عرض مشاركة واحدة
قديم 04-04-08, 01:36 AM   #73

القلم المتأمل
أنغام أدبية  







رايق

رد: ...: احكي لنا حكايه :....


في واحد عندنا اسمه السيد جواد ويسمونه ( أبو سياد ) من صغره ومغامرات يلطفها ويشبعها ابتسامات وضحكات ، عفوي ، تلقائي ، فبات المجتمع ينظر إليه كشخصية فكاهية له طابعها المميز ، أين ما يولي وجهه تسير معه خفة الدم والمرح ، ، مواقفه كثيرة ككثر السيجاير التي يدخنها ...

في السبعينات من القرن الماضي ، وجد أربعة من الشباب يتمشون يتجاذبون أطراف الحديث ، سمع الجميع من بعيد صوت يقترب منهم وكلما قرب زاد شدة الصوت المدوي ، هذا الصوت قطع حبل احاديثهم العجيبة ، قطع عليه الأمنيات التي يحلمون بها ، فجأة توقف الجميع حيث سكن الصوت في آذانهم لم يلتفتوا إلا وسيارة حمراء ( استيشن ويكن ) قديمة ومصبوغة بفرشاة ، مهلهلة ، تختض وتجعجع وتونون من أمامهم ، وشخص بداخلها متلفع بغترته على شكل لفافه وفي أقصى زاوية يسار الفم نبتت سيجاره بدخنتها الطويلة ..

نظر إليهم وفتح فمه من ناحية اليمين وهو ضاغط على زاوية اليسار ليحافظ على توازن سيجارته عن السقوط مع سحب نفسه قليلا ودفعه للكلام ( اركبوا ) نظر كل واحد إلى زميله نظرة استغراب يريدون الاستفهام من بعضهم ، كرر السيد كلمة اركبوا ( بقوة ) كي ( أكشتكم ) ابتسم الجميع من هذا الطلب ، وركبوا ولم يمهلم السيد كي يبادروا في الكلام بل قام بافتتاح الجلسة مادحا سيارته العجيبة التي يحاول الطيران بها ، شارحا لهم مميزاتها وقوتها ومضيفا عليها أقوال وعبارات لا يصيغها غير السيد ..ويقول إن سيارته هذه ذكرت في التورات والإنجيل
وهكذا السيارة تسير والصوت أصمّ آذانهم فكلمة يسمعونها وكلمات لا يعرفونها من شدة الصوت .. سأله أحدهم : بكم اشتريت هذه السيارة ياسيد ، اجاب السيد اشتريتها ب (700) روبية ، ما كاد السيد يتمم كلامه حتى قهق الجميع من سعر السيارة بحالة عفوية ، ارتفعت قهقهة أحدهم بصورة أسرع وأشد وهو يقول ممتزجا بالضحك المسكر ( ترى ساعة جواد ود السيد حسن أغلى من هالسيارة .. أويللللللي ههههههه) زادوا في الضحك أكثر وأكثر ، والسيد قد أحمرت وجناته من الخجل فأراد أن يكحلها عماها ، ضغط على دواسة السرعة حتى يصم آذانهم من شدة صوتها المرتفع ويسكت قهقهاتم التي لم يستسيغها فانطلقت السيارة بشكل سريع ، ثم ما تلبث إلا وقد ترنحت وسكت حنينها ، سكت الجميع وما هي إلا لحظات وإذا بتلك السيارة تعاود سرعتها بصوتها البشع ، وهنا ينبهت الجميع ويخاف كل منهم على نفسه ، السيد لا يستطيع السيطرة الكاملة عليها ، حيث تتمايح يمين وشمال وشمال ويمين ، وتتكركع عليهم ، كأنها خلاطة اسميت مالت لول إذا ببندونها .. بدأ القلق يدب على الوجوه ، أراد السيد أن يكبح سرعتها بالدوس على دواسة الفرامل التي لم تعمل ، فما وجد رجله إلا وقد انحشرت في فتحة عميقة ( مقضوضة )وتظل محبوسة لا يفيد تحريكها شيئ ، الجميع يصرخ ويصرخ من الخوف والهلع ، أخذ السيد رجله اليسرى ليستعيض عن اليمنى فتلتصق هي الأخرى بفتحة أخرى ، ما العمل ، والسيارة لم تتوقف دخلت على الأشجار التي على جنب الشارع المتجه إلى قرية تسمى مقابه ، صعدت رمال ووهاد ، تسبح والحنين في الأرجاء والأزيز في الفضاء ، السيد المسكين يصلب السكان ( الدركسون ) بقوة فكلما دخل على تلة مرتفعة بها رمال غزيرة يصيبه الخوف والهلع فيقول للسيارة ( حاآآآه ، حاهه حححاه ، حآآآه الله يغربلش ويغربل العيون إللي صابتش ) –عيون ما صلت على النبي – ويقصد بها أحدهم ، فهو لا يدري من يخاطب هل هي سيارة أم الحناين لو أم حمارة ،فتارة يصب جام غضبه على عيون الذين معهم بطريقته الخاصة ، ويتحلطم عليهم بطريقته ( حسدوش أمهات لعيون حسدوش .. أويلي عليش وعلى بيزاتي ) وتارة يقصفها بالدواعي الحارة

، والسيارة كأنها أرادت الانتقام لنفسها من قهقهات الجميع عليها ، والجميع كل واحد مسلم أمره إلى ربه ممسكين ببعض عوارضها الحديدية وملتصقين ومتدافعين على بعضهممن المفاجأة الغريبة ،فواحد يقول (( ههوب هوب هوووب) والثاني يقول ( إسسستآآآب إسستآآآب ياسيد إسستآآب ) ولكن ماذا يصنع السيد أمام هذه الهلوسة العظيمة ، وفجأة ترتفع حرارة السيارة ارتفاعا كبيرا ،فتجعجع وتونون وتكركر ( هرر هرر هرررر تررن تررن تررن ترررنك كوه ) فتقف مرغوما عنها بجعة قوية ترميهم على الخلف متصادمين برؤسهم ، فلا يدرى أيضحكون أم يبكون و الدخان يخرج من مقدمتها بكثافة ، هب الجميع ليطفأوا ما بها من دخنة وليتأكدوا مما أصابها فحمل أحدهم قطعة سجادة كانت تحت رجليه ، فما وجد إلا فتحة كبيرة يرى من خلالها الشارع ، يعني السيارة ( مقضوضة في كل مكان )


لايهم الجميع يجري لنجدة الملهوف والملهوفة ،والمعطوب والمعطوبة ، السيد عند نزوله أخذ يتحلطم فكلما تحلطم رقصت السيجارة التي أوقدها حديثا من بين شفتيه ، وهو يقول ( عفا يا بو سياد جديه أصابوك بهالعيون ؟، وانت تنظر ؟، عفا ، لكن ما أدري أدعي عليهم عند جدي ،، ترى صابوني ، صابوني ؟؟ ما اأكون السيد إذا ما شوّرت فيهم ) .. اكتشف الجميع إن كهرباء السيارة قد انقطع وماؤها قد انتهى ، ما الحيلة ؟ بعثوا أحدهم ليأتي بالماء من منزل بقرية مقابة قريب منهم ، أعطوهم ماء ووضعوه في مبرد السيارة ، لكن السيارة لا تمشي ، أخذوا في دفعها والسيد يحشمهم ( دتفعوا يالله راووني مرايلكم ، لو بس تعرفون تحسدون وتصيبوني ؟، يكشر ويرفع وجه عاليا ويميل ببرطميه إلى ناحية اليساركي لا يروه يتحلطم عليهم ويردد قولتهم التي يعتبرها كلمة الحسد وبصوت مضغوط ( ههادي بججم ؟؟) زين ليكمه ، ألحين زينه ؟ لكن سو خير ينقلب عليك شر .. الجميع لا يعير السيد تلك الكلمات وتلك الحماقاتاتالتي بين فترة يصدرها كي يخرجوا من هذا المأزق المأزوم ..

وصلوا قريب طريق جيد في مقابه وقاموا بدفعها بكل قوة حيث عملوا مطبات عميقه من فعل الدفع المنضغط أخذ منهم قوتهم وعضلاتهم ، ها هي ظهورهم المصلوبة على خلفية السيارة على شكل الركوع تدفعها ، فيخرج منهم شهيق وزفير وأهأهات متقطعة ( إهع ، إهههأ ،،، ) والسيد يصارخ بأن يشدوا أكثر على الدفع ، ها هي تسرع وتسرع ، أحدهم يقول له اعطها ( دكة ) فيعمل السيد الدكة فتتحرك السيارة منطلقة بأقصى سرعة ، فما إن انطلقت وهم يدفعونها إلا وكلهم قد فاجأتهم الانطلاقة من غير أن يحسبوا توازن لأنفسهم ليسقطوا كلهم مرة واحدة متصادمين وساقطين على بعضهم وقد انكشفت ثيابهم والرمال مهالة عليهم ، يتفتفون على ما دخل في أنوفهم وأفواههم من غبرة ورمال ، ما رفعوا رأسهم ، إلا والسيارة في منطقة بعيدة عن نظرهم ، فلم يتوقف لهم بل هرب عنهم وهم يجرون خلفه ( هيه هييييه حارسنا ) لكنه لم يعرهم اهتمام وخلاهم يولون .. ضحك الجميع على موقفه العجيب وموقفه المضحك وعلى أنفسهم وأشكالهم الفضيعة لكنهم واصلوا طريقهم بعد هذا التعب المضني لايستطيعون مقاومة المشي ، فبينما هم كذلك وعند وصولهم الشارع العام وإذا بسيارة السيد قد توقفت مرة أخرى وهو يحوس فيها وكأنه لم يرهم باعتقاده إنهم حسدوا أم الحناين .. لكن الجميع ألوى رأسه في اتجاه آخر وواصلوا طريقهم ، ولتكن السبعمائة روبية وبالا على السيد حين اشترى ما تسمى بأم الحناين ، وحين أحس إنهم لن يساعدوه وقد أشاحو بوجوههم عنه صرخ عليهم ، ولكنهم لم يعيروه اهتماما ، ساروا في طريقهم ، بعيدا ، وما إن تناصف الطريق إلا والسيد قد ربط سيارته خلف حمارة تجر عربة ( قاري ) بحبل وهو داخلها يلوك قهره ويطلب من صاحب الحمارة عدم التوقف لهؤلاء الحاسدين كي لا يبركنوا بحمارته ، وهو يقول له لا تقول لهم بكم اشتريت احمارتك وإلا بتموت ، لكن بسالك بجم اشتريت حمارتك ؟؟؟؟؟؟

قهقه الجميع حين سمعوه ، وكانت السبعماية ربية وبالا على أبو السيادة حين انطلقت من لسانه سعرها الساحر ..

القلم المتأمل غير متصل