عرض مشاركة واحدة
قديم 16-03-07, 10:59 PM   #1

القلم المتأمل
أنغام أدبية  







رايق

قصتي مع جنية عجوز في بيت عمتي


يا ليتني ما اتخذت غرفة يدتي رحمها الله لي ملاذا أنام فيها بعد موتها .. بيتنا القديم وما أروعه .. فيه طابقان .. وأيام الصيف نتحول من الدور الرملية إلى الغرف المسطوحة أعلى ..
غرفة يدتي رحمها الله في الجهة الشرقية الشمالية وتطل مباشرة على بيت عمتي _ رحمها الله ، ولها ثلاث نوافذ خشبية ، وهذه النوافذ بها شقوق من خشب على طول صفقة النافذة مفتوحة على الأعلى ولكن لا يستطيع أحد أن يرى من الخارج كون هذه الشقوق للتهوية ولكونها ساترا تسمى ( كنكري ) ..
لكن شقاوتي في اختلاس النظر في تلك الليلة التي لم أنم فيها أخذ مني مأخذة .. وإليكم القصة : كانت الساعة العاشرة تماما .. أصوات الديكة ترن في أذني .. أصوات القطط والسنانير ( عرررروه ، عررروه ، عرررروه ) أصوات الذئاب والكلاب ، وأبو زنة اللي ما يستمل ولا يمل من زنته / ودعيدع المينون بيت حسن بن جمعة .. كل حركة في الديرة ربما الكل يسمعها ، لعدم وجود ضوضاء ..
الغرفة ما فيها تريك نوم .. وعلى الله والمروحة ( البانكة ) أم زنة ، يعني الدنيا حومة .. يا ربي ويش هلحومة ، ويش هلحالة ، ويش فيي ما قادر أنام .. يمين شمال أتقلب أطالع في المروحة وأحدق في الغرفة ، ..
هنا سمعت شيئا غريبا يدق في أذني ( طنك .. طنك ,, طنك ) تتكرر هذه الطنطكات بسرعة كبيرة تك . تك . تك . تك , تك . ثم ما تلبث إلا وترجع على حالاتها الأولى على بطيئ وبطيئ أكثر ( طنك .. طنك .. طنك ) . قلت في نفسي راحت عليك يا يوسفوه .. الصراحة قلبي ينقبض ويدق ويدق ويدق (تك تكت تكتكتكتكت تكتكتكت ) ويتسارع في الدق ، وأنا كأني ليس في الغرفة الصوت مع أصوات العواء خلاني اتزوبق وأموت في ثيابي .. وكأن واحد يقول لي قوم من مكانك بسرعة ترى في شيئ مهم في انتظارك ..
أويلي على روحي .. ويش أسوي في روحي سرت في الغرفة .. وين .. وين .. وين ؟ على إحدى النوافذ التي تطل على بيت عمتي .. ومن بين شقوق النافذة انظر وأنظر وانظر .. أنظر ، رأيت في حوش البيت الواسع غتلة نخيل صغيرة ، عند الغتلة خشبة مرتفعة على بالوعة تستند عليها حنفية ، الحنفية تسرب الماء نقطة نقطة وتسقط هذه القطرات على ( بيب ) فكلما سقطت نقطة ضج البيب بصوت ( طنك ، طنك ، طنك ) ، يعني يخلي الواحد ما يهدأ أبدا .. المهم وانا أحدق في ذلك الحوش المتلفع بالسواد والخوف يأخذ مني موقعه ، كل شي في الحوش يخدم الخوف والهلع والارتجاف ..

الساعة عشر يعني الدنيا نصف الليل، كل الناس نايمة ورايحة في سابع نوم .. وأنا قاعد أحرس ، وأحرس بعد نصف ساعة من النظر المتكرر ، وعلى ضوء القمر الخافت ، وعلى يباس حلقي وزيادة القلق المضطرب ، تمتلكني قشعريرة حادة ، تدرون ليش لأني شفتها .. صدقوني شفتها .. تيبست ركبي ، لا أقوى على الحركة ، كل جسمي ( كار ) أبغي أريوس ما قدرت ، ابغي أرفع يدي ما قدرت ، أبغي أصرخ حتى أحد يأخذني ولا فيه فايدة .. وتمت عيوني تراقب هذه الينية التي خرجت من صوب سنطوانة الحوش وهي تمشي ببطئ شديد كأنها تتحبحب ،، شكل وجهها طويل على هيئة دب .. يعني كأنها دب إذا وقف يمشي على أرجله .. معضبة ولها ذيل ولها أذنان في حجم أذن الكلب ، جسمها يغطيه شعر أحمر خفيف مثل القرود .. وانا انظرها تمشي وتمشي وتمشي حتى وصلت الغتلة .. رفعت رأسها لمحندب إلى أعلى .. وكانها تقول لي ترى اشوفك ، وين بتروح عني ..
أويلي انبهتت قوتي ولم أعد أتحرك .. اشلون أتحرك وهي كأنها عاصة على حلقي ورجايلي .. أنا الصراحة متسمر في مكاني .. عند الماء مرت لم تتوقف ودخلت في الغتلة ، بعد برهة قصيرة جدا ما شفت إلا قطو أسود يخرج من الخيسة ، يعني الينية دخلت صارت في نفس الوقت قطوا أسود خرج مثل الزهبة على طوف بيت عمتي القريب من الغرفة ما شفت روحي إلا وأرقع الدريشة بقوة وحدي ، وقلبي بيطمر من صدري والعرق جنه بحر أنافخ وأنافخ ، ووينك يالباب اطلع لحجرة أمي واطب عليهم وهم نايمين ،وأندس بين أخواني وأنا أنتفظ واهلوس .. طفر الوالد رحمه الله وازهق من هالطبة وصرخ من ؟ ولكنه عرفني ، استيقظت الوالدة .. بسم الله الرحمن الرحيم .. ويش صاير ، ما التفت لي إلا وأنا في حالة غيبوبة ، وتكر بسم الله الرحمن الرحيم كور أفادك ما يعورك اسم الله عليك .. يوسف .. يوسف .. كور افادك ، ويش فيك لكني لم أرى نفسي إلا في الصباح بين أخوتي نائم ، وتحتي جزء عمى اللي أتعلم فيه وشربة ماي ..

جاءت أمي في الصباح بشبه وحرمل ووضعتها في علبة أناناس واشعلتها ووضعت عليها رشاد وهي تملوح بالخيط فوق رأسي وتقول : هديتك واسترعيتك يللي ماتصلي على النبي ( اللعم صل على محمدوآل محمد ) .. انجان هي من قطاوة الفريق اطلعي .. انجان هي من العيوز اطلعي .. انجان هي العتبة اطلعي وكلما قالت عن شيئ سحبت صوتها إلى أقصى الجوف وكأنها تشرق ( شرقانه ) وتعيد .. انجان هي من البالوعة اطلعي .. انجان هي من النخلة أطلعي .. انجان هي من الشربة أطلعي ، أنجان هي من دار أم الغنم اطلعي ، انجان هي من حمارة علي بن صالح اطلعي ..

ظليت على حالة الخوف المستديم فترة من الزمن ، ما أروح تلك الغرفة حتى لا أشوف ذيك الغورلا الشمطاء .
فما إن قصصت رؤاياي على أمي وأبي إلا وقد انتاب أبي وجوم كبير وقال لي .. لا تخبر أحد كي لا تسمع عمتك بهذه الجنية العجوز .. نحن ندري عنها لكن لا نتكلم كي لا تخاف عمتك .. اصمت واسكت ولا كأنه صاير شي ..
أحببت أن أتأكذ بعد أن قويت قليلا وبعد أن تم علاجي من خلال الشبة والحرمل والرشاد والقراية في اذني ، وبعد إن أخذوا قميصي يدرعون لي ، وقسموا لي عدرة مدفونة على باب بيت عمتي ( دهن وشكر وبيضة ) ودفنوها على بابهم من بره من غير ما يحسون ..

تعمدت أن أقوم برؤيتها أكثر من مرة وقد تعودت على ذلك .. فتخرج في موعدها كل ليلة الساعة العاشرة والنصف مساء وعلى نفس الرتم وعلى نفس الطريقة ..
فلا تخافوا من ينية بيت عمتي لإنها عجوزة وربما الآن ارتحلت ...

القلم المتأمل غير متصل