الطريق الى المحموديات .. الحلقة الرابعة
هذه المرّة " أنا المعتوق " أنا الذي أحبكم وأشد من أزركم , وأرتاح عند نوافذتكم كلما طلعت الشمس عند الصباح وغربت عند المغيب .. شكراً خاصاً للمشرف العام على التشريفة التي قادني بها اليكم وبينكم .. وشكراً خاصاً الى المتأمل الذي قادني بعد غفلتي الى الصفحات وبعد عودة الانترنيت الجريح .
الى كل المتصفحين وأصحاب الردود
الشكر موصول لكم جميعاً على تعّنيكم السخي والذي حمل الكثير من المعاني الطيبة التي لازالت بارحة في الخاطر .
أعزتي :
يقولون أن القصص الريفية ليست تاريخاً , ولكنها تجمع الأدب والتاريخ في مسارّة حميمة , فهي تستعير مادتها من تاريخ محيطها , ولكنها تعيد خلقها فتخرج أنق مظهراً من أصلها , وأبهى ألواناً , وأعمق تأثيراً , وأشد تألقاً , بهذه الكلمات - أعزتي - أترككم مع الحلقة الرابعة من - الطريق الى المحموديات - .
من فاته تصفح الحلقات السابقة عليه بالنقر على هذا الرابط :
الحلقة الأولى :http://67.15.202.37/~tarout/montada/...ad.php?t=33303
الحلقة الثانية : http://67.15.202.37/~tarout/montada/...ad.php?t=33374
الحلقة الثالثة في تبعات الأثر على هذه الصفحة
الطريق الى المحموديات .. الحلقة الرابعة
روح المكان وسعادة الذاكرة
المرة الأولى التي رأيت فيها الباحة الخارجية للمكان كانت مجرد نقطة دقيقة نابضة أقل من مساحة بيتنا الكبير , مجرد مساحة صغيرة تتموج أمامي على سطح الأرض ، كانت- الباحة - تنبض في وجهي بدون ملامح مختلطة بألوان الطبيعة الزاهية كالتي رأيتها اليوم , اليوم رأيتها بمنظار مختلف عن كل مناظير الدنيا , اليوم رأيتها زاهية بأهلها وناسها الطيبين , ودواليبها الواسعة ذات الشريط الأخضر الذي يشير الى امتداد الحياة , تلك الحقول التي أفنى فيها الفلاح – الكراني – عمره المديد بين سيبانها , وجداولها التي زرعت بالبصل , والملفوف , والغرنابيط , والفلفل الأخضر والأبيض , والرويد , والريحان , فاكهة الفقير والغني في هذه الدنيا , والنخيل الشاهقة لها طابع خاص في النفس التواقة الى روح المكان , رأيتها اليوم تتمايل بعزتها وعنفوانها مع النسمات الطرية الحلوة التي تداعب القلوب بشغف شديد خصوصاً عندما ينغزني صديقي الأوحد في خاصرتي , زقزقات العصافير المهاجرة تشير لي بإنها لم تفارق أوكارها- التي بنتها على خَضَر وسعف النخيل الباسقة - معلنة المكوث مع البيض والفراخ حتى تأخذ حريتها في هذا اليوم العائلي البهيج , هي تشعر بعيدها كما نحن نشعر بعيدنا الخاص , نحن نستشرف الدنيا بحلاوتها ورونقها الجميل , ونحّلق معها في الفضاء الواسع الذي لايعرف الحدود والأمكنة , ناسين أو متناسين في لحظتنا هذه , النداء الصادر من الداخل والذي وصل صداه الى الباحة الخارجية - يا الله ياجماعة الخير , الغداء جاهز , شوفوا حجي منصور , وحجي حسن , وحجي عيسى الصيبعي ليش تأخروا , الغداء جاهز , والناس قاعدين يحارسون , ياالله يا عيسى , وإنت يا صبي , ويش فيكم واقفين بَرَى , ما تسمعون ؟ !! , استحيت .. وتململنا في ثيابنا وانسحبنا الى الداخل سحباً نعيد في الذاكرة روح المكان وسعادة الزمن الجميل , إنسحبنا الى الداخل , توقفنا عند دورة المياه نغسل الأيادي ونأخذ مكاننا من السفرة , ننظر في الوجوه نختار من نستحسنه لنجلس بجواره , ناداني أخي الكبير .. تعال هنا فيه مكان .. لا أنا ابقعد هنا .. المكان أوسع , قربوا له الصالونه , زيدوه من لرويد والحندبان , صب كاس ماي وقربه للجماعة , وقف أحمد على رؤوس الأشهاد , تفضلوا أكلوا لا تستحون المكان مكانكم , واسمحوا لينا على التقصير .
توقف الكلام وأحسست بهبة هواء باردة تدخل بدون استئدان من النافدة المطلة على الطريق ورفعت رأسي ورأيت الأيدي تتطاول الى الأواني المصفوفة على السفرة في حركة أليّة لم أشهدها من قبل , تلك السفرة البالغة الأهمية خصوصاً وأنها من إعداد زوجة - صديقنا أحمد - التي تقرفصت في ثيابها من الفرحة العارمة التي انتابتها بمجيئنا ,بين الهدوء والسكينة أسمع تلا صق الأواني المعدنية في بعضها وهي تصدر أصواتا موسيقية عفوية تنذر بخلوها من الطعام , وعلى - صديقنا أحمد - أن يصدر أمره السامي بملء ( الطوس ) بالصالونه وتقديمها , تحرك والدي في جلسته وقال .. الله ينعم عليكم وعلينا من خيره , ويزيدكم من نعمته , الله لا يغير علينا ولا على المؤمنين , والله يجمعنا وياكم عند الأمام الحسين بن علي (ع) , حجي عيسى الصيبعي لم يأخذه الأصطبار وبدأ بالكلام عن سوالف الزمان الجميل والذكريات الحلوة التي سمعها من أنداده , وقاطعه حجي هلال وقال له .. يوم كنا في العراق هديك السنه إحمق علينا عراقي يا خوك بسبت ( جِحَه ) أنا أقول له عطنياها حمراء .. وكلما قصها طلعت بيضاء , وأخر شي أحمق علينا ولحقنا بالسكين , وقال لينا لا زم تأخذون الجح كله و تجيبون البيزات , أنا ركضت واشتكيت عليه عند الشرطي اللي واقف في القرنه عند دكان الخواتيم والمسابيح , هو من شاف الشرطي عوّد وهو يهددني إن شافني بيدبحني , وقمت ما اطلع في الطريق الا وياي جماعة , وانبعث صوتاً رخيما من بين الجالسين .. إنه حجي حسن الصيبعي .. انته ياحجي هلال كلش خويف ,, يخوفك عراقي .. انجان أصرخ عليه وألايم عليه الزوار , وهو لين شاف جديه ما بيعودها مرة ثانية , سكت حجي هلال ولم يعد قادراً على مجارات حجي حسن , حتى ماتطول السالفه , انتهى الأكل وبداء الجماعة يقفون لغسل الأيادي , وعلى الفتية لمّ السفرة وتظبيط المكان للشاي والقهوة عقب الغداء .
ساعة الغروب جميلة جداً في هذا الحي البعيد عن القرية , والوجوه تتماثل في قالب واحد من الحكايات الزمنية الدلمونية , والحضارات تتعاقب في مخمل وردي يساعد على هضم الكثير من القصص الحقيقة التي وقعت في عصر ما قبل الطفرة , دواليب – الهربدية – شهدت الكثير من حكايات البحر , وحكايات ( الهواير ) التي تغلغلت في الأحراش لتسرق الماشية والبهائم الأخرى من الدواليب , وتسوقها غرباً الى بَر الدواسر – في البديع – ومن ثم شحنها في سفن البحارة الى السعودية حيث تباع هناك , حكايات كثير ة قيلت ولا زالت تقال على ألسن الكثير ممن شهدوا الحقبة , ونحن – اليوم - عند يال السيف في الهربدية نستشف هذه الأخبار من تلاطم الأمواج العابرة على السواحل , ومن رائحة البحر التي تأتي بالمزيد من الضحايا , من السمك اللايف , والأخشاب التي اقتلعتها الرياح من السفن الشراعية القديمة التي شهدت الكثير من حكايات الغصة والمحنة , - اليوم – على الساحل ننظر الى البعيد وتسعد الذاكرة بهذه الوقفة التي لم تكن في دفتر الحسبان , اليوم نرسم في الذاكرة روائع القصص وحكايات الزمان المر الذي سمعناه وكتبناه في دفاتر الذكريات الحلوة التي بدأت من هذه القرية الهادئة .
في الحلقة القادمة نقضيها معكم ومع - عندما تفكر مليحة -
المعتوق