عرض مشاركة واحدة
قديم 28-07-12, 06:42 PM   #2

عاشق السماء
.: إداري :.

 
الصورة الرمزية عاشق السماء  







افكر

رد: تهيئة النفس لشهر الله



لوازم الاعتكاف الروحي:
إن برنامج الحياة يختلف في شهر رمضان المبارك: فالإنسان لا يفطر، ولا يتغدى، ويقوم الليل؛ فمعظم الناس مستيقظون ساعة السحر.. هذا الجو مناسب جداً للاعتكاف الروحي، ولو خُيّر الإنسان بين الاعتكاف الفقهي ثلاثة أيام أو أكثر في المسجد، وبين الاعتكاف الروحي طوال الشهر، والله العالم أن تأثير هذا الاعتكاف أكبر!.. ولكن ما المقصود بالاعتكاف الروحي؟.. فكما أن المحرم للحج يحرّم على نفسه بعض الأمور، المعتكف روحيا في شهر رمضان المبارك، أيضاً يحرّم على نفسه بعض الأمور، منها:
1. تصفية الحسابات: يحاول المؤمن أن يصفي حساباته في هذا الشهر الكريم.
2. الجدية: إن المؤمن لا يتكلم كثيرا هذرا في هذا الشهر الفضيل.
3. عدم اللهو: إن المؤمن لا يذهب إلى المجالس اللاهية التي يطلق عليها "مجالس رمضانية"، إلا إن كان فيها فائدة، أو حديث نافع، أو صلة رحم!.. بعكس بعض الذين من أول الشهر إلى آخره، وهم ينتقلون من بيت إلى بيت، ومن مجلس إلى مجلس بدعوى مباركة رمضانية، وهم يتكلمون في كل ما هب ودبّ، ويسمعون كل ما هبّ ودبّ، وقد يسمعون الحرام!.. فهذه المجالس غير مبنية عموما على التقوى، وفيها بعض الوجاهات الاجتماعية والأرباح الدنيوية.. المؤمن في شهر رمضان، يخفف العلاقات اللاهية.
4. صلة الأرحام: إن المؤمن يصل رحمه في الشهر المبارك، فيجعل له جدولا للقيام بزيارة الأقارب!.. بينما هناك من لا يفوّت زيارة أصدقائه أسبوعياً، وفي المقابل لا يزور أخاه أو أخته، وقد لا يعرف لهم عنواناً، وكذلك العم والخال والخالة؛ فأين التقرب إلى الله عزّ وجلّ؟.. من هنا يأتي بعض أنواع البلاء، فمن يقطع رحمه رب العالمين يبتر عمره!..
فإذن، إن شهر رمضان المبارك هو شهر العبادة، هناك من يذهب للعمرة في العشرة الأخيرة من الشهر الكريم بدعوى الاعتكاف وترك الدنيا، بينما المؤمن من أول يوم يعتكف، بمعنى: هو في النهار صائم، وفي الليل يقوم بأعمال الليالي: من العبادات، والإحياء، ومستحبات ساعة السحر.. لذا، فإنه في غنى عن بعض المجالس الباطلة.


خامساً: المصالحة مع القرآن الكريم.. من آداب هذا الشهر الكريم، المصالحة مع القرآن الكريم، فكثير من الناس لا يلمس كتاب الله عز وجل من شهر شوال إلى أول شهر رمضان، إلا في فاتحة على قبور الموتى، ولكنه لا يقرأ صفحة أو جزءا من كتاب الله عزّ وجلّ خلال السنة، لذا فإنه في شهر رمضان؛ يصالح رب العالمين في كتابه.. هنا لابد من ذكر ملاحظة هي عبارة عن توصية من العلماء السلف بالنسبة إلى تلاوة القرآن الكريم، يقولون: إنه من المناسب أن يكون للمؤمن تلاوتان في شهر رمضان:
التلاوة الأولى: تلاوة للأجر والثواب، وإكثار الحسنات.. إذ بإمكان الإنسان أن يختم القرآن في كل ثلاثة أيام؛ وهذا أمرٌ ميسور: ففي الساعة الواحدة يقرأ ثلاثة أجزاء، العشرة أجزاء تستغرق من الوقت ثلاث أو أربع ساعات، فمن يقرأ القرآن بهكذا عدد من الممكن أن يختم القرآن كل ثلاثة أيام.. إذن، هذه تلاوة للأجر والثواب، ولكن مع التدبر الإجمالي.
التلاوة الثانية: تلاوة للتدبر والتأمل.. أي يقرأ في مصحف معين، ويكتب على هامشه كل ما توصل إليه من ملاحظات وتأملات حول القرآن.. فالإنسان: له عقل، وله فهم، وله تفكير!.. صحيح أن تفسير القرآن المعمق هو لأهله من العلماء؛ كصاحب تفسير الميزان وغيره، ولكن التدبر في كتاب الله عزّ وجل تدبرا إجماليا نحن مأمورون به.
فإذن، ينبغي أن يكون هناك قراءة متدبرة، وقراءة للأجر والثواب، بموازاة بعضهما البعض.


سادساً: العدالة.. إن المؤمن في شهر رمضان المبارك، يحاول أن يكون عادلا عدالة مؤقتة!.. فملكة ترك الحرام لا يمكن الانضباط بها طوال العام، ولكن في شهر رمضان عندما يكون الإنسان صائما، فإن قلبه لا يطاوعه أن ينظر إلى الحرام، أو يتكلم في الغيبة!.. لذا، فليحاول أن يكون في ليله ونهاره عادلا ولو مؤقتا!.. وليعتبر هذا تدريبا على هذه الملكة، وليجعل زوجته القريبة منه؛ لا ترى منه حراما!.. ومن يصير عادلا في شهر رمضان؛ من الممكن أن يكون عادلا في شهر شوال، ومن يكون عادلا في شهر شوال؛ يصير عادلا في شهر ذي القعدة، وقس عليه باقي شهور السنة!.. هنيئا لمن استيقظ صباحا للصلاة بين يدي الله عزّ وجلّ، وزوجته تكبر وتصلي خلفه!.. فمن شهدت له زوجته بالعدالة؛ فهو عادل حقا؛ لأن الزوجة ترى هفوات الرجل: فإن كان لا يفحش في القول عند الغضب، ولا ينظر إلى الحرام عندما يخلو في المنزل، ولا ينظر يميناً وشمالاً عندما يخرج للأسواق؛ يكون إنساناً عادلاً!..
فإذن، إن المؤمن في شهر رمضان المبارك، يجعل سقف همته أن يكون عادلا، قائلاً: يا رب، أعني على ذلك!.. فالمهندسون في هذه الأيام عندما يبنون طابقا واحدا بنجاح يقولون: البرج سيرتفع، لأن هذا الطابق بنيناه على الأصول، والطوابق الأخرى أيضاً تبنى على ما بني عليه الطابق الأول.. لذا، من كان عادلا في شهر رمضان المبارك؛ يرجى أن تفتح له الأبواب!..


سابعاً: استقذار المنكر.. إن الإنسان الذي وصل إلى هذه النقطة الذهبية أو الماسية، فقد وصل إلى العدالة الدائمة!.. إذا وصل المؤمن إلى حالة، يرى الحرام في ذائقته قبيحا مرّا؛ فإن الأمر لا يحتاج إلى تحفيز، هو عندئذ تملك هذه الملكة الراقية: عندما يرى أن الغيبة حقيقة هو أكل للحم الميتة، وعندما يرى أن النظر إلى المرأة السافرة هو سهم من سهام إبليس، وعندما ينظر إليها كأن سهما دخل في حدقته، والذي يغضب على زوجته وعلى غيرها يرى كأن الشيطان ركبه، وصار مطية لإبليس؛ هذا الإنسان لا يمكنه ارتكاب الحرام؛ لأنه يرى الحرام قبيحا مرّا فجّا!.. هذه هي ملكة العدالة، فما من حرام، إلا وفيه ما فيه من ملكوت القبح.. وهذا الشهر مناسب جداً لهذا الأمر!..
ثامناً: إتقان الصلوات الواجبة.. هناك من يقدّم طعام الإفطار على صلاة المغرب، ولكن هذا الأمر فيه رجحان في بعض الحالات فقط، منها:
1. الجوع الشديد: إن الإنسان الذي يعيش الجوع الشديد، ويكاد يغمى عليه أو ما يقرب من ذلك، وإذا صلى يكون فكره في الطعام والشراب؛ هذا بإمكانه أن يأكل ثم يصلّي.
2. الإفطار الجماعي: إن كان هناك مأدبة عامة؛ أي إفطار جماعي، والقوم ينتظرون هذا المؤمن، فهذا عنوان ثانوي.
أما في غير هاتين الحالتين، فإنه يُفضّل تقديم الصلاة على الإفطار، وليخرج من هذا الشهر الكريم بصلاة الخواص!..
أ‌- صلاة الفجر: من يستيقظ لتناول طعام السحور، ويناجي ربه، ويصلي صلاة الليل؛ فليصلِّ ركعتي الفجر بخشوع.
ب‌- صلاة الظهر: إن بعض الصائمين في صلاة الزوال، قد يغلب عليهم الجوع والعطش؛ فلا يتقنون الصلاة!..
ج‌- صلاة المغرب: إن كان الرجل في المنزل، والزوجة تحب أن تصلي في أول الوقت، فليحاول أن يصلي صلاة خاشعة -لا طويلة- فالجائع له تركيز أكثر ممن امتلأ بطنه بالطعام، أما الذي يأكل ويرتوي فإنه يسترخي، ويتمنى أن ينام بجانب المائدة.. إنها ساعة الأذان، وقد انتهى الصيام، ما هي إلا لحظات ويأكل بإذن الله عزّ وجلّ، فليصلِّ صلاة متقنة.
فإذن، إن المؤمن في هذا الشهر المبارك يحاول -على الأقل- أن يتقن صلاة الفجر والعشاءين!..


تاسعاً: صوم الخواص.. إن هناك ثلاثة أنواع للصيام، ألا وهي:
1. صوم العوام: وهو كف البطن عن الطعام، والشراب، وباقي المفطرات.
2. صوم الخواص: أي الصوم عن الطعام والشراب، وعمّا حرّم الله عزّ وجلّ، لا فرق في ذلك بين النهار والليل؛ في النهار: يكفّ عن الطعام والشراب، والنظر والغيبة وغيره.. وفي الليل: أيضا يصوم عما لا يرضي الله عزّ وجلّ.
3. صوم خواص الخواص: أي ليس الصوم عن: الطعام، والشراب، ومقاربة النساء، وغيره.. وليس الصوم عن: الغيبة، والنميمة، والكذب، وغيره!.. بل الصوم عمّا سوى الله عزّ وجلّ؛ وهذا صوم الأقلين عددا!.. أي أن يتملك القلب حب الله عز وجل، فلا يذكر أحداً غيره، فالتوحيد هو أن لا يرى الإنسان في الوجود مؤثرا إلا هو!.. فلا يجعل عينيه على زيد وعمر في قضاء حوائجه، ولا يخاف من إنسان؛ لأنه ليس هناك في هذا الوجود متحكم ومؤثر إلا الله عز وجل!.. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لذا ما هو وزن هذا الفاني، وما قدر هذا الزائل؟..
فإذن، على المؤمن أن لا يرى أحدا غير الله عزّ وجلّ، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (القلب حرم الله، فلا تُسكن حرم الله غير الله)!.. من وصل إلى هذه الدرجة؛ فهو صائم طوال العام!.. والذي يصوم عمّا سوى الله عز وجل، لا فرق عنده بين شهر رمضان المبارك، وبين شهر شوال؛ فهو في ضيافة الله عز وجل طوال عمره، ومن كان في ضيافة الله عزّ وجلّ طوال العام -فليشكر الله على هذه النعمة- يكون قد أُعطي مزايا الصائمين طوال العام التي منها: نومه عبادة، ونفسه تسبيح، ودعاؤه مستجاب، وشياطينه مغلولة؛ كل هذه المزايا له ثابتة طوال العمر إلى أن يلقى ربه.. فهنيئاً لمن كان في صوم دائم، وفي صلاة دائمة!.. هم في صلاتهم دائمون، وفي صومهم دائمون!...


ورحم الله من قرأ سورة الفاتحة المباركة
واهدى ثوابها إلى أرواح موتانا وموتى المؤمنين
وأسألكم الدعاء

تحياتي السماوية
عاشق السماء
__________________

عاشق السماء غير متصل