الفصل (9)
(السيد الكشميري)
وكنت في بعض الاحيان اهرع مهرولا نحو ملجأ العاصين الامامين الكاظمين عليهم السلام واشكو اليهم ما اعاني من مصارعة النفس الامارة .
كنت اذهب الى الحرم الشريف وابكي لينجّيني الله سبحانه من المعصية .
واخيرا عزمت على ان اخلص مسالة الخطوبة ؛ فاما ان ايأس وفي اليأس راحة كما قال امير المؤمنين عليه السلام :
* لو تميزت الأشياء كان الكذب مع الجبن و الصدق مع الشجاعة و الراحة مع اليأس و التعب مع الطمع و الحرمان مع الحرص و الذل مع الدين.[1]
فقلت: ساستخير فان خرجت الاستخارة غير جيدة اترك الموضوع واشتغل بالدرس ؛ او تخرج جيدة فاجاهد حتى اصل للنتيجة ان كان مقدرا لي باذن الله تعالى ؛ وصممت ان اذهب الى النجف الاشرف لاستخير لهذا الامر عند السيد الكشميري – رحمه الله -؛ وكان السيد عبد الكريم الكشميري يستخير ويخبرك بما في نيتك بما يدهشك وهو من المعروفين بين المؤمنين باستخاراته وكان سماحة السيد من تلاميذ جدي السيد عبد الغفار المازندراني واخذ منه السجدة اليونسية وكثيرا ما كان ياتي لبيتنا في الكوفة ويجلسون مع الوالد والاخرين ويتحدثون بقضايا عجيبة فرحمة الله عليهم اجمعين .
وكان رحمة الله عليه يذهب ليالي الجمعة الى كربلاء النور الحزين ويصلي اِمام جماعة عند الباب الذي يقابل التل الزينبي وهو التل الذي وقفتْ عليه السيدة - ؛ بطلة الوجود ؛ السيدة التي قهرت الصبر بصبرها في حملها لواء الانبياء عليهم السلام جميعا - وهي تنظر الى اخيها وهو في المعركة ساقط على الارض فنادت:
((قال فو الله لا أنسى زينب بنت علي عليه السلام و هي تندب الحسين و تنادي بصوت حزين و قلب كئيب : وا محمداه صلى عليك مليك السماء هذا حسين مرمل بالدماء مقطع
الأعضاء و بناتك سبايا إلى الله المشتكى و إلى محمد المصطفى و إلى علي المرتضى و إلى حمزة سيد الشهداء وا محمداه هذا حسين بالعراء يسفي عليه الصبا قتيل أولاد البغايا يا حزناه يا كرباه اليوم مات جدي رسول الله يا أصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا.[2](انتهى))
وبعد اداء صلاتي المغرب والعشاء كان السيد الكشميري يذهب للزيارة ؛ وفي ذلك اليوم الذي اردت الاستخارة عنده ذهبت الى الزيارة وبعد الصلاة ذهبت مع والدي وسماحة السيد المرحوم الى مقابل الضريح وخلفنا باب القبلة فطلبت من سماحته ان يستخير لي :
ففتح القرآن الكريم ثم نظراليّ نظرات معبرة وقال .... وهو يرتل آية الاستخارة؛
وفهمت من نظراته انه ما اراد ان يتكلم ووالدي جالس بجنبي فقال لي : انا اقرء الآية وانت ستفهمها:
((فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ َأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلّ َوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَاهَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيم[3]))
ثم التفت اليّ وقال : افهمت ؟؟
بقيت حائراً ماذا اقول له ؟
ان قلت فهمت ستذهب الفرصة من يدي في توضياته المعروفة المميزة التي لا غنى لي عنها.
وان قلت لم افهم فسيوضح الآية المباركة ولكن سيفهم والدي كل شيء؛ وقد تحدث ما لا اتوقعه ويذهب كل شيئ ادراج الرياح .
ولكنني رجّحت ان اقول ما فهمت وان حدث ما حدث ولعل الله سبحانه ببركة الحرم الحسيني يليّن قلب والدي ويكون التوضيح فاتحة خير لي .
فقلت سيدنا : ان أمكن ان توضحوا الاية.
فقال : هذه فتاة لها كذا خصوصية ....... تريد ان تتزوجها وبينكم رسالة وسكت.
وهنا بدأت نظرات الوالد – المرحوم — تصوّب سهام الاستفهام نحوي وانا ارتعش لمعاني متعددة :
لخوفي من الوالد - من فضيحة الرسالة -
وارتعاشات الامل وفرحة السقوط على غصن الورد المعطربشذاها الحسيني ؛ واتجه قلبي نحو الامام الحسين عليه السلام وهو يتمتم آيات الشكر والثناء والسؤال منه عليه السلام والرجاء لاتمام الامر بسلام .
وقد ورد دعاء عن الامام الرضا عليه السلام في مثل هذه المواقف تقوله حينما تريد ان يتمم الله لك حاجتك بسلام كما ورد عن.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ العَبَّاسِ قَالَ كَانَ الرِّضَا عليه السلام يُنْشِدُ كَثِيراً
إِذَا كُنْتَ فِي خَيْرٍ فَلا تَغْتَرِرْ بِهِ * وَ لَكِنْ قُلِ ((اللَّهُمَّ سَلِّمْ وَ تَمِّمْ[4][5]))
فان كنت تريد ان تنجز امر من الخير فقل: اللهم سلم وتمم .
فكلما اذكر قضية اريد انجازها وقبل ان تتم؛ كلما ذكرتها قلت قول الامام الرضا عليه السلام: ((اللهم سلم وتمم)) .
بعد الرجوع من كربلاء الحبيبة وقبل ان اتحدث مع الوالد بالموضوع فررت من النجف الاشرف الى بغداد حيث الكلية والدراسة .
وبدأت افكر واخطط للامر الجديد في حياتي الجديدة وهي حياة ما بعد الاستخارة0 فرايت ان اول من اخبره بامر الاستخارة ؛ هي اختي التي ربتنا بعد المرحومة امي وضحّت بكل ما تملك من اجلنا حيث كنا عائلة كبيرة واكثرنا صغار وهي ايضا شابة صغيرة ومع صغر سنها قد تكفلت بكل شؤن المنزل على ثقله العظيم ؛كانت تقول لوالدي حينما يخطبوها:
لو اصبح شعري بلون اسناني لا اتزوج اِن لم يصل اخواني لامنياتهم في الحياة ؛والحمد لله الذي لم يخيبها حيث رزقها زوجا طيبا فوق ما كُنت اتوقع لها.
ولنا مع سماحة السيد الكشميري رحمة الله عليه مواقف جميلة جدا ان وفقت فساذكرها لانها حدثت معنا
[1] شرح نهج البلاغة: ج 20 ص 327.
[2] بحار الانوار: ج 45 ص 59.
[3] يوسف: 31.
[4] عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج49 ص111 .