في مفهوم الخطاب والخطاب المعاصر
إن المنبر الحسيني بدأ كرثاء شعري وأدبي بحت، ثم تطور إلى ذكر النصوص المفجعة لواقعة الطف بكربلاء، بعد ذلك بدأت الخطابة تأخذ طابعاً تكاملياً بحيث يجمع الخطيب ما بين الشعر الرثائي إلى جانب الروايات والقصص التاريخية التي تمجد الحسين (ع) وأهل البيت جميعاً، ثم حصل التدرّج الزماني للمنبر المعاصر الحديث (زمانياً) ليعطيه طابعاً متميزاً ابتداءً من الخطيب الشيخ أحمد الوائلي الذي أدخل السرد العلمي والفكري وحتى الأدبي على النص المنبري الحسيني. ثم برز آخرون على منهجه مثل الشيخ عبد الحميد المهاجر وكوكبة خطباء السبعينات من القرن العشرين الميلادي.
وربما نجد البعض يذهب إلى الدعوة إلى التحول بعرض مأساة الإمام الحسين (ع) بطرق فنية حديثة كالسينما والمسرح حيث تكون الرواية إلى جانب المؤثرات المسرحية والسينمائية تكنولوجيا خطابية حديثة من قبيل تطوير ما موجود من مشاهد الخيام والشبيه وغير ذلك من مراسم عاشوراء.
وبما أننا نعمل على نص ما فإن ذلك النص يتكون من مجموعة مقاطع تتكون بدورها من مجموعة جمل والجملة أو (النص الأول) هي اللبنة الرئيسية في رسم مخطط المفهوم الشامل للموضوع وحتى يزداد الحبك تماسكاً تصبح هذه الجملة هي المسؤولة عن المقطع الأول وعن النص الأخير أي ما يسمى بـ(الكوريز) أو مقدمة المصيبة لذا يصبح اختيار المقدمة أمراً ضرورياً لتدعيم النص الأول الذي عادة ما يستهله الخطيب بآية قرآنية أو حديث نبوي لبناء أساس موضوعه.
فالسؤال هذه المرة هو عن كيفية البحث عن الآلية التي ينبغي على الخطيب أن يتبناها لكي يوصل مفهومه إلى مستمعيه. فالإنسان الذي امتطى مركب العصر وما دام في حركة مستمرة، يجب أن لا يغفل للحظة عن قيادة المركب. والغاية من هذا هو عدم النظر إلى ما يسمى بخطابة المنبر الحسيني كمهنة من المهن التي تقوم عليها تقنيات معينة معروفة في أوساط المهتمين بذلك، بل ينبغي أن يتم تناول السيرة الحسينية بأبعادها الشمولية لما تقتضيه مصلحة الأمة باعتبار أن الثورة الحسينية ذات مضامين وأبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية شاملة فالإمام الحسين (ع) بطل العقيدة، وبطل المبادئ التي ترتبط بالعقيدة وقد دفع بنفسه وعياله - نظراً لما اقتضته حاجة الأمة وحاجة التغيير - لدرء مظاهر الانحراف واقتضاء مصلحة العقيدة الإسلامية لتغيير الواقع الفاسد وإعادة بناء ما جاء به الرسول محمد (ص) ومن هنا اكتسبت الثورة الحسينية أبعادها التي يمكن أن تكون مرتكزاً أيديولوجياً لمواجهة الصراع القائم مع حالات الانحراف الجديد، فالسيرة الحسينية بالإضافة إلى كونها تخاطب العاطفة والوجدان، فإنها ينبغي أن تأخذ دورها الفكري والأخلاقي انطلاقاً من مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وتماشياً مع متطلبات الجهاد الأكبر التي فرضها الإسلام لمحاربة الكفر والضلالة والتصدي لمن أراد طمس حضارة القيم الأخلاقية التي جاء بها الحسين (ع) لكي يصبح المنبر وسيلة حضارية تربط بين الأصالة والحداثة لإنجاز التحفز الحضاري حيث توفر الأصالة المنهل المقدس للانطلاق والوثوب، بينما تحفز الحداثة ما موجود من أسس وتيارات جديدة وآلية تنسجم مع متطلبات الصراع القائم بما يتوافق مع مصلحة الأمة الإسلامية وصولاً إلى الذروة في استخلاص النتائج، من هنا فإن الآلية الجديدة التي يحتاجها المضمون الخطابي ستقوم بدورها في صبغ الخطاب بمعرفية واسعة وبأشكال من التجديد تحفظ قدسية المنبر الحسيني.
نور