عرض مشاركة واحدة
قديم 16-10-07, 12:44 AM   #5

سمرقند
مدينة الحب  






رايق

.






(المرأة احلى هدية قدمها الله تعالى الى الانسان)
(لامارتين)

عام 1869 توفي ألفونس دو لامارتين عن تسعة وسبعين عاما، ونتاج شعري غزير وعميق في آن وضعه في طليعة شعراء فرنسا المعاصرين.
ولد عام 1790 في مدينة (ماكون) الفرنسية وقام في أثناء شبابه برحلات طويلة الى أكثر بلدان العالم ومنها لبنان الذي قال فيه لدى زيارته له: (لو قدر لي لامضيت العمر كله في لبنان، مصطافاً في جبله، وشاتياً على أقدامه).
يمتاز شعر لامارتين بالرقة والسلاسة، ونعومة الجرس الموسيقي، والخيال الهادئ الشفاف، ولعل من أهم آثاره (تأملات شعرية) التي صدرت عام 1820 و(جوسلين) التي صدرت عام 1836 و(كرازيلا) التي صدرت عام .1852 وتعتبر قصيدتا (البحيرة) و(الوادي الصغير) من أشهر قصائده.
لامارتين (1790 - 1869) شاعر رومانسي وروائي، اشتغل بالسياسة وكان شديد الإهتمام بالديمقراطية، وكان قوي الإيمان بالله (وظهر ذلك في قصيدته (سقوط) التي كتبها عام 1838)، وعندما جاء نابليون الثالث الى الحكم قرر لامارتين اعتزال السياسة، وقضى بقية ايامه في الكتابة ليسدد الديون الكثيرة التي تراكمت عليه خلال الممارسات السياسية.

،

الليدي ستهانوب
يعد لامارتين من أعظم شعراء فرنسا وأدبائها، وقد يكون زعيم المدرسة (الرومانتيكية) في الشعر، وكان محباً للشرق العربي، معجباً بتاريخ وتقاليده وأخلاقه وأبطاله. وقد كتب، وهو في مطلع شبابه، قصة لفترة، وسير مختصرة لمحمَّد (صلى الله عليه واله وسلم) كانت مساهمة حسنة في ردّ افتراء المفسرين ودعوة مخلصة الى فهم الإسلام بروح خيّرة، ثم زار سوريا ولبنان، واجتمع هناك الى الليدي ستانهوب، المستشرقة.. التي اتخذت من (تدمر) عاصمة لملكها السعيد، ومن لبنان مقراً ثانياً لزعامتها.. وكانوا يسمونها (ساحرة الصحراء) La Circہ Du Desert تشبيهاً لها بساحرة (هوميروس) التي كانت تسقي الناس كؤوساً مسحورة فتحيلهم الى ما تشاء من الحيوانات او الحيتان او الطير..! بل كان بعضهم يتهمها بأنها (عميلة) للمخابرات البريطانية وآلة في أيدي الساسة الإنكليز لتحقيق مآرب لهم في المشرق..
ومهما يكن من أمرها فقد كانت الليدي أديبة، مرهفة الحس، وتوقعت للامارتين بمستقبل عظيم. وقالت له انها ترى فيه ملامح رجلٍ شرقي!
وعلى هذه المقولة التي سرّ منها لامارتين ونقلها في كتاب جليل ألّفه عن المشرق، سماه: رحلة الى الشرق (Voyage en Orient) أخذ بعض الناس ينسجون الحكايات والأساطير.. ويزعمون أن لامارتين، وهو من نبلاء الافرنسيين، كان أجداده من العرب الذين أسرهم الصليبيون..
وقد نشرت مجلة (الهلال)، في أحد أعدادها الجديدة، بحثاً عن (عروبة لامارتين) إستشهدت فيه بمقال قديم كان كتبه أحمد حسن الزيات في الرسالة، جاء فيه:
(ان لامارتين يعترف في صراحة وثقة بجنسيته العربية، ولكن الكتاب الفرنسيين بالطبع لا يؤيدون هذه النسبة... فهل فينا من يصمد لهذا البحث في مظانه، فيضيف الى عبقرية العرب هذه العبقرية الخالدة، ويرجع الى أرواح الشرق هذه الروح الشاردة?).
وفي هذا الصدد، قال الدكتور علي غصن:
(يبدو ان رجلين أسرعا الى تلبية نداء الزيات، أحدهما الاستاذ عبد الله كنون الحسني، من المغرب والثاني من بيروت. الاول يقول أن في بلاد المغرب أسرة تدعى (العمارتي)، يغلب على الظن ان يكون افرادها من عرب (الأندلس المهاجرين).. ولعل بعض أفرادها هاجروا الى فرنسا، فأصبح إسمهم هناك: لامارتين! والثاني يقول: ان أسرة لامارتين أصلها بلاد سوريا ولبنان، أسر افرادها الصليبيون وذهبوا الى فرنسا.. وفي سوريا، فيما نعلم أسرة تدعى (المارتيني)، وهي أقرب في لفظها الى لامارتين من العمارتي!. ولكننا، على حبنا للامارتين، وإعجابنا به، لا نرى فائدة من وراء التعمق في نسبه، وحسبنا: أدبه الذي يتغنى بنا، وقلبه الذي يخفق بحبنا!

،

بحيرة الدموع
أحبَّ (لامارتين: فتاة رائعة الجمال، مجنحة الخيال، رقيقة العاطفة، مرهفة الحس، ولكنها ماتت فجأة، وهي في عنفوان صباها فحزن عليها حزناً شديداً، وبكاها في كثير من شعره، ولما نثر قصيدته (البحيرة) (Le Lac) عرف الجمهور الفرنسي ان لا مارتين انما يذكر فيها خطيبته التي خطفها الموت من بين يديه، فكان الفرنسيون يقرأون القصيدة وهم يجهشون بالبكاء، حتى قال أحد الأدباء المشهورين: ان فرنسا كلها كانت تبكي مع لامارتين!
وكان لامارتين يردد دائماً: (الرجل الكامل هو من سافر كثيراً وغير شكل حياته اكثر من مرة). كما كان يحلم بالشرق.. فكتب عنه أربعة مجلدات.
لقد أتى لامرتين الى الشرق ليحقق رحلة حقيقية، وعرف كيف يفتح الأعين على (حقيقة مشرقية) واقعية!!
إذا كان هناك من يقول ان السبب الاول لرحلة لامارتين الى الشرق يتعلق برغبته في مواجهة المسألة الدينية على أرض الواقع وتوسيع خبرته في المجتمعات الانسانية، فهناك السبب العاطفي الأهم لتلك الرحلة. كان ذلك السبب يكمن في اشتداد مرض ابنته بالسلّ. أمِل لامارتين في شفاء (جوليا) وهو اسم ابنته، وسط أجواء الشرق، في لبنان خاصة.
وتألق لامارتين الفكري والسياسي.. كان نتيجة رحلته الشرقية. كما ان تكريم لامارتين في بشري خريف العام 1991، وتأهيل (ساحة لامارتين) في غابة الارز، ما هو إلا تأثير القيمين على هذا المهرجان.. في آداب وفنون القرن التاسع عشر، ورحلة لامارتين الى الشرق لم تبرز في قيمتها الحقيقية، الا أنه صار سياسياً شهيراً بعدها..
رأى النور قبل اندلاع الثورة الفرنسية بعام واحد، ومات قبل عام من نهاية الامبراطورية الثانية، أي عاش هذا الرجل في فترة سمحت لشخصيته المهتزة ان تتعرف خلال 79 عاماً على أنظمة سياسية متقلبة، ولكنها متنوعة: فقد عاصر الجمهورية الاولى، وعودة الملكية والجمهورية الثانية والامبراطورية الثانية. ولو عاش بضعة أعوام أخرى لشهد الجمهورية الثالثة، وفي أواخر عمره بدا عليه التعب، بل والإعياء من هذه التغيرات التي عاصرها ويمكن فهم موقفه هذا دون صعوبة كبيرة.
اما حياته فبامكاننا ان نقدمها على شكل ثلاثة فصول تبدو لنا متميزة عن بعضها بوضوح أي كان لحياته ثلاثة أوجه هي:
- الشاب الأنيق: وذلك حتى عام .1820
- الشاعر: ابتداء من عام 1820 وهو تاريخ ظهور (التأملات) حتى .1833
- السياسي: اعتباراً من انتخابه عضواً في مجلس النواب عام 1848 وكان انهياره السياسي على أثر ترشيحه لرئاسة الجمهورية التي نجح فيها لويس نابليون، التي اصبح فيما بعد نابليون الثالث.
في عام 1807 لم يقبل هذا الشاب، الذي ينحدر من أسرة ملكية نبيلة وريفية، ان ينحني ليدخل في خدمة (الغاصب) (اي نابليون). وكان عمره آنذاك لا يتجاوز السابعة عشرة، بل آثر الإنزواء والعيش في املاك والده النائية في (ميللي) قرب ضفاف نهر اللوار في أواسط فرنسا. وكان يقرأ ويقرأ بشغف للاقدمين ولكتاب العصور الوسيطة والحديثة، وللكتاب الايطاليين والإنكليز، ولكن علينا ان نتصور ان روحه لم تكن فريسة أوهام وهواجس رومانسية او مرضية. ولم يكن أمامه سوى منفذ وحيد، هو الحب طبعاً. وقد كانت له في هذا المجال جولات صغيرة.

،


من حب الى حب
وفي عام 1811 أخذت أسرته تشعر بالقلق، فقد أصبح هذا الشاب الناشئ عرضة للنحول والذبول. فارتأت ان يوجه الى ايطاليا فزار تورينو وفلورنسا وروما.
وجد لامارتين في نفسه ميلا قويا الى الادب والشعر، وتعلَّم الايطالية والانكليزية، وعكف على دراسة أعمال كبار الادباء والشعراء بشتى اللغات. وكتب بعض المآسي الشعرية وبعض المراثي، وتعرف خلال معالجته في منتجع (إكس ليبان) على السيدة (جوليا شارل) وكانت امرأة مريضة وذكية جداً، فوقع في غرامها، فلما توفيت كتب عنها كتابه الرائع الذي اشتهرت ترجمته العربية (رفائيل). ثم أحب فتاة شابة عاملة تدعى (انطونيلا)، ثم علم بموتها سنة 1815، وصورها فيما بعد في احد أعماله الخالدة ايضا بعنوان (غرازييللا).
في سنة 1820 تزوج لامرتين بماريا آن بيرج، وهي انكليزية تمت الى عائلة تشرشل بصلة مصاهرة، وفي السنة نفسها نشر مجموعته الشعرية الاولى (تأملات شعرية) وحقق نجاحاً باهراً، بسبب أسلوبه العاطفي الجديد، وما عبّر عنه من مشاعر صادقة عميقة ورقيقة، بلغة قوية الايقاع جميلة الرنين، وقد وضعه هذا الكتاب في الذروة بين شعراء الغزل، ومهَّد له الطريق الى عضوية (الاكاديمية الفرنسية). وهو يحتوي على 24 قصيدة أشهرها (البحيرة) التي ترجمت الى اللغة العربية نثرا وشعرا، اكثر من مرة.

،

نائب... في بعلبك!
عام 1832، سافر لامارتين مع زوجته الى لبنان وسوريا وفلسطين، وفي بيروت (في 7/12/1832) جاء نعي ابنته الوحيدة (جوليا) وفي بعلبك جاءه نبأ بأنتخابه نائباً في الجمعية الوطنية، فعاد الى فرنسا، ودخل المجلس، ولمّا سأل عن الجهة التي سيتخذ فيها مقعده، اجاب: (في السقف) اشارة الى انه فوق المنافسات الحزبية والاهواء السياسية.
وفي سنة 1848 أصبح لامارتين رئيساً للحكومة، المؤقتة، ثم عضواً في الجمعية التنفيذية التي حلَّت محلها، ثم حاول تأييد حزبي اليمين واليسار معاً لميله الى الإعتدال، ولكنه لم ينجح، ونافس نابليون الثالث في رئاسة الجمهورية، ففشل وقرر اعتزال السياسة، وقضى بقية أيامه في الكتابة يحاول تسديد ديونه الباهظة، ثم مدَّت له الحكومة الفرنسية يد المعونة، اعترافا بأعماله الادبية، فرتبت له وظيفة مقدارها خمسمائة الف فرنك فرنسي يعطاها في كل سنة ما دام حياً.
ولكن المنية لم تدعه يتمتع بهذا الرزق غير عامين، ثم اختارته عام 1869 في وحشة من الناس، ووحدة من الاهل، وكان في التاسعة والسبعين من عمره، وزوجته وأولاده قد ماتوا قبله، ولم يكن معه غير حفيدته لتغمض عينيه.
سنة 1939، صدر عن (دار صادر للنشر) في بيروت كتاب بعنوان (لامارتين)، ألّفه الياس ابو شبكة لمناسبة مرور مئة سنة على رحلة لامارتين الى الشرق، وإقامته في لبنان بصورة خاصة لبعض الوقت.
رحلة الشرق بحد ذاتها، وقد كانت حصيلتها كتاب لامارتين الشهير (رحلة الى الشرق) في أربعة اجزاء سنة 1835، تحققت بسبب انساني نبيل وعاطفة أبوية لا مثيل لها. فلامارتين لم يذهب الى الشرق لان الرحلات اليه في عصره كانت موضة، كما كان شأن الرحلات الى ايطاليا في عصر النهضة. شاتوبريان قام برحلته من باريس الى القدس بين سنة 1806 وسنة 1807 ، بغرض ثقافي، وكان في أثناء رحلته ينتظر القليل من العالم الشرقي، وسافر جيرار دي نيرفال (1807 - 1855) الى الشرق عبر (الانا وأساطيره). وفعل ذلك المئات من معاصريه مما نقع على أسمائهم وعلى بعض نصوص رحلاتهم في كتاب جان كلود برشيه بعنوان (الرحلة الى الشرق) الصادر عن دار لافون للنشر في باريس سنة .1985 ويضم الكتاب 1108 صفحات. ويعتبر افضل الكتب الحديثة عن الرحالة الفرنسيين الى الشرق في القرن التاسع عشر وعن انطباعاتهم حول بلاد المشرق.

،

مع ابنته في بيروت

ذهب لامارتين الى الشرق ليحقق رحلة حقيقية. وعرف كيف يفتح الأعين على حقيقة مشرقية واقعية، وكيف يظهر ارادة اصيلة في الإكتشاف والملاحظة وفي جمع كمية هائلة من التفاصيل والمعلومات.
كان لامارتين يردد (هناك فلسفة اكثر تقع عليها في مئة مكان تجتازه القوافل، ومما لا تحيط به عبر القراءة والتأمل لمدة عشر سنوات).
اذا كان هناك من يقول ان السبب الاول لرحلة لامارتين الى الشرق يعلق برغبته في مواجهة المسألة الدينية على أرض الواقع وتوسيع خبرته في المجتمعات الإنسانية، فهناك السبب العاطفي الأهم لتلك الرحلة. كان ذلك السبب يكمن في اشتداد مرض أبنته بالسل. أمل لامارتين في شفاء (جوليا)، وهو اسم ابنته، وسط اجواء الشرق، في لبنان خاصة.
قرر لامارتين السفر الى الشرق كسلطان كبير، وفي اطار من الفخفخة انتقد عليها، استأجر لهذا الغرض مركبا كبيرا يقوده طاقم مؤلف من 15 رجلاً. ورافقه عليه العديد من الاصدقاء والخدم والكثير من النساء. حمل معه مكتبة تضم 500 كتاب. وقد غادرت السفينة ميناء مارسيليا في تموز 1832، ووصلت الى بيروت في 6 ايلول. كان يمسك بيد جوليا، ويتطلع الى شاطئ الأمان والشفاء بكثير من اللهفة.
وصف لامارتين كيف وقعت عيناه على لبنان لاول مرة. كان ذلك في يوم 5 ايلول، وكانت السفينة تقترب من الشاطئء. كتب: (تعرّف قبطان المركب الى قمم جبال لبنان. ناداني كي يريني إياها. تطلعت بعيداً بين الضباب. لم تقع عيناي على شيء، صرخت، أين القمم? قال القبطان: أين تبحث عن القمم بعيداً. انها هنا، قرب رؤوسنا. أرفع عيني صوب السماء حينها، فأقع على القمة البيضاء والمذهبة لجبل صنين.
كان ضباب البحر يمنع رؤية منحدرات الجبل. كان يظهر رأسه اللامع والمشرق فقط في زرقة السماء. كانت هذه الرؤية من أروع وأرق الإنطباعات التي شعرت بها خلال رحلتي الطويلة، إنها الارض التي تعلقت بها كل أفكاري كإنسان وكرحالة.
كانت الارض التي أتيت اليها من بعيد أبحث فيها عن ذكريات البشرية الاولى، وهي الارض التي سأرتاح فيها ضمن مناخ لذيذ، في ظل أشجار البرتقال والنخيل




سمرقند
__________________
لنْ تستريح مِنْ سفر مؤقت..وإقامة مؤقتة..
وعِشق مؤقت,

التعديل الأخير تم بواسطة سمرقند ; 04-01-08 الساعة 03:07 PM. سبب آخر: برستيج !

سمرقند غير متصل