يا سند … كم يتعبني الموت المؤنث ؟!
إضـــــــــــــــاءة مستفادة من بدر شاكر السياب :
سربروس : هو الكلب الذي كان يحرس مملكة الموت في الأساطير اليونانية ،
حيث يقوم عرش ” برسفون ” آلهة الربيع بعد أن اختطفها إله الموت .
وقد صوره دانتي في ” الكوميديا الإلهية ”
حارسا ومعذّبا للأرواح الخاطئة .
سفروس هنا منحوت من اسم سربروس صاحبنا هناك .
[align=center]
اسمي سند . جئت أحدثكم الليلة عن صديقي سفروس . منذ زمن وأنا أتطلع للقائكم به عبري .
دائما كان يقول لي : يا سند لم تحن الفرصة بعد !
الليلة شاء لنا أن نكشف ستره ونعريه … فتمتعوا .
سفروس كائن بلا قبعة ويكره الأقلام . على لسانه تباع الدنيا ولا تشترى . يحاصر التاريخ ولا يلتفت له . يحكم قاموسه على قواميس الكتب المدرسية .
سفروس يحمل همه الحياتي على كف صدى اليوم ، لا يكترث للقادم
سفروس كائن أحمق إذا ما جعلنا الحماقة فعل المنبت .
على لسان سفروس تنتحب اللغات . تختنق الجسور بأنفاس المارة . تعترف خواصرنا بالموت .
على لسان سفروس اعترافات عبد المتجلي وجان جاك روسو والله مع الملائكة والأنبياء والأوصياء والرسل .
على لسان سفروس – يائسين – نمضي إلى وهم السلامة .
ماخور في الشارع الخلفي يحوي دوشق وفناجين قهوة وكؤوس نبيذ فارغة . على مقربة من النزل ثمة كائن يتحرك يدعى نهرا .
هناك كان يعيش – ولا يزال – سفروس وحيدا مع مجموعة قصاصات ورقية كتب عليها وصاياه .
تسمعه ينتحب إذا ما الدنيا أدارت ظهرها له ، ويغني . ولأنه يراني في نفسه لذا تجده ينعاه عبري :
يا سندْ
ماتت الدنيا على كفي ولم يشهد أحدْ
يا سندْ
كل أشيائك في بيتي ضاعت وبقى في سورة الليل مسدْ
يا سندْ
الملايين التي تزرع في قلبي الخرافات يموتون بددْ
يا سندْ
عاود الصمت فوالله لقد أبكيت مولانا الصمدْ
أيكم يقطف من قلبي الكمنجات
ويلقيني على الإسفلت في غمرة هذا السهو مابين المقامات ويرخي لي وتدْ
أنفض الليلة عن كتفي أعذار الفراشات وألقاكم بتابوت لعمران
بقايا من وصايا النرجس الغض
أرجّ الكأس بالمجداف وهناً
ثم تلقوني بيمْ
وخليلاي يعوجان ببحر
يلتقي التابوت بالتابوت بالمركب بالألواح بالحرث
بكأس من نبيذ التوت زلّت بي قدم ْ
سرّح المولى بأعناق زجاجاتي
وأفضى لسراب العمر مائي
ثمّ في الوحشة لمّا انتقض الحفل بحمّال المنايا
وأصاخ الدرب بالعتمة ، بالموت بباقي رؤب الليل
أتاني بشهيد واحد يحكي الخرافات
وينبيني : سنن الله ببمْ
فيا لله يا مولاي بم ْ
فيا لله يا مولاي بمْ
يا سندْ
عاود الصمت فوالله لقد أبكيت مولانا الصمدْ
لا أحد ْ
يرجع الموتى ليختاروا النهايات
ويلقوني بباقي خمرة العشاق بالساحل
أو يروون للشمع تراتيل الأحدْ
لا أحدْ
وحده أنت بتابوتك تغويني
فأنسى العهد والميثاق
أنسى لغة الله
كلام العارف الأول موسى
وحده أنت
بوادي اليمن المسكون بالموتى
تناديني لأحمالي لأورادي لأشيائي القديمات
ببابين ورأسين بمثنى وأحدْ
وحده أنت
فهل يغويك ما استطفح من روح الزجاجات
وهل ترويك أعناق القناني
في جناحيك أرى ترياقك الأول مصلوباً ببابي
وحده أنت
ببابين على قارعة الفقر بسامرا
تطيل العبث الملقى على أرصفة الروح
ولا تبصر إلا وطناً يمّم نحو القدر الأعمى بتابوت سليمان بن داوود
وحده أنت
بنجماتك تأتي فرح العمر
بأوراق خريف كربلائى
ولا تبصر أبواب القيامه
وحده أنت
فخدني نحو جناتك خدني يا سندْ
كل أشيائك في بيتي ضاغت
وبقى في سورة البيت مسدْ
يا سندْ
يا نديمي يا سندْ
يا نديمي إن صفا الورد فقدم لي شرابا
واترك الدنيا تولي واجعل الهم سرابا
إنه الجرح إذا ما دقّ كأس الخمر غابا
دندن العود فأرقصت نهاداً كلّما اهتزّ استرابا
فاستجابت شفتاها لثم ثغري فامتلا القلب شبابا
واقشعر البان منها أسمر لذّ فطاب يا سندْ
أسمر لذ ّفطاب يا سنــــــــــــــــــــــــــــدْ
وحده أنت
وتنسيني تفاصيل الحكايات ذنوبي
أضع الفانوس في الشارع علّي
يأتني في القادم ا لمجهول ضوء
علّها تحيي خرافاتي جنوبي
أضع الفانوس في الشارع
أنسى سنن الكون وأغفو ركعتين
ثم في الصبح أصلي بدم الراقد تحت الصلب
أدعوك إلهي : لمَ تتركنا وحيدين
ولا تزرع في مقهاك نوراً
وحده يا أنت أدعوك فخلصني إلهي بمددْ
“مددْ مــــــــــــــــــــــــددْ مددْ مــــــــــــــــددْ
شدي حيلك يا بلدْ”
“مددْ مــــــــــــــــــــــــددْ مددْ مــــــــــــــــددْ
شدي حيلك يا بلدْ”
مددْ
الملايين التي تزرع في قلبي الخرافات يموتون بددْ
وعلى شباكهم أعراف جدران المطهرْ
أيكم يفتح جدران الفراديس لهم ؟
أيكم يمنع جثماني أن ينهض في المرآب
أو يشرب شايا في الطريق المنتهي بالله ؟
أيكم يزرع في قلبي الكمنجات وينسينيَ بمْ
كل من أعرفهم قد غيّب الله بقاياهم
وزلت في سراط الله أنفاسي
ولم أذكر دعاءً واحداً ينجي
ولا ذكراً بباب العارف الأعظم ينجي
لا ولم أذكر سوى شباكها العالي
وطيفاً غادر الدنيا ولم يرجع بباقي زهرة اللبلابْ
آه لو تعرف كم يوجعني الموت المؤنثْ
فارس الأضعان ينبيني بقاموس البطولات
ويحكي لي النهايات
ولا يزعجه نبري على ما اختطه التاريخ من جند السماوات
ولا ينتهر الموت إذا ما أثث الله شموع الناس في مقبرة الدنيا
وأنشا حكمه العادل في سجن مؤبدْ
آه ما أحلاك يادنيا لو انّ العمر لا يفنى ولا الله يشردْ
آه لو تحكي وتنسينيَ ماضيَ
ولا تشرب من نفس نبيذي
زانك العمر على زنّار أفكارك روحاً
يحتمي بالزهر من قالب حب في وريدي
وحده أنت على باب سليمان بن داوود تعريني
فأشتاق محياك لدى حارسنا المخلص سبروس
وأغفو لأرى في قادم الأيام ناراً ومطرْ
وحده أنت ببابين :
نهار عانق الدنيا وليل بقمرْ
وحده أنت ولا شيء سوى أنت على باب القياما ياسندْ
وتسلمت من الله كتاباً
وبكفيّ تسلمت من المولى كتاباً ياسندْ
كل من أملت فيهم رحلوا أو رحّلوا للغابة الأخرى بسفر
لم يعمدهم بقداس أحدْ
جادك الغيث وقلبي فارغ
أترى يصلح ما ماكان فسدْ
جادك الوصل بتحنان اللمى
فوق جرح فيه ورس قد غمدْ
” جادك الوصل إذا الغيث هما ”
يتثاغون بفقر في البلدْ
حدّث الله عليهم مغنما
فتعاليت وسبحت سندْ
وحده أنت فشاطرني نصيبي ياسندْ
وضع السندس في كفيك
واخلع خاتم العهد
وشرّد خلفيَ الدنيا
وقتّل كل من لاقيت
حطّم سدرة الكافور واجعلهم بددْ
واذكر المولى على شباكها
يارعاك الله راقصهم وفضّ الطيَ في الزوراء ليلاً
لا تبكّرهم بوصل سفهاً
كفّ هذا القلب عن سلوان ليلى واتئد في الحب
لا تلق بأنفاس المجانين على قارعة الليل ونادمهم قليلاً
قل لهم : أن يشربوا ما استبقت الأرض لهم
قل لهم : أن يحتسوا الملح سكارى ويغنون على إيقاع ماضيهم
وقل : يا مجانين تعالوا يمّموا نحو النبوءات
لنرخي سلّم الليل على جدران مبغانا
يامجانين
أيكم يختار نادينا
وينحاز إلى قبعة البحر بوتر
أيكم يملأ أكواب الكمنجات بلحن
ثمّ يفضي للدهاليز بأحلام سليمان بن داوودْ
وحده أنت
على قارعة البحر قد اخترت الكراسي وتوسدت القناني
وتحملت على وزرك أوزار المجانين
فخلّصني إلهي بمددْ
وحده أنت
ببابين تخيرني
على أيهما ملت أفقت الآن من سكر الممرات ببحر
لجة في قلب أريون ، دلافين ، موسيقى
أعطه يا أنت نوراً يهتدي في غمرة الليل لأريانا به
أعطه حبلاً من التذكار
واخلع رسمك المرخى من النوتة
فاللحن نشاز
وحده ياأنت أدعوك
فخلصني إلهي بمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــددْ[/align]
زكي الصدير