الحلقة الرابعة والخامسة ..
بسم الله الرحمن الرحيم
دورة تهذيب النفس بالأخلاق المهدوية
الحلقة ارابعة : علامات ظهور الإمام المهدي - عجل الله فرجه الشريف -
الحمد لله الذي حسرت عن معرفة كماله عقول الأوليـاء ، وعجزت عن إدراك حقيقته أفهام العلمـاء، واحـد لا شريك له ، لا يشبهه شيء في الأرض ولا في السماء ، والصلاة والسلام على نبيه الخاتم أفضل خلائقه وأشرف سفرائه ، وعلى آله البررة الأصفياء والأئمة الأتقياء .
قال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس "1 إن لمعرفة علامات الظهور أهمية كبيرة ، وإلا لما ورد الحث المستفيض من أهل البيت – عليهم السلام – حول التعرف والتبصر والإحاطة بها؛فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : "اعرف العلامة، فإذا عرفت لم يضرك تقدم هذا الأمر أم تأخر "2
وتبرز أهمية هذه المعرفة في عدة جوانب من أهمها :
1 – إن التعرف على علامات الظهور تحفظ المؤمن في عصر الغيبة من الضلال ، فهي ترشده إلى رايات الحق وتحذره من رايات الباطل قال تعالى : " وعلامات وبالنجم هم يهتدون "3 فالنجم يهدي من عرف مواقعه .
2–أنه من خلالها يعرف قرب وقت الظهور؛وعليه يعد العدة لذلك اليوم الموعود ففي رواية عن الإمـام الصادق– عليه السلام– قال: " يا سدير، ... فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك "4
ورد عن إمام الزمان – عليه السلام – في توقيعه لأبي إسحاق : "إذا بدت لك إمارات الظهور والتمكن فلا تبطئ بإخوانك عنا "5
الحديث في هذا التوقيع المبارك يبين أنه متى ما اتضحت لك العلامات وقرب الظهور ينبغي لك أن تحث إخوانك على المبادرة والاستعداد للقاء ونصرة إمام زمانهم الحجة المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – .
نستفصح من خلال هذه المقدمة : أنه ينبغي لنا أن نعد العدة ، ونهيأ الأنفس فهذه العلائم تسبق إحداهما الأخـرى مفصحة ومبينة بجلاء عن قرب ظهور الإمام – عليه السلام – وعليه ينبغي لنا أن نتعرف على تلك العلامات حتى نستطيع أن نعد أنفسنا نعم الإعداد .
علامات ظهور الإمام المهدي – عليه السلام – .
تقسم علامات ظهوره – عليه السلام – المروية في كتب الأحاديث إلى قسمين :
القسم الأول : العلائم العامة .
تتحدث عن الانحرافات التي تنتشر في الأوساط الإسلامية وغيرها ؛ وتلوث المجتمعات البشرية بالحروب والفتن وأمثالها . وتكون قبل ظهور الإمام – عليه السلام – بعشرات السنين .
القسم الثاني : العلائم الخاصة .
وهي التي تحدث قرب ظهور الإمام – عليه السلام – بسنوات غير كثيرة ، وتنقسم إلى نوعين :
1 – العلائم الغير محتومة ، ومعنى ذلك إنها ليست قطعية قد تقع وقد لا تقع .
2 – العلائم المحتومة ، هي التي لا تقبل الشك والتردد في قطعية وقوعها ، فهي واقعة لا محالة .
وفي قول آخر تقسم علامات الظهور إلى ثلاثة أقسام :
1 –العلائم العامة:وتنضوي تحتها الانحرافات البشرية بكل أبعادها .
2 –العلائم القريبة:وهي التي تكون أقرب إلى زمن الظهور وتشمل الفتن .
3 –قبل الظهور بسنة وهي على قسمين : علائم محتومة وغير محتومة .
العلائم العامة .
أولاً – فساد المجتمعات .
قال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس "6 سبب الفساد مرجعه إلى الناس وذلك من أفعالهم وأعمالهم التي لم يراعوا فيها القيم والمبادئ .
وهنا يفصل لنا أمير المؤمنين – عليه السلام – الحال في فساد المجتمعات فيقول:"إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الأمانة ، واستحلوا الكذب،وأكلوا الربا، وأخذوا الرشا وباعوا الدين بالدنيا،وقطعوا الأرحام، وكان الحلم ضعفاً والظلم فخراً،وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد،وطولت المنارات،واكرم الأشرار، وازدحمت الصفوف واختلفت الأهواء "6 فالصلاة التي هي عمود الدين تفقد جوهرها،والأمانة تضيع ،وفي ذلك يقول الإمام الصادق–عليه السلام–:"امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة؛كيف محافظتهم عليها "7 ويصبح الكذب حلالاً،مُعللاً عندهم بالكذب الأبيض ، فهو متلون عندهم كتلون الحرباء ؛ ويكون الربا مباحاً في تعاملاتهم لا يراعون في ذلك حرمة الدين ولا القيم .
وفي قوله : ( باعوا الدين بالدنيا ) أي أن أهوائهم وملذاتهم مقدمة على ما جاء في الدين .
و ( قطعوا الأرحام )أي لا تواصل ولا صلة بينهم وبين أرحامهم.و (كان الحلم ضعفاً والظلم فخراً) يعد الحلم والتروي في ذلك الزمان ضعفاً ،ويتباهى ويتفاخر بالظلم فهو في نظرهم رمز للقوة.و ( حليت المصاحف ) أي
يكون احترام القرآن بأناقة الطباعة وتلوين الغلاف ؛ لا تلاوته ولا العمل به .و ( زخرفت المساجد ) تكون المساجد مزخرفة ومُجملة ، ولكن قلة من يعتنون بتلك المساجد ويحافظون عليها ويصلون فيها ؛ فيعمروا المساجد عمارة بنائية وليست عبادية .و ( طُولت المنارات ) المنارات مرتفعة لكن مع علوها وارتفاعها لا تجد ذلك المسجد معطياً حقه ومحافظاً عليه .و ( أكرم الأشرار ) يكرمون خوفاً منهم .و ( ازدحمت الصفوف واختلفت الأهواء ) أي أن صفوف الجماعة تكون مزدحمة بالمصلين الذين يحملون قلوباً متنافرة ؛ فالأجساد متقاربة والقلوب متباعدة .
ثانياً –الرجال في آخر الزمان.
عن عبد الله بن بشر قال سمعت حديثاً من زمانه : " إذا كنت في قوم عشرين رجلاً أو أقل أو أكثر فتصفحت وجوههم فلم تر فيهم رجلاً يهاب في الله فاعلم أن الأمر قد قرب "8 يعني لن تجد رجلاً مُهاباً في الله،لأنه يأمر بالمعروف وينكر المنكر ،ثم يكون محترماً مسموع الكلمة على هذا الأساس ... إنك لن تجده في مجتمعنا الحاضر حين تتصفح وجوه العشرين رجلاً بل حتى عندما تتصفح وجوه المئات ؛ لأن الهيبة والعظمة في هذا الزمن أصبحت للسلاح ، وأصبح فرض الاحترام مناط بالقوة وكثرة المال وحطام الدنيا وهذا من المؤسف حقاً ؛ لأن الرجال هم المسؤولون عن كل انحراف بين الشباب والشابات ؛ فهم باستهانتهم وتهاونهم لما يجري حولهم ، وبسكوتهم عن انحراف أولادهم ، وبسخائهم في تلبية الرغبات الشاذة عند نسائهم ، قد جروا المجتمع إلى التراجع والفوضى والفساد ؛ فالأب قطب الرحى ، إذا أهمل أسرته سرى لها الفساد ، وانتقل لأسر المجتمع .
وأقرب مثال على ذلك ما يحدث أثناء الاحتفال بموالد الأئمة الأطهار كالاحتفال بمولد سلطان العصر والزمان الحجة المنتظر– عجل الله فرجه الشريف – والاحتفال بمولد كريم أهل البيت – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين– فبدل من أن يأخذوا هذه الليالي ليالي فرح وسرور ليتكرموا على أنفسهم بألطاف الأئمة– عليهم السلام– ومن ثم ليشاركوا أهل البيت –عليهم السلام – فرحتهم ؛ نراهم يعيشون حالة جنونية من الفساد والفوضى تحت دعوى الاحتفال بالمولد الكريم ؛ وهذه السلوكيات حقيقة تألم وتدمي قلوب أهل البيت – عليهم السلام – لأنها تصدر من المجتمعات الموالية ؛ فكيف بالمجتمعات الأخرى التي ليس عندها قيم ولا مبادئ ؛ فإن الواقع مأساوي بحدٍ لا يتصور .
ومما جاء في فساد الرجال في آخر الزمان ، قال الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – : " يتحلى ذكور أمتي بالذهب ، ويلبسون الحرير والديباج "9 وقال أمير المؤمنين–عليه السلام – : " ويعيّر الرجل على صون النساء "11 والواقع ما أكثر من يعيّر على صون زوجته وبناته ، وما أكثر النساء والبنات اللاتي لا يردن الصون ولا يرغبن في سماع هذه اللفظة البالية على حدّ ما يرون ؛ وكم من رجل اتهم بالرجعية لأنه يصون أهل بيته ويغار عليهم .وأمّا التشبه بالنساء فنراه في كل مكان ، فالرجل يلبس السلسلة الذهبية في رقبته ، ويتفنن في عرضها ، ويتختم بالذهب ، ويلبس الحرير للتفاخر والتباهي ، ويحلق اللحية مع الشارب ، ويرقق حاجبيه عند الحلاق ، ويستعمل المساحيق الخاصة للوجه ،وكأنه يجلب الأنظار إلى نفسه صحيح إن الله جميل يحب الجمال ولكان ليس بطريقة التشبه بالنساء .
ثالثاً – النساء في آخر الزمان.
إن النساء هن جوهرة عقد الحياة ، وكمال معناها حين يدركن قيمتهن ، ويعرفن واجباتهن ، ويعلمن أنه بدونهن تتدمر الأسرة وينهار المجتمع لأنهن حافظات النسل ، أقدس ما في الحياة ، لذلك تعد المرأة حقاً مدرسة تربوية ، تهذب نفسها وتقيم روحها على الطهر والعفاف والفضيلة ؛ فتدرك بذلك مسؤوليتها في تعليم وتوجيه أبنائها والسير بهم إلى الطريق القويم .إلا أن النساء في آخر الزمان يفقدن كرامتهن ، ويفتتن بزخارف الدنيا ويتركن دينهن وحيائهن . قال أمير المؤمنـين – عليه السلام – : "يظهر في آخر الزمان واقتراب القيامة وهو شر الأزمنة ، نسوة متبرجات ، عاريات من الدين ، داخلات في الفتن ، مائلات إلى الشهوات ، مسرعات إلى اللذات ، مستحلات للمحرمات ، في جهنم خالدات "10 قال الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – : " كيف بكم إذا فسدت نساؤكم ، وفسق شبانكم "11.هذه الحالة تنبأ عن خطر وبيل ، حيث أن نساء آخر الزمان تصبح السلوكيات عندهن سلوكيات ألا حياء وقد ورد في الحديث " جمال المرأة في حيائها " فمتى ما خلعت رداء الحياء عنها صنعت ما شاءت قال الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم– : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت "12.وعندما تفقد المرأة أيضاً الطهر والعفاف وتتعرى منهما فإنها تنزع عن نفسها جلباب العز والشرف ؛ لتتهاوى في مهاوي الرذيلة ، فلا تبالي عندئذ أن تكشف عن مفاتنها ، وما خُلدت تلك المرأة في النار إلا لما تجلبه إلى المجتمع من دمار وشقاء وتعاسة ؛ فالمرأة السافرة بعملها تعتدي على عزها وكرامتها وتعتدي أيضاً على الناس ؛ وفي واقع المجتمع اليوم حوادث إجرامية سببها السفور وعدم مراعاة الأحكام الشرعية .
وأمّا تشبه النساء بالرجال فقد صار من أرقى مراتب الحضارة والتقدم اليوم فالفتاة تلبس البدلة الرجالية ، وتقصر شعرها بحيث يصعب التمييز بينها وبين الرجل .
قال – صلى الله عليه وآله وسلم – : " لا تقوم الساعة حتى تظهر ثياب تلبسها نساء كاسيات عاريات "13 أي تلبس النساء الملابس الشفافة والعارية التي لا تستر شيئاً من مفاتنها .
العفة .
من أعظم مقاصد الدين الإسلامي إقامة مجتمع طاهر الخلق ؛ سياجه العفة والحشمة ، لا تهيج فيه الشهوات ولا تثار فيه عوامل الفتنة ، وتقطع فيه أسباب الإثارة ، ومن هنا خصت المؤمنات بتوجيهات من الشارع الإسلامي ، فشرع الحجاب ليحفظ هذه العفة ويصونها من أن تخدشها أبصار الذين في قلوبهم مرض .قال تعالى : " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً "14.والعفة من أشرف الخصال ، ويتفرع منها الصبر ، والمرأة العفيفة: هي الخيرة التي تصون عرضها وشرفها .قال الحق تبارك وتعالى : " وأن يستعففن خير لهن15.وقد وردت عدة روايات عن أهل بيت العصمة والطهارة – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – تحث على العفة والتي منها: ما جاء عن النبي الأعظم–صلى الله عليه وآله وسلم – : " أحب العفاف إلى الله تعالى عفة البطن والفرج "16.
1- عن أمير المؤمنين – عليه السلام – : " الصبر على الشهوة عفة "17.
2- وعنه – عليه السلام – :"من عقل عفّ ... "18
وعنه – صلوات الله وسلامه عليه–:" ... أفضل العفة الورع في دين الله والعمل بطاعته ... "19.
3- وقال – عليه السلام – : " العفاف يصون النفس وينّزهها عن الدنايا "20.
4- وقال – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم –: " ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة "21.
إلا أنه اليوم ومع اشتداد التأثيرات العالمية ، وتعدد الحملات المستهدفة أخذ موضوع الحجاب الذي هو عنوان العفة منحى جديداً أسوة بباقي مفاصل الحياة الإسلامية؛فقد تنوع الهجوم عليها،فتارة يهاجم العمل الإسلامي،وتارة أخرى الدعاة ،وتارات أخرى الحجاب كونه يمس المجتمع وتكوينه بأجمعه .وذكرت الإحصائيات الصحفية حتى21مايو 2003سُجلت(400) مشكلة ذات علاقة بالحجاب في فرنسا؛ وما هذا الهجوم والتكاثف من القوى الغربية واجتماعها على ضرب العفاف إلا محاولة للقضاء على المجتمع بضرب المرأة واغوائها التي هي أساس الأسرة؛ومتى ما ضربت المرأة ضربت الأسرة المسلمة في ثوابتها؛وبالتالي تكون الفرصة مواتية للقضاء على كيان المجتمع الإسلامي وهذا هو هدفهم الأكبر.لذلك حري بك أختي الموالية أن تحافظي على عفافك وحجابك ولا تلتفتي إلى تلك المحاولات التي تحاول تمزيقه وقتله فهو سر عزك وكرامتك؛وشاركي في بناء مجتمعك وتطوير العالم والإعداد لنهضته الحضارية الشاملة التي تتحقق على يد سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان – عجل الله فرجه الشريف–.
– سورة الروم : آية ( 41 ) .
2 – بحار الأنوار : م 52 ، ب 22 ، ص 142 .
3 – سورة النحل : آية ( 16 ) .
4 – بحار الأنوار : م 52 ، ب 26 ، ص 303 .
5 – كمال الدين : م 2 ، ص 451 .
6 – سورة الروم : آية ( 42 ) .
7 – بحار الأنوار : م 52 ، ص 192 .
8 – وسائل الشيعة : ح 4 ، ص 114 .
9 – كنز العمال : م 14 ، ص 565 ، ح 39610 .
10 – منتخب الأثر ، ص 428 ، ح 9 .
11 – بشارة الإسلام : ص 133 .
12 – مكارم الأخلاق : ص 206 .
13 – بحار الأنوار : م 97 ، ص 91 ، ب 1 ، ح 82 .
14 – مستدرك الوسائل : ج 8 ، ص 466 .
15 - منتخب الأثر : ص 226 .
16 – سورة الأحزاب : آية ( 59 ) .
17 – سورة النور : آية ( 60 ) .
18 – تنبيه الخواطر .
19 – غرر الحكم .
18 – البحار : ج 77 .
20 – غرر الحكم .
21 – نهج البلاغة
الحلقة الخامسة : الدعوة إلى الثقافة المهدوية
أستاذ الدورة : خادم أهل البيت والعلم سماحة الشيخ أبو علي العوامي ( حفظه الله ) .
الحمد لله الذي حسرت عن معرفة كماله عقول الأولياء وعجزت عن إدراك حقيقته أفـهام العلماء واحـد لا شريك له والصلاة والسلام على نبيه الخاتم أفضل خلائقه وأشرف سفرائه وعلى آله البررة الأصفياء والأئمة الأتقياء .
تحدثنا في الحلقة الماضية عن الخطة المرسومة سماوياً ، والخارطة الإلهية المخططة لمسيرة ونهضـة الإمام امنتظـر – عجل الله فرجه الشريف – إلى حيث يصل إلى مكة المكرمة وبين الركن والمقام يخطب خطبة نأتي عليها في هذه الحلقة على لسان الإمام الباقر – عليه السلام – .
قال – عليه السلام – : " ... والقائم يومئذ بمكة ، قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً به ، فينادي :
" أيها الناس ! إنّا نستنصر الله ومن أجابنا من الناس فإنّا أهل بيت نبيكم محمد ، ونحن أولى الناس بالله وبمحمد – صلى الله عليه وآله وسلم – فمن حاجني في آدم فأنّا أولى الناس بآدم ، ومن حاجني في نوح فأنا أولى بنـوح ، ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس في إبراهيم ، ومن حاجني في محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – فأنا أولى الناس بمحمد ، ومن حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين ، أليس الله يقول في محكم كتابه " إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " 1.
فأنا بقية من آدم ، وذخيرة من نوح ، ومصطفى من إبراهيم ، وصفوة من محمد – صلى الله عليه وآله وسلـم – .
ألا : فمن حاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله .
ألا : ومن حاجني في سنة رسول الله فأنا أولى بسنة رسول الله .
فأنشد الله من سمع كلامي اليوم ، لما بلّغ الشاهد منكم الغائب .
وأسألكم بحق الله وحق رسوله وبحقي – فإني لي عليكم حق القربى من رسول الله – إلاّ أعنتمونا ، ومنعتمونا ممن يظلمنا ، فقد أخفنا وظلمنا ، وطردنا من ديارنا وأبنائنا ، وبغي علينا ، ودُفعنا عن حقنا ، وافترى أهل الباطل علينا .
فالله الله فينا ، لا تخذلونا ، وانصرونا ينصركم الله تعالى "2.
بعد هذه الخطبة المباركة نقف في هذه الحلقة مع الإمام – عليه السلام – في ناحيتين :
الناحية الأولى : نستلهمها من جوانب الخطبة .
الناحية الثانية : نستلهمها من ختام الخطبـة .
التي نستلهمها من جوانب الخطبة ، إحدى مفرداتها ومعانيها إن الإمام – عليه السلام – يعرف الناس به ليقيم عليهم الحجة حتى لا يكون هناك من يقول أنه لا يعرفه ؛ وهذا ما دأب عليه أئمة الهدى في التعريف بالإمام الغائب والتبشير به – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين –
أسماء الإمام المهدي – عليه السلام – .
وعليه يجدر بنا أن نتعرف ولو شيء يسير على بعض أسماء الإمام – عليه السلام – وعللها .
1 – المهدي .
عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – اسم المهدي اسمي 3
وسمي بالمهدي ، لأن الله تعالى يهديه ويرشده إلى الأمور الخفية التي لا يطلع عليها أحد كما أكد على ذلك الإمام الصادق – عليه السلام – حينما سئل عن علة تسميته بالمهدي فقال : " لأنه يهـدي إلى كل أمر خـفي " 4.
وهنا ينبغي الالتفات إلى ملاحظة من خلال الخطبة تتجلى بشكل واضح وهي أن الإمام الباقر – عليه السـلام – يحكي عن مستقبل هذه النهضة أي أن الخطة والخارطة لسير نهضة الإمام – عليه السلام – مهندسة منذ الأزل ومنذ قديم الدهر ؛ ولذلك الإمام الباقر – عليه السلام – يحكي عن هندسة هذه الخارطة وطريقة سيرها ؛ مما يعني أنه عندما يأتي الإمام – عليه السلام – تكون الخارطة التي يسير عليها ليست جديدة أو ارتجالية ؛ إنما مرسومة منذ قديم الدهر ، فالله – سبحانه وتعالى – يرشده إلى الأمور الخفية .
2 – القائم .
يسمى بالقائم ، لأنه يقوم بأعظم قيام عرفه التاريخ البشري ، ويقوم بالحق الذي لا يشوبه باطل وفي ذلك قال الإمام الصادق – عليه السلام – : " سمي بالقائم لقيامه بالحق " 5.
هذا ما يمتاز به قيامه – عليه السلام – لأن التاريخ قد سجل قيام بعض الأفراد بثورات ونهضات ولكن قيامهم ونهضتهم لم تكن على الصراط المستقيم ؛ إلا أن الإمام المهدي – عليه السلام – يقوم بالحق المحض .
ونلاحظ أن نهج الأنبياء – عليهم السلام – ودعوتهم كانت تمهيداً لدعوة المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – وكلا الدعوتين هما تمهيداً لنهضة الإمام الحجة – عجل الله فرجه الشريـف – وعـلى ذلك نقـرأ في الدعـاء : " اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله ، وتذل بها النفاق وأهله ، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك ، والقادة إلى سبيلك ، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة " 6.
هذه الدولة بكل أبعادها قيامها قيام عظيم في التاريخ ، ولذلك نلاحظ في جوانب الخطبة أن الإمام – عليه السلام – يقوم مستجيراً بين الركن والمقام ليعلن قيامه العالمي وما عنده من تبليغ الرسالة في تلك المحطة المباركة وذلك المكان العظيم .
3- المنتظر .
سئل الإمام الجواد – عليه السلام – لم سمي بالمنتظر ؟
قال : لأن له غيبة تكثر أيامها ويطول أمدّها فينتظر خروجه المخلصون ، وينكره المرتابون ... " 7 .
كل العالم يستشعر في نفسه الحاجة الماسة للعدل ورفع الظلم ، ومحاربة الفقر ، وإطفاء نار الحروب والفتن وسيادة الحرية وهذا كله يتحقق على يد المصلح الأكبر ، والناموس الأعظم الحجة المنتظر – عليه السلام – حيث يتأصل الأمل والانتظار ويتجذر في أعماق قلوب العالم بأجمعه ؛ فالنصارى ومن صميم اعتقادهم ما زالوا ينتظرون الموعود المخلص وهو عندهم (المسيح ) أو من يسمى ( مهميد ) ، والرومان ينتظرون الموعود المسمى عندهم ( الفردوس الأكبر ) ، والزرادشت تنتـظر مخلصـها المسـمى ( سروش ) والفرس يدعـونه ( برويز ) كذلك الـمجوس تنتظـر ( خسرو ) والهند ينتظرون ( لاند بطارا ) .
فهؤلاء ينتظرون المخلص وكلاً حسب مذهبه ومشربه ، أمّا نحن شيعة آل محمد – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – فننتظر الإمام الغائب – عليه السلام – الذي جاء ذكره في القرآن الكريم في 100 موضع عـلى ما صرح بذلك سماحة المرجع المقدس السيد صادق الشيرازي ( مدّ ظله ) في كتابه المهدي في القرآن الكريم .
والذي بشرت به أئمة الهدى – عليهم السلام – وعلى رأس المبشرين النبي المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – في الأحاديث التي وردت عن الطريقين وبلغت حد التواتر وقاربت 3666 حديث ؛ إذن فهي قضية مشتركة ، وقاسمها مشترك بيننا وبين كل العالم .
4 - صاحب الأمر .
سمي بصاحب الأمر ، لأنه الإمام الحق الذي فرض الله طاعته على كل العباد في قوله تعالى : " واطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " 8.
وقد صرحت الأحاديث الصحيحة عن أهل البيت – عليهم السلام – أن " أولي الأمر " هم أئمة أهل البيت – عليهم السلام – وخاتمهم هو صاحب الأمر .
5 – الحجة .
سمي بالحجة لأنه حجة الله على العالمين ، وبه يحتج الله – سبحانه وتعالى – على خلقه .
ونشير هنا إلى أن الدعاة إلى أهل البيت – عليهم السلام – هم حجج الله على العباد ؛ فالعالم يسمى حجة لأنه حجة على أهل مجتمعه ، وكل مبلغ هو حجة على من يبلغهم ، لأنه في يوم القيامة يحاج البشر به فيقال هذا حجتي عليكم لقد دعاكم فلم تستجيبوا ! والحجج يختلفون باختلاف مراتبهم فهذا الحجة المنتظر – عليه السلام – وذلك الحجة النبي – عليه السلام – والمرجع ، والعالم ، والمبلغ ، والداعي ، والداعية ، والهادية والمرشدة لأهل البيت – عليهم السلام – .
وهذه بذاتها الحجية تعد عمل من الأعمال الدعوية التي هي في سير خدمة الإمام – عليه السـلام – وهـذا ما جاء في نهاية الخطبة في قوله – عليه السلام – : " وانصرونا ينصركم الله " فهذه الدعوة وهذا الإرشاد يعد بحد ذاته نصرة للإمام – عليه السلام – .
طرق الدعوة للإمام – عليه السلام – ونصرته .
ينبغي الالتفات إلى أن طريق الدعوة إلى الإمام – عليه السلام – ونصرته متنوعة منها :
1 – إن مشروع الثقافة المهدوية ، وحث الناس وتعريفهم على الإمام – عليه السلام – يعد نصرة للإمام – عليه السلام – .
2 – تثقيف الناس بالثقافة المهدوية عن طريق الخطابة ، والتأليف والكتابة ،وقد بينت روايات أهل البيت – عليهم السلام – فضل وعظم ذلك في عدة مواضع :
قال الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – : " المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً فيما بينه وبين النار ؛ وأعطاه الله تبارك وتعالى بكل حرف مكتوب عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات " 9 .
قال الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – : " من كتب عني علماً أو حديثاً ، لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث " 10.
قال أمير المؤمنين – عليه السلام – : " عقول الفضلاء في أطراف أقلامها " 11 .
قال أمير المؤمنين – عليه السلام – : " كتاب الرجل عنوان عقله ، وبرهان فضله " 12 .
3 – مساعدة الناس على نصرة الإمام – عليه السلام – بعدة طرق فالبعض منهم مثلاً لا يستطيع التأليف ولكنه من الممكن أن يساهم مالياً في طباعة الكتب ، وما دام هذا الكتاب منتشراً في الآفاق يكون هذا الشخص مثاباً .
4 – نسخ الأشرطة والمساهمة في ذلك مالياً ، فالشريط يوفر خدمة سريعة ومختصرة في هداية الإنسان ، فربما يسمع حديث أو دعاء أو موقفاً في ذلك الشريط وإذا بمعادلة حياته تنقلب للأصلح .
5 – الصدقة الجارية باسم الإمام – عليه السلام – يعتقد بعض الناس أن الصدقة تكمن في تقديم الأموال فقط وصحيح أن الأموال تعد في حد ذاتها صدقة ؛ لكن الصدقة أنواع فبعض الأحيان تكون الصدقة آنية مثل كسوة فقير أو إشباع جائع ، وأحيان أخرى تكون ديمومية جارية مثل شراء وبناء الحسينية فما دامت هي موقوفة لأهل البيت – عليهم السلام – تكون صدقة جارية ليس على مدى الأيام بل على مدى الحياة .
وللصدقة فضل كبير عبر عنه أهل البيت – عليهم السلام- في العديد من الروايات فقد قال الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم - : " أرض القيامة نار ما خلا ظل المؤمن فإن صدقته تظلله " 13.
والصدقة في خصوص شهر رمضان لها فضل كبير وخاص فقد روي عن الإمام الصادق – عليه السلام – قوله : " من تصدق في شهر رمضان صرف عنه سبعين نوعاً من البلاء " 14 .
وبخصوص يوم الجمعة قال الإمام الصادق عن أبيه – عليهما السلام – أنه قال : " ... الصدقة في يوم الجمعة تضاعف لفضل الجمعة على غيره من الأيام " 15 .
وليست آثار الصدقة الجارية على المتصدق وحده فحسب بل على ولده فقد قال الإمام الصادق – عليه السلام - : " ما أحسن عبد الصدقة في الدنيا إلا أحسن الله الخلافة على ولده من بعده " 16.
وحتى ندرك أهمية الصدقة الجارية وخدمة أهل البيت – عليهم السلام – يجب علينا أن نلاحظ أن ما كان لله – سبحانه وتعالى – ينمو ، وأن هذه الأعمال الصالحة تتجسم لصاحبها ، فعندنا في العقائد إن الأعمال الخيرية تتجسم لصاحبها في القبر على هيئة شاب تسعده .
وإليكم هذا القصة التي تبين عظمة الصدقة وأثرها :
كان ملك في بني اسرائيل صاحب سطوة وجبروت ، أعلن أن من يتصدق من أهل بلدته سيقطع يده ، إلا أن أصحاب الخير والأيادي البيضاء لا يثنيهم عن العمل شيء ، فكانت هناك امرأة مؤمنة ما استطاعت أن تصبر عن الصدقة وكان عندها رغيفين تصدقت بهما ، حينئذ سمع الملك بذلك وقطع يدها وطردها من البلدة ، كان مع هذه المرأة طفل صغير ، وعندما وصلت إلى نهر أرادت أن تشرب منه فكان الموقف صعب عليها فهي بدون يد وإذا بالطفل يسقط من عندها في النهر فأصبحت في حال يرثى لها ؛ وإذا برجلين أمامـها يسألاهـا ما تقولين إنّ ردّ الله عليك يدك و ولدك ؟
قالت : أنى يكون لي ذلك ؟
فدعيا الله – سبحانه وتعالى – فرد عليها الولد واليد !
فسألتهما من أنتما عافاكما الله ؟ قالا : نحن رغيفاك . 17.
وعلى كل حال إن الإنسان عندما يقدم الخيرات والأعمال الصالحة يخلد له ذكراً في الحياة ؛ فنحن البشر عندما يموت أحد منّا نقول : ماذا ترك ؟ بينما الملائكة تسأل : ماذا قدم ؟
وفي ذلك قال أمير المؤمنين – عليه السلام – : " إذا مات ابن آدم قال الناس : ما ترك ؟ وقالت الملائكة : ما قدم ؟ " .
وكل واحد منّا يستطيع أن يخلد له ذكراً في الحياة ، فكل مشروع خيري تستطيع أن تساهم فيه ، ساهم ولو بالشيء القليل .
نلخص ما سبق بقولنا :
إن الإمام – عليه السلام – ينادي " انصرونا ينصركم الله " هذه النصرة متلونة بألوان ومتشكلة في عدة معاني منها نصرته – عليه السلام – بنشر الثقافة المهدوية ، وتقديم الصدقات باسمه – عليه السلام – وطبع وتأليف الكتب ، ونسخ الأشرطة ، وتأسيس المؤسسات باسمه فما كان لله ولأهل البيت – عليهم السلام – يبقـى وما كان لغير الله يذهب مع أدراج الرياح .
- " اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحظوره وعجل لنا ظهوره إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً برحمتك
يا أرحم الراحمين " - –
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين
--------------------
-1- سورة آل عمرآن آية : ( 33 – 34 )
2– كتاب الغيبة للنعماني – ب14 ، ص 288 ، ح 67 .
3 – كتاب الإمام المهدي – عليه السلام – من المهد إلى الظهور للعلامة الخطيب السيد القزويني ص 27 .
4– الغيبة للطوسي – ص 471 .
5 – بحار الأنوار : ج 51 ، ص 30 - والإرشاد للشيخ المفيد .
6 – صحيفة المهدي– عليه السلام - دعاء الافتتاح ، ص 93 .
7– بحار الأنوار : ج 51 ، ص 30 – وإكمال الدين للشيخ الصدوق .
8 – سورة النساء آية ( 59 ) .
( 9 ) ، ( 10 ) ، ( 11 ) ، ( 12) منتخب ميزان الحكمة ، ص 337 .
13 – ثواب الأعمال للشيخ الصدّوق ، ص140 .
14– ثواب الأعمال للشيخ الصدّوق ، ص 124 .
15– ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ،
16- بحار الأنوار : ج96 ، ص 135
17– الدعوات للراوندي : ص 182
__________________
الدنيــا حلم و الآخرة يقظة ونحن بينهما أضغاثُ أحلام .
(( من حكم أمامنا علي بن أبي طالب عليه السلام ))
التعديل الأخير تم بواسطة نور قلبي علي ; 24-05-08 الساعة 09:35 PM.
|