الحلقة العاشرة :
في الحلقة الماضية كانت سلمى قد استسلمت تماماً لقدرها ، وقد روت لنا كيف شهدت واحدة من ليالي عدي الحمراء المجنونة ، التي تضم كل شيء وفيها حسب تعبيرها هي مايثير اشمئزاز أي إنسان ، سألتها عن شعورها بعد أن صارت عشيقة عدي صدام حسين ، وسألتها عن ولدها الذي لم تره منذ أسابيع، هنا لابد أن أقول بأن سلمى تحدثت واصفة بدقة كل ماحدث معها ، وكان يبدو عليها أثناء الحديث كمٌّ كبير من المعاناة والألم جعلني في الكثير من المرات أطلب منها أن تتوقف عن مواصلة الحديث ، لكنها كانت في كل مرة ترجوني بأن تتابع لأنها كانت تجد راحتها في سرد قصتها التي أصرت هي على تسميتها مأساة. - تسألني عن ولدي وعن الأشياء التي تغيرت في حياتي بعد أن صرت عشيقة عدي كما تقول ، حيالتي كلها تغيرت رأسا على عقب ، صار لزاما عليّ أن أكون جاهزة في كل يوم يطلبني للذهاب الى واحدة من سهراته وحفلاته التي لاتنتهي ، يعني تصدق يمكن كل يوم كان هناك سهرة وكان عنده ضيوف . - تقولين ضيوف ! هل يمكن أن تقولي لنا من هم هؤلاء الضيوف ؟ - ضيوف مختلفون كل مرة ، بعضهما عرب وبعضهم أجانب ، أذكر مرة أني رأيت أحد الأثرياء الأوكرانيين ضيفاً في مزرعة عدي ، كان الجميع مهتمين بالمستر نيقولاي كما كانوا ينادونه ، وقد فهمت من أحد الموجودين أن نيقولاي جاء لعقد صفقة نفطية كبيرة مع الأستاذ عدي ، وأن قيمة الصفقة تتجاوز ملايين الدولارات ، وبالمقابل كان نيقولاي يعرض عقد صفقة مع بعض المسؤولين العراقيين بوساطة عدي هي صفقة ألماس ، كان مايحدث يثير استغرابي كثيراً ، الأرقام التي كانت تذكر أمامي جعلتني أحس بأني أعيش في بلد آخر غير العراق ، ملايين الدولارات والشعب يكتوي بنار الحصار والجوع والقهر . ماكان يحدث كان يجعل الدنيا تسود في وجهي كثيرا ، وكنت أرجو الله دائما أن يلهمني الصبر كي أستطيع البقاء متماسكة حتى أتمكن من رؤية ولدي . - مدام ألم تسألي عدي عن ولدك ؟ أقصد ألم تطلبي منه أن يسمح لك برؤيته وإبقائه معك ؟ - نعم حدث هذا ، مرة في الليل وقبل أن يغادر عدي البيت قلت له بأني مشتاقة لابني كثيرا وأرغب برؤيته ، صار يضحك وقال لي : الأيام قادمة فلا تستعجلي ، وكل شيء باوانه جميل. - سيدتي قلت قبل أن يغادر البيت ، هل كنت تقيمين معه في البيت نفسه ؟ - لا طبعا ، لكن كان عدي يزورني في البيت مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا ، وأحيانا يأخذونني إليه حيثما كان ،مرة أخذوني الى شط العرب ، كان عدي موجودا هناك مع أحد الأثرياء الأردنيين في يخت كبير . - الى شط العرب ؟ - نعم كان هناك على ظهر اليخت ، وكانت هناك مطربة أردنية معهما قال لي أديب بأن اسمها هو أسمهان . - هل تتذكرين اسم الثري الأردني ؟ - أعرف اسمه الأول فقط محمود ، كان في حوالي الخمسين يضحك بلا توقف ، وكان يبدو أن المطربة هي صديقته ، فلم أر أحدا اقترب منها . - هل كان هناك آخرون ؟ - لا فقط عدي والأردني والمطربة وأنا وبعض أفراد حماية عدي وأديب شعبان ، استمرت إقامتنا على اليخت ثلاثة أيام ، وعندما عدنا الى بغداد قال لي عدي : إذا عرف أحد بأمر هذه الرحلة الجميلة غيرنا فسأجعل رأسك يتدحرج مثل الكرة ، مفهوم حبيبتي .حتى لو كان السيد الوالد لاأريد أن يعلم أحد .قلت له : لم يحدث أستاذ أن فتحت فمي لأبوح بأي شيء ، فلماذا تنبهني هذه المرة تحديدا ؟. رد علي مبتسماً : لأن هذه المرة غير كل المرات ، هذه المرة مختلفة تماماً . ويمكن إذا أحسست أنك تسمعين الكلام بشكل جيد سأجعلك ترين الصغير ، هذا وعد . - مدام ، كيف كنت تخاطبين عدي ، يعني كنت تنادينه باسمه أم أستاذ ؟ - في النهار حتى وإن كنا بمفردنا كنت لاأقول له إلا أستاذ ، أما في الليل فكان يحب أن أناديه عداوي ، يعني تصدق كان ينسى نفسه تماما في الليل ، تحس بأنه شخص مختلف ، يحب المزاح والضحك كثيرا ، ويطلب من القريبين منه أن يحكوا له نكاتاً ، وكان دائما يقلد طريقة الرئيس في الجلوس والكلام ، بعض مرافقيه كانوا لاينادونه أستاذ بل سيدي ، وكان هو يفرح بهذا ، مرة فرض على واحد من المطربين أن يغني له أغنية خاصة به ، يعني أن تكون الأغنية تتحدث عنه ، في اليوم الثاني جاء المطرب ومعه الفرقة الموسيقية ، وبدأ يغني : وداعتك سيدي الأستاذ ماكو مثلك بالبلاد هاي الناس تترجاك وجاية تكول عد عيناك عدي فرح بالأغنية كثيراً ، وكافأ المطرب وفرقته مكافأة كبيرة ، في اليوم الثاني جاء المطرب يركب مرسيدس هدية من عدي وتغير وضعه ( طلبت من سلمى بإلحاح أن تبوح باسم ذلك المطرب لكنها رفضت ، وقالت بأنها تعرف أنه كان مضطرا ليفعل مافعله ، لأنه لو رفض ، لفقد رأسه ، أو لوضع في الرضوانية حتى يتعفن جسمه ) تعرف أستاذ مرة أخطأ أحد السائقين في نوع السيارة التي طلبها منه عدي فهو طلب منه أن يجهز البورش للخروج لكن السائق جهز المرسيدس ، أتعرف ماكانت عقوبته ، لقد أمضى أسبوعا في سجن الرضوانية ، وبعد خروجه أرسل الى القطعات العسكرية البعيدة جدا ، يمكن أرسلوه الى القطاع الشمالي . - ولكن هل كان ذلك السائق عسكرياً ؟ - أغلب الذين مع عدي هم من العسكريين ويقوم باختيارهم أحد مساعدي عدي من القطعات العسكرية ، أو يقومون بفرزهم خصوصاً لصالح عدي ، وأغلبهم من تكريت ، تماما مثل مرافقة الرئيس وحرسه الخاص - برأيك هل كان الرئيس على علم بما يفعله عدي في مزارعه وسجونه ؟ - الرئيس أكيد كان يعرف ، عندنا في العراق كانوا يقولون لايحدث شيء لايعلم به صدام حسين أجهزته الأمنية كانت تراقب الجميع ، كنا نعرف ذلك كلنا في العراق ، ولا يمكن أن يقوم عدي بكل أعماله دون أن يعلم به الرئيس ، وخصوصا أن أعمال عدي لم تكن سرية ، بل كانت علنية ،وكل الناس يعرفون بها ، أبناء الشارع كلهم يعرفون ماذا يفعل ابن الرئيس ، أتذكر مرة أن عدي كان غاضبا كثيرا بعد أن جاء من مقابلة مع والده ، وقد طرد في ذلك اليوم كل الذين كانوا موجودين ، وبقيت أنا جالسة أكثر من ساعتين دون أن يقول لي كلمة واحدة ، بعد ذلك طلب مني وبهدوء أن أتركه وحيدا وأدخل الى الغرفة الأخرى ، دخلت الى الغرفة ، وسمعته يتحدث على الهاتف مع قصي ، كان يقول له وبالحرف : أكلك صاح بوجهي مرتين ، كدام حسين . فهمت من ذلك أن الرئيس أنب عدي في حضور حسين كامل الذي كان عدي يكرهه كثيرا ، وأكثر من مرة كان يشتمه ، ويبدو متضايقا حين يذكر اسمه . كانت الأيام تمر ببطء عليّ وأنا أنتظر أن يسمح لي برؤية ولدي ، وفي إحدى الأمسيات وكان عدي في مزاج جيد ، قال لي : ها ألا تريدين أن تري ابنك ؟ صحت بفرح : أستاذ هذا الشيء الذي سيجعلني أسعد إنسانة في الدنيا ، قال بهدوء : غدا تحضره زينب ، وأنا أحب أن تكوني أسعد إنسانة في الدنيا . في تلك الليلة كدت أن أطير من الفرح ، أخيرا وبعد أشهر سأرى ولدي ، في اليوم التالي ومنذ الصباح الباكر ، فتح باب غرفتي وكنت نائمة ، فتحت عيني بتثاقل ، ورأيته كان يخطوخائفا باتجاه سريري وزينب تقف خلفه وتقول : اذهب هذه ماما ، اذهب حبيبي ، لاتخف ، حين أدركت أن هذا الصغير هو ولدي نهضت بلهفة احتضنته ، وقبلته على وجهه على رأسه ، على يديه ، على قدميه ، وكان ينظر إلي باستغراب ، قال : ماما انت عدت من السفر ، نعم حبيبي عدت من السفر ولن أسافر بعد هذا اليوم أبدا ، كان عمره صار أربع سنوات ونصف ، يشبه أباه رحمه الله كثيرا ، يعني العيون نفسها ، وتدويرة الوجه نفسها ،ولكنه كان طويلاً ، يعني الذي يراه يقول بأن عمره ست أو سبع سنوات ، قال لزينب : خالة زينب شفتي ، ماما عادت ولن تسافر مرة ثانية ، لن أذهب بعد اليوم الى بيتكم ، لأن أمي ستأخذني معها ، مع كلماته هذه بدأ الحزن يعود إليّ ، تساءلت بيني وبين نفسي : ولكن ماذا لو أن عدي لم يسمح لي بإبقائه معي ؟ ماذا سأفعل ؟ هل سأستطيع فرض رغبتي عليه ؟ يمكن أن يأخذ الصغير مني ولن يجعلني أراه بعدها ، لكني قررت أن أطلب منه هذا الطلب ، وألا أضغط عليه كيلا تكون ردة فعله عكسية، - إذن مدام هل كان الصغير موجودا عند زينب طيلة هذه الفترة ؟ - نعم هذا ماقالته زينب لي ، قالت بأن قريبها ، وهو بالمناسبة إنسان رائع ، شهم ، وعراقي أصيل ، ساعدني كثيرا فيما بعد ، قريبها هذا الذي يعمل مع عدي أخذ الصغير ووضعه في بيته ، منذ سنة تقريبا ، ومن يومها وهو وزوجته وزينب يهتمون بالصغير أكثر من اهتمامهم بأولادهم ، تصدق أستاذ ، أحيانا طيبة الناس ومعدنهم الأصيل تنسيك أذى الآخرين ، وإساءاتهم ، يعني لولا وجود زينب وقريبها رمضان ، ماذا كان سيكون مصير ولدي ، أكيد أنه كان سيلاقي الأمرين في البيت الذي وضعوه فيه أول مرة . - مدام ، ولكن ألا ترين معي أن يبقى طفلك يتذكرك بعد كل هذه المدة من الغياب عنه أمر غريب ! - نعم في هذه معك حق ،وأنا أيضا استغربت الأمر في البداية ، لكن زينب قالت لي بأن صورتي كانت دائما في الغرفة التي هو فيها ، وقد أفهموه أنني مسافرة ، وكل فترة كانت زينب تطلب مني صورة من صوري وكنت أعطيها دون أن تعرف السبب ، لأني كنت أظن بأنها أوامر عدي ، ولكنها اعترفت لي حين أحضرت الصغير بأنها كانت تريه الصور وتقول له بأنني أرسل له الصور والهدايا ، وقالت لي زينب بأن قريبها رمضان كان يشتري كل شهر هدية ويلفها بشكل أنيق ويقدمونها للصغير على أنها مني ، طبعا هذا المعروف الذي قدموه لي لايمكن أن أنساه أبدا ، وحين عاتبت زينب لأنها لم تخبرني عن مكان وجود ولدي على الرغم من أنني كثيرا ماكنت أسألها ، قالت لي بأن هذا كان الشرط الذي وضعه أبو حسين كي يبقى الصغير عندهم ، ولو علموا بأني عرفتمكان ولدي ، لما سمحوا لهم بإبقائه أبداً. - مدام دعينا نعود الى التفاصيل التي حدثت فيما بعد ، أقصد هل هناك حوادث معينة حصلت أثناء وجودك قريبة من عدي صدام حسين ، حوادث يمكن أن يكون لها مدلولات معينة مثلاً؟ - نعم سأقول لك ، ذات يوم استدعاني عدي الى مقر اللجنة الأولمبية وحين دخلت الى مكتبه رأيت رجلا أفريقيا ، يلبس ملابس غريبة ، ويتكلم بطريقة غريبة أيضاً ، كان عربياً ، أو ربما هو يتقن العربية بشكل جيد ، أشار لي عدي بأن أجلس فجلست وصرت أراقب الرجل وهو يتحدث ، كان يتحدث عن شيء له علاقة بالسحر وتحضير الأرواح ، وكان يمسك بيده صورة أحد الأشخاص ، حاولت كثيرا استراق النظر لأعرف صورة من كانت لكني لم أستطع ، كانت قياس الصورة صغيرا، ولذلك فلم أستطع تمييزها بشكل واضح لكنها كانت صورة رجل ، ثم طلب عدي من الرجل إخراج الأرواح الشريرة مني ، اقترب مني ذلك الرجل وبدأ يردد كلمات لا معنى لها وطلب مني أن أردد بعده ، امتثلت للأمر فلم يكن بإمكاني الرفض ، ظل ذلك الرجل يتلو تعاويذه قرابة النصف ساعة ، ثم ابتعد عني واقترب من عدي وهمس في أذنه شيئا ، فتغيرت ملامحه وقال لي : اذهبي لاأريد رؤية وجهك لمدة عشرة أيام ، حملت حقيبتي وخرجت راكضة ، لم أفهم ماذا جرى تماماً ، لكن وبعد عشرة أيام طلبني عدي الى المزرعة فذهبت . - عفوا للمقاطعة مدام ولكن هل كنت تذهبين بمفردك ؟ - في البداية كان يأتي أحد لمرافقتي ، ولكن فيما بعد صار يتصل بي ويطلب مني المجيء الى أحد ألمكنة فأركب السيارة وأذهب، حين وصلت الى المزرعة كان عدي يجلس في الحديقة والى جانبه أحد معاونيه وفور وصولي أمر مساعده بمغادرة المكان ، ذهب المعاون وبقينا وحدنا أنا وهو قال لي ضاحكا : لازم أنت تسألين نفسك لماذا طردتك منذ عشرة ايام ، تعرفين قال لي ذلك الساحر الملعون بأني يجب أن أبتعد عن النساء فترة من الزمن ، وقال لي بأني يجب أن أبتعد عنك أنت عشرة أيام لأني يمكن أصاب بمرض خطير ، وأنا واثق أنك لا تريدينني أن أمرض ، أليس كذلك مدام ؟طبعا وافقته على كل ماقاله ، ولكني كنت في غاية الاستغراب للطريقة التي يفكر فيها . - مدام هل هناك عادات معينة وغريبة عرفتها عن عدي خلال الفترة التي كنت فيها ، واعذريني للتعبير، عشيقته ؟ - عدي كان كله غريباً ، نمط تفكيره ، طريقته في الأكل وفي ( المعاشرة ، السيدة سلمى لم تذكر الكلمة لكنها لمحت لها تلميحا) يعني يتصرف بطريقة غريبة يلبس لباساً لاأدري كيف أصفه ، وهو لايكف عن توجيه الملاحظات للآخرين ، تصور حتى الى والده الرئيس ، دائما يرى في الناس أخطاء، ويحب أيضاً أن يتحدث عنه الآخرون في حضوره ( ذكرت سلمى بعض الحالات الغريبة التي كان عدي يمارس فيها الجنس معها ، قالت بأنه لامانع عنده من أن يقوم بذلك الأمر في السيارة أو علىالكرسي ، المهم أن يرضي نزوته ) . - سيدة سلمى هل ظل صغيرك معك بعد أن أعادوه اليك ؟ - لا ياأستاذ ،أخذته زينب ، وغابت عني يومين ثم عادت ومعها الصغير ، وبعدها ظل معي ، وهنا بدأت فكرة الهرب تعود لتسكن تفكيري ، ماكان يجعلني أبعد هذه الفكرة عني هو افتقادي لصغيري لكنه الآن معي ، ولم يعد شيء يمنعني عن الهروب والخلاص من هذا الجحيم.
في الحلقة القادمة : أبلغوني أنه مات ، فتجمدت في مكاني ،لم أعد قادرة على الحراك.
يتبع