هذه اقتباسات من [الآخرون]:
[لو أننا نولد ويجيء معنا دليل مصور. نفتحه فنقرأ فيه: كيف يمكن تشغيلنا؟ وإطفائنا؟ وإعادة شحننا؟ ومسح الغبرة من علينا؟ وطرق تحسين آدائنا؟ وأساليب حفظنا الأفضل؟ لو أن ذلك شيء ممكن لأمسكت الآن بدليل تشغيلي وقارنته بدليل تشغيل ضي. وفهمتُ الثغرة التي ملأتها فيّ لتفتح تماماً دارة الخوف. بحيث أوقفت الطنين المزعج الذي كان ينحفر في أذني حالما أصافح أحد. فينبه قلقي إلى أني في وضع غير آمن. ويدفع بي للانسحاب. للانسحاب بعيداً مقرفصة داخل قلبي. ومغلقة أبوابي علي. ما الذي فعلته ضي. وكان إعجازياً واستثنائياً بحيث أركنُ لها وأخمد شارة المسّ في دمي ومحفزات الفزع؟]
[في الخريف التالي, ونحن لسنا أصدقاء بعد, كنتُ سأفهم ماذا عنيت في كل مرة قلتُ له فيها, مُقتبِسة من مكان أجهله: "أن تحبّ شيء, وأن تقع في الحبّ شيء آخر". ورغم يقيني بأنه يجدر بي المجيء بشيء من أرشيف طلال مداح وحنين صوته أو عبادي وحزن ريشته, كما يهجس بهما ريان, إلا أني كنتُ سأرسل له صوت فيروز. صوت فيروز الذي لا يعرف اللهجة النجدية وأخلاطها. ولا الشعر النبطي. ولا مواسم الصيد. ولا بيت الشَّعَر. ولا مدارس تحفيظ القرآن. ولا الهلال. ولا الاستراحات. ولا العليا ولا زحام شوارع الرياض وضيق أخلاقها. مثلما أني لا أعرف من ذلك شيئاً. أرسلت له فيروز تُغني: "بتذكرك كل ما تجي لتغيم.. وجك بيذكر بالخريف.. ترجع لي كل ما الدني بدى تعتم.. متل الهوا الي مبلش ع الخفيف..." تحت سؤال يشبه صوته المجروح ووجهه المشطوف من الملامح: "بعدو أليف ريان؟", وختمتها بـ: "بنت شيعية وتحبّك يا جار!".]
[جسدي يؤلمني. الألم الذي لا تواربه أقراص البندول. ولا يقصيه التجاهل. الألم الذي يُشبه الثقل. وكأني أتقدم بصعوبة في أرض من وحلٍ وكائنات لزجة خضراء. يدفعني للتخلي عن فكرة الحياة بأكملها. ألم خادع ومُركّب. رأسي كلّه ثقب رصاصة تأز على حوافها الأصوات وتلغ الريح. الألم الذي يرمح في رأسي كخيول بريّة وهنود حمر يؤدون طقوس موتاهم. الألم الذي حين يكون هنا فليس ثمّة سواه. وحين يمضي يبتلع مع جَزره صَدَفاتي الصغيرات ومراكب البحارة وأسماكهم وشباك صيدهم.]
[أنا كذلك كنتُ أبكي. أو بالأصح فإني أتركُ لجسدي أن يبكي. أن يُفسح مكاناً لأحزانه الآسنة. ونجلس كلانا على الدَرَج ونبكي. كثير هو الكلام الذي نطق به جسدي وهي تلمسه, لم يكن بعد يجنّ من الشهوة. ولا يتورع عن الذنب, كان بعيداً جداً. حيثُ لا يوجد إلا ذاكرته المتسخة. وحبل غسيله المنقطع. وسماء رديئة تجهض غيومها مبكراً فلا تقطر ما يكفي من المطر ليغتسل. كان جسدي يبكي, فيما تتناسل أحزانه, كل منها ترد على الماء وتشرب, وحدته, خوفه, ريبته. وكان يصرخ بالكلمات التامات, وتضيع أحرفه في فمه ودموعه فلا أفهم. وكنتُ أخشى أن أربت على كتفه فيكفّ عن البكاء. لا أريد له أن يكفّ قبل أن تنضب أحزانه. لا أريده أن يتعزى بالكلام الرخيص, والأعذار الرخيصة, والعبورات الرخيصة, أريدُ له أن يشفى.]