خرج من المسجد مع نفر قليل موجها الى أبواب كندة فلم يبلغ الابواب افرده اصحابه فلم يبق معه منهم عشرة ، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه انسان يدله ، فالتفت فاذا هو لايحس احدا يدله على الطريق ، ولايدله على منزله ولا يواسيه بنفسه ان عرض له عدو . فمضى سيدنا مسلم بن عقيل على وجهه متلددا في ازقة الكوفة لايدري اين يذهب ؟ (1)
كانت ازقة الكوفة واسواقها الملتوية التي ينتهي اكثرها الى المسجد الكبير فارغة تماما في هذه الليلة . بينما كانت الليالي مناسبة للسهرات التي كان العرب قد الفها وكانت البراحات والواحات المنتثرة هنا وهناك بمثابة أندية وندوات وها هو مسلم يتخلل هذه الازقة الفارغة في جوف ليل موحش ، وحيدا غريبا لايدري اين يسير .
لقد كان عقيل بن أبي طالب انسب قريش واعلمهم بايامها ، وكان والده ابو طالب يكن له حبا كبيرا . وقد احبه رسول الله كثيرا وقال في حقه بعد ان سأله امير المؤمنين علي عليه السلام عن حبه لعقيل فقال صلى الله عليه وآله : اي والله اني لأحبه حبّين حبا له وحبا لحب ابي طالب له ، وقال ان ولده لمقتول في محبة ولدك ، فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلى عليه الملائكة المقربون (2) وقد رزق الله عقيلا مولودا مباركا سماه مسلما ، حيث تروع ونما في البيت الهاشمي . حيث مهبط الوحي . ومحور حركة الأمة وقطب الحياة الدينية والسياسية ، فرعته التربية المتميزة لهذا البيت الرفيع فلما شب التحق كسائر اترابه بالجيش الاسلامي الذي كان يجوب يؤمئذ الآفاق . ويطوي الدول ، ويلحقها بالعالم الاسلامي ، وقد ابلا في فتح بعض بلاد مصر - بلاءا حسنا - وتقول الرواية التاريخية :
لما دخل المسلمون مدينة " البهنسا " ( في صعيد مصر الأدنى غربي النيل ) دخل مسلم بن عقيل ( والذي رأى من قبل اخويه جعفرا وعليا جريحين ) وكان يرتجز ويقول :
ضناني الهم مع حزني الطويل لفقد صاحبي مجد أثيل
فوا ثأرا لجعفر مع علي ليوث الحرب آل بني عقيل
سأقتل بالمهند كل قرم عسى بالثأر ان يشفى غليلي (3)
وفي حروب الردة الأموية انضوى تحت راية عمه الامام علي عليه السلام ، واستبسل في الدفاع عن الاسلام النقي الاصيل ، ضد الجاهلية المغلفة بغلالة من الطقوس الظاهرية .
وكان قد تزوج بنت عمه الامام علي ، رقية التي انجبت له ذرية صالحة . ذكر المؤرخون منهم عبد الله وبنتا ( لعلها حميدة ) وقيل اكثر من ذلك ، وأيا كان فانه فدى ذريته في الله ، فلا عقب له .
وعندما راسل اشراف الكوفة الامام الحسين - عليه السلام - بان يقدم اليهم ، وكتبوا له فيما كتبوا .
بسم الله الرحمن الرحيم
الى الحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين اما بعد ..
فجيء هلا فان الناس ينتظرونك ، لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل ، ثم العجل العجل ، والسلام " (4)
وجاء في بعضها :
" اما بعد فقد اخضر الجناب ، واينعت الثمار ، واعشبت الارض ، واورقت الاشجار ، فاذا شتت فاقبل على جند لك مجندة والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى ابيك من قبلك (5)
وهكذا تواترت الرسل والرسائل حتى بلغت اثني عشر الف كتاب (6)
وهنالك اتخذ الامام قراره الحاسم بالقيام انطلاقا من الكوفة ، ضد الطغمة الأموية الفاسدة ، فانتدب مسلم بن عقيل ، ليكون رسوله الى أهل الكوفة ، أرسل معه رسالة جاء فيها :
" انا باعث اليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي ، مسلم بن عقيل ، فان كتب إلي بانه قد اجتمع رأي ملاءكم وذوي الحجى والفضل منكم ، على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، فاني اقدم اليكم وشيكا ، انشاء الله (7)
لقد كان مسلم فقيها قائدا . وبطلا باسلا . وقد صاغته ايات الكتاب ، وسوح الجهاد . وعبادة الاسحار ؛ حتى رفعه الله مقاما محمودا .
كانت حياته ارخص شيء عنده إذا احس بأدنى خطر على الدين ..
لقد وسّعت آيات الكتاب افاق بصيرته ، فكان ينظر الى الدنيا انها مجرد متاع في الآخرة . وان اللبيب من يشري نفسه ابتغاء مرضاة ربه .
وهكذا انطلق مسلم ، سلام الله عليه ، من مكة حاملا هموم امة أرادها الله خير امة . وارادها الدخلاء والطلقاء مطية لأهواءهم .
انطلق مسلم الى المدينة حيث مرقد الرسول - صلى الله عليه وآله - وحيث اهله الاقربون . فصلى عند قبر صاحب الرسالة ركعات ، وودع قائد الامة ، ثم ودع اهله على خوف من فراعنة عصره . واتخذ طريقا الى العراق على غير الجادة ..
وكان ابن عقيل عارفا بخطورة المهمة التي يندفع اليها ، اولم تكن واقعة عاشوراء ميراثا فكريا لآل بيت الرسول . يتواصون بها ، ويتساءلوون عن تفاصيلها ، اولم يبشر الرسول - صلى الله عليه وآله - امير المؤمنين عليا - عليه السلام - بان ولد عقيل يقتل في محبة ولده ، اولم يسمع مسلم هذه الرواية ووعاها . وقد ودعه الامام الحسين عليه السلام بالقول :
اني موجهك الى أهل الكوفة وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى ، وارجو ان اكون انا وانت ، في درجة الشهداء فامض ببركة الله وعونه (8)
اخذ مسلم يطوي المراحل حتى دخل الكوفة واتخذ من دار المختار بن عبيد الثقفي ، الذي كان يعتبر من طلائع الحركة المناهضة للبيت الأموي ، اتخذ منها مقرا ومنطلقا للتحرك . حيث كان يستقبل الشيعة ويقرء عليهم كتاب ابي عبد الله الحسين عليه السلام فيبكون واخذ الناس يبايعونه حتى بلغ عدد من بايعه ثمانية عشر الفا . وهناك كتب الى الامام الحسين عليه السلام يخبره بأمر الناس ويطلب منه القدوم .
وكان النعمان بن بشير واليا على الكوفة من قبل بني أمية ، فلما بلغه خبر ابن عقيل صعد المنبر والقى خطابا فهم منه أهل الكوفة ، انه متردد من مناهضة الحركة حيث قال :
اني لا اقاتل من لا يقاتلني ، ولا أتي على من لم يأت علي ، ولا أنبه نائمكم ، ولا اتحرش بكم ، ولا أخذ بالتعرف ، ولا الظنة ، ولا التهمة (9)
فاتهمه رجال بني أمية بالضعف ، فقال له عبد الله بن مسلم : هذا الذي أنت عليه ، فيما بينك وبين عدوك ، رأي المستضعفين ، فقال له النعمان : ان اكون من المستضعفين في طاعة الله ، أحب الي من ان اكون من الاعزين في معصية الله (10)
وهكذا كتب عبد الله بن مسلم الى يزيد يحرضه على النعمان ، ويتهمه بالضعف . فدعا يزيد سرجون وكان روميا مستشارا عند معاوية ، وكان معاوية قد وصّى ابنه بان يستشيره في الأمور الهامة ، فقال له ما رأيك ؟ فقال له سرجون أرأيت لو نشر لك معاوية حيا ، ما كنت آخذا برأيه ؟ قال بلى ، فاخرج سرجون عهد عبيد الله على الكوفة و قال : هذا رأي معاوية .
وهكذا تمت ولاية الكوفة لابن زياد باستشارة الرومي ، وكان يزيد كارها له ، ولولا حاجته اليه لما ولاه .
وبالرغم من ان البصرة قد تململت بعد هلاك معاوية ، الا ان الكوفة كانت اخطر ، ولذلك فقد استخلف ابن زياد اخاه عثمان بن زياد على البصرة وانحدر الى الكوفة مسرعا .
(1) موسوعة بحار الانوار ج 44 ص 350
(2) آمالي الصدوق - ص 114
(3) مبعوث الحسين (ع) ص 51 عن فتوح البهنسا الغراء
(4) بحار الانوار / ج 44 ص 334
(5) المصدر
(6) المصدر
(7) المصدر
(8) مبعوث الحسين (ع) - ص 11 نقلا عن مقتل الحسين للخوارزمي
(9) المصدر ص 336
(10) المصدر
يتبع