعرّقة، في موقع خاوٍ من مواقع الإنترنت، لا يطرقه إلا أنا وقلة آخرون، ولكنه الآن يبدو مختلفاً، ولا يمكنني أن أتفاهم معه وقد صار مدموغاً بهذا الحبر الأحمر على هامة كتاب.



كان الفهم يتباطأ في عقلي وكأنه لا يريد أن يكتمل. تأملتُ الكلمتين اللتين ترّبعتا فوق الغلاف، متشجرتين مثل عروق ورقة العنب، وصيّتين على كل ما وراءه من أوراق عديدة يتيمة، لا علاقة لي بها أبداً، وتأملتُ اسمي الذي يتربع فوق العنوان مثل أحفورةٍ بازلتية، يمنحني وهماً بالثبات، بالانتماء، والإشارة، مثل كل الأسماء. شعرتُ أن اسمي فوق الكتاب لا يشبهني كثيراً، وأنه مريبٌ وخائن، ولكنه في النهاية، كان يلتوي على شخصيتي بما يحمله من أدلة كثيرة، ويشير إلى وجهي، كسهم معقوف.



لمن رآني من العابرين بجوار سيارتي فقد رأى فمي مفتوحاً، وحاجبيّ معقودين بشدة، بينما كانت طاحونة الأسئلة تدور في عقلي بجنون. ما هذا الكتاب الذي يحمل اسمي؟ من نشره؟ من طبعه؟ أنا لا أعرف شيئاً عنه على الإطلاق، لا أعرف أوارقه المنزوعة من جذع شجرة، المعجونة في آلة مصنع، والملقاة في جوف مطبعة، ولكني بلا شك مسؤول عن كل هذا، والكلام الذي فيه يدينني ببصمة الكتابة، ولهذا هو الآن أمام وجهي المتشنج، في السابعة والربع من ليل الرياض، في حي من أحيائه العادية.

قلب أبيض..
24-11-07, 02:24 AM
وضعته جانباً، وزفرتُ حتى حركت زفرتي بضعة وريقات على تابلوه السيارة، ورحت أجوس بيدي خلف مقودها لأصل إلى المفتاح، وعيناي تتساقطان على مساحات السيارة الضيقة من الداخل، وأشعر بدوخة طفيفة تتمدد في ذهني ببطء..

ماذا يعني ما أنا فيه الآن؟ وكيف يجب أن أتصرف لكي أقطع الطريق على من يحاول إدهاشي بهذا الشكل المتعب؟



لا يمكن أن يكون الفاعل معجباً عابراً بالكلام الذي ألصقته على حائط الإنترنت لأني لم أدونه باسمي كاملاً، واكتفيتُ بالهوية الناقصة، ولا يمكن لأحد أن يربط بيني وبين الكلمات إلا إذا تتبع أثر الحب، واستطاع أن يشم رائحة الظروف، ويقرأ رموز الحكاية، ولا يوجد أحدٌ يعرف هذا القدر من التفاصيل إلا أنا، ووزان، وغالية.



درتُ بالسيارة، وعدت إلى المكتبة مرة أخرى بعد أن خطرت لي فكرة أن أستنطق الرجل الذي سلمني المظروف عن معلومات أخرى، فهناك خيطٌ مفقود في هذه الليلة البوليسية الصغيرة. ترجلتُ، وسألته باذلاً كل الجهد أن أبدو هادئاً ولا مبالياً، ولا أدري مدى قدرة هذه الرجل على قراءة وجهي، إلا أنه لم يمنحني إلا إجابة صغيرة بالكاد تتجاوز شاربه الكثّ. أخبرني أن مندوبهم إلى معرض الكتاب في بيروت التقى رجلاً ما، طلب منه أن يحمل النسخة معه إلى الرياض، ويسلمها لصاحب هذا الرقم، ولا أكثر من ذلك.



حركتُ سيارتي مرة أخرى وهي تحمل داخلها رجلاً وكتاباً، يعرفان كل شيء عن بعضهما، ولكنهما يجهلان كل الجهل لماذا هما معاً الآن. كان عندي لغزٌ صغير أسهر عليه الليلة، وأرتب هذا الخيط الصوفي الذي بدا ناشزاً عن البقية، ولهذا عدتُ إلى البيت، مبكراً عن موعدي المعتاد، وصعدتُ إلى غرفتي من الدرج الخارجي الذي استخدمه دائماً عندما أحاول تجنب المرور بمجلس والديّ لأني أحتاج أن أبقى وحيداً، أتناقش مع كتاب عاد إليّ مثل قارورة بحر رميتها في المحيط منذ سنتين، فسافرت عكس الاتجاه!



رحتُ أقرأ في مواقع عشوائية منه كلما منحني الارتباك فرصة لذلك. إنه كتابي فعلاً، ولتسقط كل الحالات المريبة التي تفصلني عنه الآن، ورغم تلك الرائحة الغريبة التي تفوح من صفحاته الكثيرة، ورغم جفاف الحروف المطبعية التي لا تريد أن تعلّق كثيراً حول الظروف التي خلقتها، إلا أني شعرتُ به يمدّ عروقاً أفعوانية ليشتبك معي، ويخترق صدري بلطف، معلناً فعل العودة، بعد سنتين من آخر مرة علقت فيها كلماته الكثيرة على الموقع، في هيئة أخرى، وعلى شكل مختلف تماماً. ثم هجرته كأن لم يكن، ولم يولد.



لماذا عاد متنكراً بهذه الصورة؟ ولماذا استشعرتُ في قربه دفئاً غريباً رغم تنكره، وصمته، وعتابه الطفيف الطافر على غلافه الأبيض، والسلم الذي يصعد وينتهي قبل الوصول. داهمني إحساس العودة إلى حقل قديم، كنتُ حرثته من قبل، يوم كانت أوجاعي تملأ هذه الغرفة، وجواد الحب الأصهب يطوي قلبي طيّاً، ووجهي منقسمٌ بين الليل والنهار، ورائحتي تفضح هرمون الحب العظيم، قبل أن يغادرني الزمن جميعه، وتتوقف ساعتي.



خلال زمن قصير، قرأتُ كل كلمة، وبدت كل كلمة مختلفة فعلاً. أتذكر أماكنها جيداً عندما كانت معلقة فوق شاشة الموقع الذي نشرتها فيه تباعاً، والآن هي في أماكن مختلفة من هذا الورق، وأنا أعيد ترتيبها في داخلي، وأتساءل عن غالية، كيف رتبتها أيضاً، وهل أدت هذه الكلمات الرسولة رسالتها الطويلة، أم أنها لم تكن كافية لسعيٍ كهذا؟



هي التي نشرتُ هذا الكتاب حتماً. اتكأتُ على هذا الاستنتاج المبكر، لعلي أرتاح قليلاً. كانت الدهشة قد أوشكت على الانطفاء، والاحتمالات الكثيرة المتوقعة لهذا الحدث قد مات أغلبها في الطريق، وصارت عندي صورة أكثر وضوحاً لما يمكن أنه حدث، وكيف كانت ماهيته وخطواته. لقد وضع المنطق أمامي حلولاً مريحة، وإن بقيت عندي أسئلة أطول قليلاً منه.



دحرجتُ رأسي على وسادتي ونمتُ، لعلي أطفيء عقلي قليلاً حتى لا تجد فيه الحيرة مساحةً متاحة للانتشار، ولكن نومي جاء أبعد ما يكون عن هذا، كأني نمتُ في ساحة حرب. قمتُ في منتصف الليل، متعرقاً، وفي بطني مغص طفيف من الجوع، ولا أشتهي شيئاً.



وعندما أستيقظ في وقتٍ كهذا عادة، أعرف أن لا ملاذ لوجهي البائت إلا المزرعة. كان في هاتفي اتصال لم أجب عليه من أيمن، وكان أمامي ساعتان على الأكثر قبل أن لا أجد أحداً أجالسه هناك. فتأهبتُ على عجل، وشربتُ العصير الذي وجدته في مكانه المعتاد من الثلاجة، وخرجتُ من المنزل وأنا أشعر أن العاصفة الترابية التي في الخارج، لا تقل عن تلك التي في ذهني أبداً.



* * * *

قلب أبيض..
24-11-07, 02:25 AM
محتارٌ أنا، ومرهقٌ جداً. منذ مدة طويلة وعقلي مرتاح من هذه الصداعات المفاجئة. كان عندي نزعة أن أكسو الحكاية كلها بأسوأ النوايا المحتملة، وألوم غالية على تخريب هدوئي، وإعادة الارتباك إلى بيتنا بهذا الفعل، ولكني أفكر دائماً أن امرأة أحببتها إلى هذا الحد، لا يمكن أن تخترع لي هذه الأذى بدون سبب، ولا بد من تبرير مناسب.



لعلها قرأت حزني عليها وأرادت أن تشفيني مثلاً. تعرّضني لضوء الشمس الباهر حتى أشفى تدريجياً من وبائي الصعب الذي شخّصته لها كتابتي، ولم تنتبه أن الأمر قد يبدو وكأنها تحاول أن تحرقني عمداً، وهذا الضوء الذي يغمرني الآن يتحول إلى شعاع حارق تُبئِّرهُ العدسة التي سلطتها عليّ فجأة، ولن ألبث أن أشتعل تحتها مثل نملةٍ تاهت عن مسارها، ولم تصل إلا إلى جحيمٍ غير متوقع، جاءها من الأعلى.



لا أستطيع أن أثبت نواياها المحتملة، ولا أستطيع نفيها أيضاً. حتى الآن لم أتألم لأستدلّ على أنها تحاول أن تحرقني فعلاً بنشرها الكتاب، ولكني أرى أن الضوء المريب ما زال هنا، والكتاب قابعٌ بين يدي كطفل مهمل يتقاذفه أبواه، والتقويم الطويل الذي يقيس مسافة فراقنا لا يجيز لي أن أطرح السؤال عليها مباشرة.



ولهذا أنا أكتب الآن، مرة أخرى. عدتُ للكتابة من منتصف الفهم المشروخ، وكنتُ أعتقد أن الذين لا يعرفون، عادة ما ينصرفون للقراءة، وحدي أنا كلما شحت بي المعرفة، رحت لأكتب! هذه عادات الرجل الذي لا يتحمل جبينه وطأة الحيرة، فيصرفها إلى يده وأصابعه، وكأني أريد أن أعلن هنا، بين رفاقي الجدد الذين نثرتهم هي عليّ بنشرها للكتاب، أن المحرض الأكبر للكتابة بعد الحب، هي استعصاء الفهم، وليس وفرته! لأن شيئاً في صرير القلم يشبه حفيف المكنسة وهي تقنع الأرض بضرورة النظافة، ولهذا ظلّت الكتابة عندي حاجة ملحة كلما تراكمت الفوضى فوق قلبي، ولا أستغني عنها بسهولة من أجل حياة أكثر توازناً وأماناً، مثل المخمور، لابد أن يمشي على سطرٍ مستقيم، حتى يتبدى له مدى سكرته.



لولا أني تدربتُ سابقاً على ألا أسمح لأسئلتي بأن تطرح نفسها كأسباب كافية للاتصال، وإلا كنت اتصلتُ بها في ليلة السبتِ هذه. ما زلت أحتفظ برقمها المعقد في هاتفي لأسئلة سوداء كهذه التي تحرق العقل مثل قطرات من الحمض، توسلتُ إليها ما دامت راحلة أن تُبقي في يدي طرف خيط يقود إليها عندما تضطرني ظروف جارفة إلى حماقة الاتصال، والقلب طافرٌ مثل مرجلٍ منسي على النار، والروح مريضة جداً مثل شيخ يحتضر، والرياض هامدة تحت وطأة ليلة صيفية ثقيلة..



أتعرف هي الآن ماذا كان من أمري منذ وصلني الكتاب، بقدر ما عرفتْ بالتأكيد من الكتاب نفسه، كل ما حدث لي قبل ذلك؟ أم أنها ستنتظر مني أن أكتب مرة أخرى لأخبرها عن بقية المسلسل؟ لا ريب أنها لم تعد تعرف كل ما يكون، فقد نُشر الكتاب وانكشفت صفحة من غيبياتي على ملأ لا أعرفهم، وأصبَحَتْ كل صفحة جديدة من حياتي تحتاج إلى كتاب جديد لتعرف هي ماذا حصل فيها. هكذا نحن، أنا وهي، نتواصل بهذه الطريقة السميكة المريبة، أكتب كلاماً، فتنشره هي، دون أن تعلّق عليه بكلمة واحدة، فأجدني مضطراً لأن أكمل الأداء الذي لم أتفق مع أحد عليه، وتتوقف هي عن نشر مقالاتها التي كنتُ أقرأها عشرات المرات، لعلي أخلص منه بإشارة رمزية ما، أو شفرة معلقة، بلا جدوى، وكأننا أطفال لم نبلغ من الرشد ما يؤهلنا على تحمل البقاء متصلين، نساعد بعضنا على ما بعد الحب، كما كنا نفعل أثناءه، أوليس هذا هو الوقت الذي نكون فيه أحوج شيء إلى بعضنا؟



ماذا يعني أن تعرف هي بالتفصيل خريطة آلامي، بكل الاتجاهات، من نقطة بدايتها، إلى نقطة نهايتي، في الوقت الذي يصعب عليّ تماماً أن أحمل هاتفي الجوال، وأخبرها أني محتار جداً، تحت وطأة كتاب مفاجئ، أصابني في الظَّهر؟



أومَضت بذاكرتي تلك المرة التي اتصَلَت هي فيها، ومن خلف صوتها تتراوح موسيقى أعرفها جيداً، لم تلق عليّ التحية، فقط هتفت بي: اسمع.. اسمع..



تصاعدت الموسيقى بعد هذا قليلاً، ثم أطلق محمد عبده صوته..



ولهاااااااااان..

ولهاااان..

ولهان..

أنا بالحيل ولهااااااان..

خليتي وقتي: انتظار..
خليتي وقتي: انتظار..

الليل ما هو ليل..

ماهو ليل..
ماهو ليل..

ونهاري ما هو نهار!



سَحَبَتْ سمعي في اتصال عابر إلى أغنية من أواخر الثمانينات، لأنها أرادت فقط أن أشاركها شجن اللحظة، بغض النظر إذا ما كنت مشغولاً أو لا، والآن أنا عندي أحزانٌ تشبه ساحلاً ملوثاً بالزيت، ولا أستطيع حتى أن أنقر هذا الرقم الصعب النائم في ذاكرة هاتفي مثل لغز خائب، لا أدري متى يأتي حله!



هي تحب محمد عبده كما تحب المطر والغيوم، وأتذكر دائماً أن مقالها في الجريدة جاءت فيه العبارة التي دفعتني مرة أن أهديها مجموعته الموسيقية الكاملة، وعليها توقيعه شخصياً، ((أغنياته أثرت في تشكيل السلوكيات الرومانسية لجيل كامل من البلد، مدرسة ثقافية كبيرة من الغناء لأجل الحب والوطن)). ولهذا لوّنت كل حبنا بأغنياته، حتى لم يبق لنا ذكرى لم يشاركنا إياها هذا الرجل، ويقتسم معنا كل الوقت الحميم، وكل اللحظات الخاصة، ولذلك صرتُ أؤرخ زماننا بصوته، وأربط الموقف بالأغنية، والأحزان بالألحان، حتى تداخلت في ذاكرتي كمية هائلة من الكلمات والنغمات، نسجت لي شجناً طويلاً جداً.



الآن، جفّ هذا الشجن، وتحوّل إلى غابة من الأعواد الجافة، يمكن أن تحترق في أي لحظة، وتحت رحمة أي مذياع، وأصبح محمد عبده، بالعشرات من أشرطته التي كانت تملأ الغرفة والسيارة، جلاداً أليماً، لا أجرؤ أن أبعثه من قمقمه، ولا أحتمل أن أتعثر به في قناة تلفزيونية أو جريدة.



المشكلة أنهم صاروا يذيعون أغنياته كثيراً هذه الأيام!



وما زال يرهقني صوته كثيراً، رغم ذبولي، وإعلاني وفاة القلب رسمياً منذ سنتين، ورغم أني نجحتُ، كما يشهد صديقاي وزان وأيمن، في خنق قصة حبي بشكل عمليّ ودقيق، صفّقا له طويلاً، ونجوتُ بذلك من التحول إلى مريض آخر في التاريخ. لكني أحياناً، أتنازل عن هذا الرغبة الملحة في التواصل، وأدير وجهي جهة الشجن، وأشربُ نفس اللحن القديم الذي يفسر قلبي الآن بكل فصاحة..



رحتي.. رحتي..

وشاغلني سؤال..

شاغلني سؤال..

ألقاك.. ألقاك؟ أو هذا محال؟

.

((حسب الظروف..

و..

..داخلني خوف!))



* * * *

قلب أبيض..
24-11-07, 02:27 AM
كانت كتابة الرواية، تشبه أن أزرع حقلاً من الأفيون، يخدرني إلى أجل مسمى. فصد مني الكثير من الكلام، كي تعود الروح إلى دورتها المطمئنة عدة سنوات، قبل أن يتراكم كلام آخر، تضيق به المسارب، والطرقات، ومحاولات التفادي والإنكار، وتنمو على القلب مرة أخرى أعشابه العشوائية المعتادة، وينتابني الصحو المؤلم عندما ينتهى مفعول الرواية السابقة.



يبدو أني أمرّ بحالة شبيهة الآن، وكأن أظافري تنمو أسرع من المعتاد، ويدي حبلى بأشهر طويلة من الصمت والتدخين. عندي نوايا كثيرة، وليس عندي هدفٌ واضح هذه المرة، إلا أن أسوّي وعثاء الروح، وأشذب الأشجار والحديقة، وأكنس الرصيف الطويل إياه، للمرة الثانية!



كان غريباً فعلاً أن غالية شمّت رائحة يدي المتأهبة للكتابة عن هذا البعد، وفعلت ما فعلت، لا أدري لتشجعني على حالة أخرى من الحجامة الحبرية، أو لتعرض عليّ صوراً قديمة لجسدي المليء بالثقوب، حتى لا أكرر حماقتي.



لقد أفسَدَت كل شيء، عندما تنازلت طوعاً عن طقوس أن أكتب لها وحدها، واضعاً في اعتباري الإلكترونيّ آنذاك أن عينيها الجميليتين هي كل من سيدخل بيت القراءة، ويعبر فوق الكلام، حتى أني لا ألتفت للنحو والإملاء، كما لا ألتفتُ لثيابي وذقني عندما أكون في البيت.



ربما أنها اختارت أن تعبُرني إلى طقوس أكثر رحابة من ترتيلي المخنوق ذاك، مثل صفحات الجرائد مثلاً، أو أرفف المكتبات، ودكاكين الناشرين، وبيوت الناس؟ ولكن إذا كانت هذه حقيقة، وأنها تنرجست من بعدي كما لم أعهدها من قبل، فكيف تراها ستستفيد من نشر الكتاب بهذا الشكل، وكل شيء فيه مموهٌ بالرمز، وما زال اسمها فيه مقفلاً ومجهولاً، مثل جوزة مصمتة ضائعة في غابة كثيفة؟



هائنذا أعيدُ قراءة نفسي، وكتابتها مرة أخرى، وأقفُ شاهداً فوق منصة هذا الكتاب، لأبصر كيف بدت أيامي مثل علبة الحائك، فيها إبرٌ مختلفة الأحجام، كلها قادر على الوخز. لا أدري كيف تصورتُ مرة أن أيامي متساوية في حجمها، متشابهة مثل سرب، وركنتُ إلى حالتها الخطية تلك، ولكني أرى الآن سلسة من الأيام الغليظة، متراكمة في كتاب، كل يومٍ يشبه الرحى، عنده منهج مختلف في الطحن، بينما كانت تبدو بالنسبة لي طيلة سنتين من نقاهة الحب، مثل كائنات نحيلة، تمشي في اتجاه واحد، وبسمتٍ واحد، كفريق مهزوم ينسحب ببطء.



وعندما التقيتُ بأيمن تلك الليلة، عاودتني الفكرة في منتصف الحوار، عندما اكتشفتُ متأخراً، كعادتي في فهم الزمن، أن اليوم هو أول أيام السنة الهجرية، ولذلك وجدت نفسي أحاول أن أعيد صياغة فكرتي لأسمح لأيمن بمشاركتي إياها. هو الذي طالما تأفف معي من الزمن، وكأننا شيخان في أرذل العمر، نجلس في وسط هذه التداعيات الساخرة، ونتبادل تعليقات لا تمت بصلة لوقتنا ومكاننا أبداً، ونسكب الزمن، لنكتشف فيه كل خواص المواد السائلة، وهو ينفرط من أيدينا، ثم يتبدد، ويتبخر في الأيام الجميلة، ثم يختفي، ونشرق به أحياناً لندخل في سعالٍ مر، ويتكتّل أمامنا كجبلٍ جليدي مستحيل، عصيّ على المساءلة.



كان يشرب الشاي في الوقت الذي عبرت ذهني فكرة الزمن السائل هذه، كما تعبرنا دائماً ونحن ساهمون أنصاف أفكارٍ حكيمة، وكسولة. تأملته بابتسامتي المعتادة التي أحرص على بقائها كذلك حتى لا أقع فريسة لأسئلته هو، أو لأسئلة أخيه وزان، ذلك الذي هزمني مرتين مؤخراً، عندما أثبت أني لا أدخن إلا إذا كنتُ وحيداً، لأن علاقتي النادرة بالتدخين هي علاقة سيكولوجية وليست كيميائية إطلاقاً، ومرة أخرى، عندما اكتشف بهدوء، وبكل دقة، لماذا أنا خارج الحب، منذ سنتين.

((لأنك تبالغ في وجومك، مثلما تبالغ في فرحك. هذا يعني أنك تعيش قيد الحب، أو ما بعده. الحب لا يعلق على وجوهنا لوحة الحزن الثابتة كما نتوقع، كل ما يفعله هو أن يزيد حرارتك درجة واحدة، تكفي لتجعلك متذبذباً بين حالات مختلفة، وهذا ما كنتَ أنت عليه أول ما عرفتك، ولكن الآن مستكينٌ جداً، ثابتٌ حتى في نزواتك. هذا يعني أن حرارتك عادت إلى مستواها الطبيعي. انتهى الحب يا صديقي!))



قلتُ لأيمن..

أشعر أحياناً أنه لا يمكن أن يعبرنا الزمن بوتيرة ثابتة، وأن الأيام لا تتساوى في حجمها كما توهمنا الحقائق. شخصياً، أنا على يقين أن السنتين الأخيرتين كانتا أقصر بكثير من شهر واحد في السنة التي قبلها.



ووافقني أيمن. قال عدة جمل، ولم يحل السبب في عدم التكافؤ إلى الظروف، وتسارع رتم الحياة، كالعادة..

فعلاً، لأن سلوكنا أحياناً يتحكم في الزمن، وطاقته، وحجمه، بينما لا يملك الزمن، في المقابل، إلا التحكم في معادلة بيولوجية بسيطة وثابتة مع أجسادنا. في الحقيقة، نحن نؤثر في الزمن أكثر مما يؤثر هو علينا.

ربما أننا، في حقبة معينة من الفلسفة، قمنا بتضخيم دور الزمن، حتى منحناه بعداً وحشياً لم نتخلص منه عبر أجيال.

ربما..



ثم أردف بعد سكتة قصيرة..

هذا الزمن مسكين!



ثم عاد ينشغل بقنوات التلفزيون، وعدتُ أنا لأكمل كلامي..

انتهى العام. لا أتخيل كيف بدأ وانتهى بهذه السرعة. ألا تلاحظ كيف صارت عبارات التعجب من سرعة الأعوام دارجة في كلام الناس؟

أنا شخصياً لا تعني لي نهايات الأعوام شيئاً مثيراً للشجن، ودائماً أنظر للسنة على أنها حلقة دائرية أصلاً، ليس لها بدايات ولا نهايات، لأن هذا هو الشكل الحقيقي للزمن.

ماذا تعني بالشكل الحقيقي للزمن؟

أعني أن هذا الزمن دائري أصلاً، وعندما بدأ الإنسان يشعر بالدوخة من دائريته، قرر أن يضع له بدايات ونهايات، واخترع الأعوام والسنوات.

ولكن ما أقصده هو مجرد وقفات مع السنة، ليس بالضرورة أن تكون في أولها أو آخرها..



التفت لي، بوجهه النحيل الحليق الذي تتعلق عليه نظارته الخفيفة، وقال وهو يبتسم..

على فكرة، ما زلنا في مارس!

أنا أتكلم عن السنة الهجرية..

الهجرية...



قالها بصوت ممدود، ينضح باللامبالاة، ، ممعناً في الإشارة إلى أن الأمر لا يهمه أبداً، وماداً ذراعه بقدر ما يستطيع ليلتقط كوب الشاي الضئيل الموضوع على الطاولة.

ابتسمتُ مقلداً سخريته، وسكتّ، وساد صوت موسيقى طفيف من التلفزيون تسبق نشرة الأخبار، قبل أن يردف هو بعد قليل..

تعرف؟



وضحك ضحكة قصيرة، وهو يميل ليعيد كوب الشاي إلى مكانه، ثم قال..

هذا ما يجعل وقع الزمن أثقل علينا، أن نعيش في بلدٍ يعتمد تقويمين لتدقيق حساباته معه. ليه يا أخي؟ سنة هجرية، وسنة ميلادية، والسنة تنتهي مرتين، والعمر ينقضي مرتين..



وأنا أقود سيارتي عائداً من مزرعته البعيدة تلك الليلة، فكرتُ في كلام أيمن، وزمنه الدائري، ربما كان أفضل مني وأنا أؤرشف أرباحي وخسائري بهذا الطابع الوهمي، وكأني ألمع وجه الشمس للعام المقبل، وأنفض عن نفسي درن الماضي مرةً كل سنة، لأكتشف أن الماضي يعود منتصباً أمام وجهي مثل خيال مآتة أنيق.



داهمتني رغبة أن أحسب فارق عمري بالميلادي عن الهجري، واكتشفتُ بالحساب الذهني السريع أن التقويم الهجري يجعلني أكبر بسنة تقريباً عن عمري الميلادي، فأين ذهبت هذه السنة الهاربة؟ تراها كانت هي تلك السنة الفقيرة التي وقعت فيها تحت الحب، وانتهت كأنها أشهرٌ مسروقة من خزانة القدر، سرعان ما استعادتها السماء؟



لم أفكر من قبل أننا ربما كنا نعيش في زمنين فعلاً، ولأسباب تاريخية، وليس فلكية كما يفترض، لأن الفلك لم يختلف مع بعضه منذ بدأ التكوين، ولكن نحن الذين اختلفنا فيه. كل هذا لأننا حائرون في تقويمنا بين نبيين، لا ندري أيهما أقدر على ترتيب أيامنا، ولا أدري إذا ما حَفَل النبيان بهذا الصراع الوقتي الذي أقامه بينهما الرعايا، ولكني أعرف أن لهذا أثرٌ في فصم العمر إلى فصين يتداخلان بشكل مؤذ، ويتخالفان بشكل أشد أذى.



ولا أفهم جدوى أن نحصر أعمارنا بين الأنبياء إذا كان الزمن يمارس كفره ما بينهما، ويرتكب خياناته المشبوهة في عرض أحلامنا؟ سواءً حسبتُ عمري بناءً على ميلاد عيسى، أو هجرة محمد، لماذا كان يجب أن أخسر حبيبتي في جزء من هذا العمر؟ هذا ما يعنيني، ولا يعنيهما طبعاً بأي حال.



ربما كان ابتزازاً للتقوى أن نجعل سنواتٍ أطول من سنوات، وشهوراً أقدس من أخرى، وأياماً لا تلتزم بقانون التناوب، وفوضى أخرى تأخذ بالساعات، والدقائق، والثواني. كل الهيكل الوقتي خَرِبْ إذن، لأن النبيان ذهبا، ولأنه لم يكن حرياً بالبشرية في الأصل أن تعلّق أزمنتها في رقاب الأنبياء، ثم تملأها بالشرور سنة بعد سنة.



أشعر أني أتحامل على التقويم الهجري لأنه سرق مني سنة كاملة، وهربها في الليالي التي غابت أهلّتها عن محاسبي الحياة، ثم جعلني أكبر. بينما يمنحني التقويم الميلادي فرصة أخرى، بحجم سنة كاملة، لأقتل فيها الأيام الحزينة على مهل، وأعيد ترتيب نفسي بعد كل فوضى لا أتوقعها.



إنه تقويم حزين أصلاً، مبنيٌ على مأساة نبي مطرود، بينما الآخر يأتي بشارة لميلاد لنبي، وأعتقد أن التقويم الميلادي جاء أكثر انضباطاً، لأن الشمس المدنيّة أقدر على الحساب من القمر البدويّ، هذا العرجون القديم الذي يفقد هويته دون أن يشعر، ويخلق تشوهات كبيرة في الزمن الذي بعده، كأن يجعلني أخسر سنة من عمري مثلاً.



ربما هذا الذي جعل غالية لا ترتاح كثيراً عندما أشبهها به في غمرة الكلام، باعتباره وصفاً كلاسيكياً تعودنا عليه. فهل كانت تعرف وحدها أنه مهرجٌ ليليّ لا يحترمه الزمن كثيراً؟ أو أنها كانت تحب الكلمات التي تُخلقُ من أجلها فقط، ولا تسمعها امرأة أخرى؟



سواءً كان الزمن هجرياً أو ميلادياً، يبدو أن طباعه الرصينة قد تغيّرت كثيراً. فهو الذي كان يزرع خلف آذاننا زيتون الحكمة، ويمضي مثل قاموسٍ ثقيل من العظات، أصبح الآن جامحاً مثل الصبيان، يؤلّب عليّ أيامه لتلاحقني في الأزقة، وتزعجني بألفاظ ونكات سوداء، وبذيئة. هذه السنة بالذات لا تبدأ جيداً. وأشعر منذ الآن أن شهورها القمرية القادمة لن تكون إلا طابوراً من اثني عشر مخرّباً، كلهم ينتظر نصيبه من المرح في بعثرة أوراقي، وتوسيخ سجادي، وتمزيق سكينتي، ودحرجة الصناديق القديمة من الأعلى، ولا أعرف كيف يمكن أن أتعامل مع كل هؤلاء الأطفال النزقين الذين يخربون هدوئي، هذا الذي بنيته من أعواد الكبريت، وعلب الدواء الصغيرة، والعشرات من كتب التاريخ الهزيلة، وشهادة ماجستير في إدارة الأعمال، وفن التصوير، وغرفة هادئة في أركانها تتجمع المئات من أقراص السي الدي، والأفلام، وأوراق بريدية لا توجد في الرياض غالباً.



يمكنني أن أفتعل وعياً يخدّرني من ضجيج هذا العام الذي يبدو أنه سيأتي نافراً من التقويم فعلاً، ولا يستحق إلا فصلاً واحداً من الكتابة، يشبه القفل الحديدي الثقيل، أحبسه خلفه حتى لا تتقافز منه شياطين التخريب الشقية، ولا تتمدد إلى أعوام أخرى، قررتُ أن أعيشها بهدوء، ووسط ترتيبات نفسية دقيقة، وآمنة، ورتيبة جداً.

****
جاءت من كيكا (http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\live\k2\2007-08-22\230.txt&storytitle=)




تحياتي http://www.tarout.info/montada/images/icons/gifmini10.gif

قلب أبيض..
24-11-07, 03:48 AM
أحدث حوارات الكاتب :.


-1-

موقع شاهد الإخباري..أجرت الحوار/ فاطمة العمري

م ألعب دوراً في نشر "بنات الرياض" واشتريتها لاقرأها مثل أي قارئ آخر (http://www.shahednews.com/full_news.php?type=news_lecture&id=82)


-2-

جريدة المحقق الجزائرية .. هاجر قويدري

الرواية مخلوقٌ متسائل (http://www.alalwan.com/interviews/interviews-almuhaqeq.htm)


- 3 -

جريدة الرياض السعودية .. طامي السميري


لا أكتب عن الحب بهدف التسويق
وما زال عندي الكثيــــر لأقوله عن الحب (http://www.alriyadh.com/2007/11/15/article294108.html)

ملكة الحزن
27-11-07, 11:33 PM
السلام عليكم

شكرا جزيلا اثير
و قلب

الر واية موجودة عندي.. و كلي لهفة للبدء فيها
لكن اريد ان اقرأها بذهن صافي حتى أتلذذ

لكتابات علوان .. مذاق خاص

قلب أبيض..
04-12-07, 10:37 AM
السلام عليكم

شكرا جزيلا اثير
و قلب

الر واية موجودة عندي.. و كلي لهفة للبدء فيها
لكن اريد ان اقرأها بذهن صافي حتى أتلذذ

لكتابات علوان .. مذاق خاص

أحب لغة الشعر في الكتابة .. الشفافيه والهدوء .. أشعر بأن هذا الأسلوب يجعل أخيلات الكتابة تنضج .. او ربما تتحفز
مثله مثل مستغانمي , واسيني الأعرج ..

من يقرأ صوفيا .. سقف الكفاية .. وقصصه القصيرة البسيطة في التركيب دون التعقيد .. يعرف أن محمد علوان كاتب فوق العادة ..!

ينبوع المعرفة
05-12-07, 10:53 PM
رهيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــب :).. حسيته قريب مني يمكن هههه

سأحصل على نسخه ورقية قريبا :)


لك كل الشكر على هذا النقل الرائع ..


تحياتي

ينبوع

العراب
06-12-07, 12:04 PM
حصلت على نسخة .. وسأقرأها قريبا

شكرا

اثير
10-12-07, 08:42 PM
حصلت على نسخة .. وسأقرأها قريبا

شكرا


:سنور: إلا من وين حصلتها ؟ اي مكتبة ؟

شكرا لكل من مر هنا :زهره: