عرض مشاركة واحدة
قديم 26-01-08, 01:45 PM   #2

هناء المغربي
...(عضو شرف)...

 
الصورة الرمزية هناء المغربي  






رايق

اشكال حول واقعة كربلاء....


هناك سؤال كان وما يزال مطروح وهو:

قيل عما جرى في كربلاء أنه كان من التقدير الإلهي الحتمي, وقد قدر قبل خلق العالم, وأخبر به جميع الأنبياء, حتى أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال للحسين : " شاء الله أن يراك قتيلا " , وبناء على هذا فإن الحسين لم يذهب إلى كربلاء بإرادته بل كان مجبرا على ذلك, وأن العمل الذي يؤدى جبرا لا يثاب الإنسان عليه, كما أن جيش يزيد لا يستحق العقاب لأنه كان مجبورا ولم يكن ما قام به باختياره ؟؟؟

الجواب حول هذا الإشكال..
المصير غير الاجبار..المقصود من التقدير الإلهي أو بتعبير العوام ( ما كتب على الجبين ) هو أن تفصيلات حوادث كل من أتى إلى الدنيا أو يأتي تكون محفوظة عند الله من قبل أن يخلق الإنسان, سواء أكانت أمورا تكوينية أم اختيارية الأفعال, والأمور التكوينية أمثال: كون زيد بن عمرو , وأنه سيأتي إلى الدنيا في اليوم
الفلاني وسيعمر كذا سنة من العمر فقيرا بائسا وكذا سنة من عمره غنيا سعيدا..

أما الأمور الاختيارية فهي في علم الله أيضا مثل: ماذا سيعمل هذا الإنسان في اليوم الفلاني, أنه سيعمل باختياره عملا صالحا أو سيئا, وباختياره سيذهب إلى المسجد أو الحانة, إن تصرفاته تحت اختياره وليس هناك من يجبره على الذهبا إلى الحانة أو المسجد..

التقدير بمعنى الاذن الإلهي

الثقفي عليه اللعنة قاصدا كناسة الكوفة ( وهو ميدان كبير في الكوفة القديمة ) وحين وصلت وجدت سيدا قد صلب ( كان الإعدام في الماضي يختلف عما هو عليه الآن, حيث يعلق الشخص المراد إعدامه من كتفيه حتى يموت جوعا وعطشا, وكان ذلك يستغرق وقتا طويلا ليموت المسكين ببطء), فتأثرت كثيرا لهذا المنظر وتألمت
ورفعت رأسي عفويا إلى السماء وقلت: إلهي إن حلمك بالظالمين أضر بالمظلومين، وفي المساء رأيت في المنام مقاما عاليا ورياضا كثيرة, فبهت وقلت لمن هذا المقام يا إلهي, ثم رأيت فجاة شيخا كبيرا قال لي: أتعرفني؟ قلت: لا , قال: أنا ذلك السيد الذي رأيته مبطبيعة الحال فإن الله إن لم يأذن بشيء فلا يمكن أن يقع, والتقدير يعني الموافقة الإلهية, إن الأفعال الاختيارية للأشخاص مالم يحصل فيها إذن من الله فمن المستحيل أن تقع, ولا يمكن للإنسان بدون إرادة الله أن يخطو خطوة واحدة في طريق الخير أو الشر, وإذن الله مطابق للمصلحة الكلية للعالم, يقول تعالى: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير" وفي الكتاب الإلهي الذي هو مرحلة من مراحل الوجود الغيبي سجلت وثبتت جميع الأمور الجزئية والكلية, فإن فكر الإنسان بكيفية حصول ذلك وأنه أمر صعب, فهو على خطأ لأن ذلك "على الله يسير " وفي مقابل قدرة الحق تعالى لا يساوي هذا الأمر شيئا..

وبناء على هذا فإن التقدير لا يعني الإجبار, بأن يؤدي الإنسان بلا إرادة العمل الذي قدر له, بل معناه أن الإنسان باختياره يعمل ما يشاء, وأن الله يعلمه ويقره ولا يمنعه من فعله, وكل من كان صالحا أو سيئا فباختياره هو , وليس هناك من يجبره على أن يكون صالحا أو فاسداً..
إن من يعين محتاجا, أو من يتهم بريئا كلاهما فعل ذلك باختياره, ولم يمنع الله أحدهما, بل أقر ذلك وأعطاهما القوة ليمتحنهما " كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا "

فالمقدر إذن يعني أن الله قد أمضاه, وإمضاء الله لا يعني أن الله قد أجبر أحدا, ومسألة كربلاء هي أيضا من جملة حوادث عالم الوجود التي كان الله يعلمها منذ الأزل وقبل الخلق, وقد أمضاها وليس هو الذي فعلها, كان يعلم أن الحسين سيأتي باختياره وكذلك سيأتي شمر وابن سعد وغيرهم باختيارهم أيضا..

يتبادر هنا إلى الذهن سؤال هو : لماذا أمضى الله هذه الحادثة المؤلمة ياترى ؟ ألم يكن من الأفضل أن لا تصيب السهام جسم الحسين؟ وهذا السؤال آت من العواطف وحدها التي لم تنظر إلى المصالح العليا..

إن الدنيا دار اختيار, ولم يكن المقرر أن يمنع الظلم من الوقوع فيها بشكل كامل بل يجب أن تتضح السعادة والشقاء, ويجب أن يظهر كل واحد ما يستطيع ولا يمنع من ذلك مادام في داخل الحدود التي لا تتعارض مع المصلحة العامة..

فلو كان المقرر أن كل من يذهب إلى الحانة تُشل قدمه لم يكن هناك اعتبار لقولنا أن الدنيا دار عمل لا جزاء, إذ لو جوزي الناس في هذه الدنيا لما بقي أحد حيا على الأرض " ولو يؤخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " , فينبغي إذن أن يكون للجميع فرصة, فيمضي الله أعمالهم ولا يمنعهم, لتتضح سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء, وإلا كيف يبلغ الصالحون الدرجات العليا ؟

قال عمر بن دهلمة : خرجت صباح يوم في زمن الحجاج بن يوسف
صلوبا على الخشبة, عندها ارتفع نداء بين الأرض والسماء: إن حلمنا عن الظالمين أحلّ المظلومين في اعلى عليين..

إن تلك الدرجات إنما جاءت للمظلومين نتيجة إمضاء الله الذي لم يمنع ظلم الظالم, وإن لم يكن فيه مصلحة لما وقع, أي أن إمضاء الله وإذنه ليسا بدون مصلحة, وعندما يكون بهما مصلحة ما فليس من المناسب منع وقوعها, لان منع المصلحة قبيح ومحال صدور القبيح من الله..

مصالح واقعة كربلاء

0 إحياء الدين الإسلامي وتوضيح حقيقة الإيمان

0 إحقاق الحق وإبطال الباطل, فقبل واقعة كربلاء, كان الحكام قد قاموا بخدع ومظاهر تظاهروا معها بالحق بشكل اختلط فيه الحق والباطل بصورة تامة, ولم يكن بالإمكان التمييز بينهما, وكم من مرة صور فيها الحق باطلا ,والباطل على انه حق, لذا فإن الحسين بعمله هذا قد أوضح الحق وفضح الباطل..

0 أراد الحسين بعمله ان يصل إلى درجة من الحب عالية عند الله

0
لقد شاء الله أن يوصل الحسين إلى مقام رفيع سام لم يسبقه إليه أحد, وهو حب رب العالمين والسعادة التي لم يتفق لاحد أن حصل عليها وهي أن يعطي كل ما يحب ويغض النظر عن كل شيء في سبيل الله, لذلك قال له رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم : " إن لك عند الله درجة لا تنالها إلا بالشهادة "

0
من المصالح الخفية في إمضاء الله لما وقع في كربلاء البركات التي تصل الآخرين في الدنيا والبرزخ والقيامة, وكما يقال في المثل أن فلانا يضرب عدة عصافير بحجر واحد, فمن البركات والخيرات التي انعم الله بها بإمضاءه
واقعة كربلاء
:القرب من الله ورقة القلب
إن واقعة الحسين ستظل تجذب قلوب المؤمنين إلى يوم القيامة, فكل من يسمع أو يقرأ ما وقع فيها يخشع قلبه في أي مقطع منها, فإذا استمر على ذلك كان من الناجين, إذ أنه في اللحظة التي يبكي فيها على الحسين تمحى فيها ذنوبه, أي أن الغفلة تزاح جانبا ويقترب القلب من الله عندما يكون القلب متجها إلى الله

واقعة كربلاء رحمة للجميع

لقد حدثت واقعة كربلاء بشكل يتأثر لحوادثها كل الناس وعلى أي درجة كان من العقيدة والإيمان, وهنا يقول الشيخ الشوشتري عليه الرحمة: إن كل شخص لابد وأن تؤثر عليه مصيبة معينة, والحسين قد وقعت عليه انواع المصائب بحيث أن أي إنسان يتأثر على الأقل بواحدة منها وتكون مقدمة للرحمة به, فبعضها مصيبة الشاب وبعضها مصيبة الطفل الرضيع..


الشهيد السيد دستغيب

هناء المغربي غير متصل