صبغة الله ..
عنوان الفيلم ( صبغة الله ) ذو رنين ديني مباشر من الآية 138 من سورة البقرة في القران الكريم ( صبغة الله و من أحسن من الله صبغة و نحن لهث عابدون ) .
هذا الإحساس الديني جعل الناقد روجر إبيرت يعلق على أفتتاح الفيلم بالبسملة و على رسالة الفيلم بوجه عام قائلا : ( انه ما من شك في أن المخرج مجيد مجيدي كاتب و مخرج ( صبغة الله ) ، و ( العوان الإمريكي هو : لون الجنة ) يشعر في أعماقه بأن عمله هو تقرب صادق الى الله . على عكس كثير مما عرف ( بالفن الديني) الذي لا يستهدف سوى الدعاية لوجه نظر واحدة فوق وجهات النظر الأخرى . إن فيلمه يتطلع الى أعلى و ليس الى ذات اليمين و ذات اليسار ) .
و في إتجاه مماثل لما كتبه إيبرت علق أحد نقاد الـ نيويورك تايمز ، و هو ستيفن هولدن في 25 سيتمبر عام 1999 يقول : ( بمقدار ما يستطيع أي فيلم في درجة الوضوح ، أن يصل الى إليه ، فإن الفيلم ذو رسالة دينية ، و لكنه يهبنا خبرة عميقية الرؤية في تأمل العالم الطبيعي .. ) ، و ينتهي ستيفن الى القول : ( إن فيلم صبغة الله ، جوهرة أخرى تأتي إلينا من منبع واحد من أكثر السينمات القومية في العالم حيوية ) .
أعتقد أن النقاد الغربيين قد عثروا في السينما الإيرانية الجديدة على معين روحي مفقود في سينما الغرب :) ، و من هنا أحتفلوا بالرسائل الدينية و الروحية المبطنة في أفلام هذة السينما .
كناقد شرق أوسطي الثقافة و التكوين ، و متصل بموروث شعوب الشرق الأوسط ، لإنني أشارك النقاد الغربيين انبهارهم بالكيفية ( و كما أردد دائما فإن ( كيف ) هي الفن ، و ليست بالضرورة ( ماذا ) و هي الرسالى المضمنة في العمل الفني ) ، أشاركهم أنبهارهم بالكيفية التي تُصنع بها الأفلام الإيراينة الجديدة التي تتميز ببساطة معجزة لكنها خادعة لأنها تبدو بسيطة سهلة التنفيد ، غير أن الحقيقة هي ان بساطتها مركية على نحو يُوهم المشاهد و المتذوق معا بأنها أفلام بسيطة التشكيل سهلة الوصول الى القلوب و هذا هو جاذبيتها الآسرة .
الأقبال يعني القبول ..
حقق فيلم ( صبغة الله ) ، حوالي مليوني دولار دخلا من العروض السينمائية وحدها في حوالي 30 دار عرض فقط في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2000 ، و بالنظر الى ميزانيته المتواضعة فإن هذا يعد رقما غير مسبوق لأي سينما شرق أوسطية و لكثير من السينمات القومية الأخرى ( ربما باستثناء الفيلم التايواني الفائز بحفنة اوسكارات في العام 2000 ( التنين ) ، و ( النمر الرابض ) للمخرج انج لي ) .
و هذة خطوة الى الأمام . فالفيلم السابق على ( صبغة الله ) ، و هو ( أطفال السماء ) لمجيد مجيدي .. رشح لأوسكار أحسن فيلم أجنبي و حقق أ قاما في الداخل الأمريكي تقارب هذا الرقم . كما أثار فيلمه الأول ( بادوك ) أهتماما ملحوظا في مهرجان كان عام 1992 ، و افتتح السوق الأمريكية .
و إذا كان فيلم ( صبغة الله ) قد حقق ذلك الرقم فإن هذا يعني أن عددا لا بأس به من المشاهدين الأمريكيين قد شاهدوا الفيلم ( و أنا أحد هؤولاء المشاهدين كمثال
) و هم الذين كانوا حتى أعوام قلائل يعزفون عن مشاهدة أي فيلم أجنبي حتى و إن عرض يترجمة مطبوعة ، أو حتى مدبلجا باللهجة الأمريكية ، و أختار هنا نموذجا لمشاهدة من هؤولاء أسمها سيسلي ديكستر من مدينة نيويورك نشلات رسالة على الأنترنت ي 9 مارس عام 2000 تقول فيها :
أبذلوا أقصى جهد لمشاهدة هذا الفيلم .. إنني أحثكم على مشاهدته ، فالتمثيل رائع و طبيعي الى حد مذهل و لا أذكر انني شاهدت طفلا ممثلا بهذا الإمتياز الذي أدى به محمد دوره و لم يحدث للحظة أن أعترض تمثيله مجرى القصة .. التصوير يخطف الأنفاس ، و أنا واثقة من أن من لم يذهب الى إيران من قبل سيفاجأ بكل هذا الجمال . الفيلم محمل بكثير من الرمزية من وجهة نظر معينة و هو ما يجعله مثيرا للأهتمام ، و بالرغم من أنه يحمل رسالة دينية من منظور إسلامي ، فإنه بوسعكم أن تجدوا في هذا الفيام ( صبغتكم ) الروحية الخاصة بكم :) ، أو ربما تكتشفون أنكم في حاجة ماسة الى صبغة روحية إذا كان يعنيكم الأمر أنني نيويوركيية نموذجية ، شكاكة و ساخرة و متخمة بكل شئ ، و لكنني مع ابنتي الشابة التي لم تصبها التخمة بعد - عشقنا الفيلم و نأمل أن نراه مرة أخرى ، لذا أهيب بكم أن تشاهدوه لكي يرتفع معدل نجاحه التجاري ، و بهذا نحصل على أفلام أخرى مثله للعرض هنا ) .
تقنين الأنفعالات ..
بعد أن شاهدت الفيلم تساءلت : هل أحس أحد بأن هناك ممثلين في هذا لفيلم ، أعني ، هل لاحظ أحد أن هناك من حاول أن يمثل في هذا الفيلم ؟
قد يبدو هؤلاء الممثلون فنانين تلقائيين ، طبيعيين غير متحرفين ، و لكن هذا هو الظاهر ، الظاهر فقط ، و لكن حقيقة الأمر في المعيار النقدي السليم هي أن هؤلاء ممثلون محترفون الى أقصى الحدود ، و خاصة محسن رمضاني ، الممثل الطفل الكفيف ذا الأعوام الثمانية و الأب حسين محجوب .
ما الأحترف في التمثيل ؟
هذا أمر بسيط لذوي الموهبة ، و لكننا نستطيع أن نميز به بين الممثل الجيد و الممثل الردئ .
الخلاصة أن أداء الممثل الردئ هو إطلاق للانفعالات و عرضها بأوضح ما يكون ، بينما يتمثل في فن الممثل الجيد في التحكم في الأنفعالات بحيث تعرضها لغة الجسد بما يتناسب مع ماهو مطلوب تماما ، لا أزيد و لا أقل .
و هكذا ، ففي فيلم من السهل تماما أن يقع في هوة الميلودراما ، أي المبالغات الأنفعالية السهلة في الأداء ، فإن تمثيل الطفل محسن رمضاني يخلو كلية من ( المكر ) و الرتيب : فهو عندما يبكي في مشهد يمثل ذروة من ذرى مشاهد الفيلم ، معلنا تصوره للعالم في لحظة إحباط ، أمام شاب كفيف مثله ، يعاني مثلما يعاني ، فإن الأداء لا يسقط في الميلودراما التي تشتهر بها سينمات شرق أوسطية و آسيوية ، في مبالغات تستهدف تقطيع نياط القلوب ، باختصار ، فإن ما نراه هنا ليس تمثيلا ، بل عرضا لحزن فطري ، خام ، خرج من القلب و الجوارح ليصل الى قلوب و جوارج المشاهدين مباشرة .
كان محسن رمضاني مذهلا في عرض المدى الذي وصل إليه محمد في التناغم مع العالم الخارجي ، مع الأصوات التي لا يعيرها المبصرون أهتماما ، و مع حبه للتعلم و حبه الكبير لجدته و رعايته لشقيقتيه ، و آخيرا مع الرسائل التي ترسلها له الطبيعة طوال الوقت . كان رمضاني يحمل تعبيرا طوال الوقت عن الكثافة و الجهد الذي يبذله من الداخل لتصور عالما غير مرئي و لكنه محسوس .
و صدقوني ؟؟
إن التعبير عن هذة الأنفعالات المركبة بلغ هنا من الإذهال حدا يجعل كثيرا من الممثلين المبصرين يشعرون بالعار من عجزهم عن الوصول الى هذة الدرجة الأنفعالية مع التحكم المنظبط في الوقت نفسه في إطلاق الأنفعالات . أعتقد ان هذا هو ما يمكن أن يُوصف عن حق بالأداء المعجزة من طفل معجزة .
( صبغة الله ) فيلم مدرسي يعني من السهل تدريسه و تحليله في أكاديمية سينمائية ، لأن كل مكون من مكوناته ، الأجاء التمثيلي و التصوير و شريط الصوت و الكتابة و المونتاج و الإخراج و الملابس و استخدام الموسيقى كل هذا يتقبل التحليل كنموذج محترم في بابه ، خاصة أن أداء مجيد مجيدي المخرج و الكاتب كأداء ممثليه : تحكم كامل في كل العناصر و المكونات السينمائية ، لا أزيد و لا أقل .
فمن مدرسة تقنين الأنفعالات نفسها التي يتعامل بها مجيد مجيدي مع ممثليه ، يخرج أداء حسين محجوب ( الذي قام بدور الأب ) و الذي يقف أيضا على الحدود الفاصلة بين عرض ما يدور بداخله بمهارة تجعلنا نقرأ أفكاره و بين إظهار ذلك طوال الوقت بانفعالات خارجية سهلة .
و هنا نلاحظ الأستخدام المتقن للغة الجسد في التعبير الحركي عن انفعال الأب ، الأب الذي يشعر بالعار في إنجابه الذكر الوحيد كفيفا . و في مجتمع ريفي فإن إنجاب انثيين عبء إضافي و قد يعيقه هذا كله عن الإرتباط بزوجة يريدها و هو في أزمة منتصف العمر ، رجل ظالم لنفسه أخفق في أن يرى في أولاده عناصر القوة و السعادة التي يمكن ان يتلقاها منهم في خريف عمره و في نهايته .