نبارك لكم ميلاد الإمام الحادي عشر الإمام الحسن العسكري عليه السلام
وعذراً للإختصار الشديد ، لانشغالنا بمناسبة المولد الشريف ، ولم أشأ أن أترك السؤال بلا جواب ، فكان هذا الجواب المختصر .
فعذرا لك أختنا رهيد ، وعافا الله أخانا العزيز الصراط المستقيم ، وألبسه الله لباس الصحة والعافية بحق هذا اليوم الشريف .
نحن هنا من أجل خدمتكم موالينا الأعزاء سلمكم الله وحفظكم من كل سوء ، ولا أراكم الله مكروها .
الجواب بشيء من التفصيل :
يمكن إيجاز العوالم التي يمر بها الإنسان إلى ستة عوالم إن صح التعبير :
عالم الذر ثم عالم الأصلاب ثم عالم الأرحام ثم عالم الدنيا ثم عالم البرزخ ثم المعاد يوم القيامة وهو عالم الآخرة .
وسوف يكون كلامنا عن العالمين محل السؤال :
أولا : عالم الذر :
إن عالم الذر كما سبق وأن قلنا كان قبل أن يخلق الله سبحانه وتعالى أبو البشر آدم عليه السلام .
بمعنى أن الله سبحانه وتعالى استخرج نطف أبناء آدم ( عليه السلام ) من ظهره ، ثم من ظهور أبنائه إلى آخر أب ، ثم كونهم بشكل معين وأشهدهم فأقروا ، ثم أعادهم إلى حالتهم الأولى في ظهر آدم ( عليه السلام ) .
ويشير إلى هذا العالم قوله تعالى :
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (172) سورة الأعراف
كما تشير إليه روايات كثيرة عن ائمة أهل البيت عليهم السلام منها :
1-
عن زرارة ، عن أبي جعفر ع قال : سألته عن قول الله عز وجل : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) الآية ، قال : أخرج من ظهر آدم ، ذريته إلى يوم القيامة ، فخرجوا كالذر فعرفهم وأراهم ( 1 ) نفسه ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه ، وقال : قال رسول الله ( ص ) : كل مولود يولد على الفطرة يعني على المعرفة بأن الله خالقه ، وذلك قوله : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) .
________
( 1 ) يعني برؤية القلب والعلم والاعتقاد والمراد بالنفس ، ذات الله مجازا .
2- وعن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد الله ع : كيف أجابوه وهم ذر ؟ قال : جعل فيهم ما إذا سألهم ، أجابوه يعني في الميثاق .
3- محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن علي بن إسماعيل ، عن محمد بن إسماعيل ، عن سعدان بن مسلم ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبد الله ( ص ) ، قال : سئل رسول الله ( ص ) بأي شئ سبقت ولد آدم ؟ قال : إني أول من أقر بربي ، إن الله أخذ ميثاق النبيين ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا : بلى ) ، فكنت أول من أجاب .
4- عن حمران ، عن أبي جعفر ع قال : إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق ، خلق ماء عذبا وماء مالحا أجاجا فامتزج الماءان ، فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا ، فقال لأصحاب اليمين وهم كالذر يدبون : إلى الجنة بسلام ، وقال لأصحاب الشمال : إلى النار ولا أبالي ، ثم قال : ( ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال : ألست بربكم وإن هذا رسولي وإن هذا علي أمير المؤمنين ؟ قالوا بلى فثبتت لهم النبوة .
5- عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الله عز وجل خلق الخلق إلى أن قال : ثم بعثهم في الظلال فقلت : وأي شئ الظلال ؟ فقال : ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئا وليس بشئ ، ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الاقرار بالله عز وجل وهو قوله عز وجل : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ثم دعوهم إلى الاقرار بالنبيين ، فأقر بعضهم وأنكر بعض ، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض وهو قوله : ( ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) .
وكان هذا اليوم بمثابة الميثاق الذي صادق عليه جميع الخلائق وأقروا لله بالربوبية ولمحمد بالرسالة ولعلي والأئمة من ولده عليهم السلام بالولاية ، فقد ألقى الله عز وجل عليهم الحجة من ذلك اليوم وفي ذلك العالم فقبلها من قبل ورفضها من رفض ، وبذلك لا يبقى حجة لمن يقول أنه لم يسمع بالله أو بالرسول أو بالإمام فقد ثبت أن الإنسان مفطور على ذلك وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها في قوله تعالى :
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30) سورة الروم
إذن فالإيمان بهذا العالم أمر راجح بالقرآن والروايات عن أهل البيت عليهم السلام .
هذا ما يخص عالم الذر .
ثانياً : عالم البرزخ :
البرزخ : هو عالم بين الدنيا والآخرة والمعنى اللغوي للبرزخ هو الحد بين شيئين . أما المهنى الإصطلاحي فهو حالة ما بين الموت والبعث .
فالقبر هو المنزل الأول من منازل البرزخ .
البرزخ في آيات القرآن :
يقول تعالى :
{حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} (99) {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (100) سورة المؤمنون
وفي سورة يس عندما تذكر السورة أحداث مدينة أنطاكيا وكيف قتل حبيب النجار من قبل أهلها ، نجد أن الخطاب الإلهي يأتي إلى هذا الرجل كي يدخل الجنة حيث يقول تعالى :
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} (26) {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} (27) سورة يــس
ومن الواضح أن الجنة المعنية في الآية الكريمة هي الجنة البرزخية التي يعبر عنها في الحديث النبوي الشريف بـ ( روضة من رياض الجنة )
ورغم أن عذاب البرزخ ينصب على الروح إلا أنه لصعوبته ومشقته تنعكس آثاره على الجسم أيضا .
من الصعب علينا أن ندرك حقيقة البرزخ وبشكل عام يصعب علينا أن ندرك حقائق ما بعد الموت تماما كما يصعب على الجنين وهو في بطن أمه أن يدرك حقيقة الدنيا .
وإن الطريق الوحيد الذي بين أيدينا لتصور عوالم ما بعد الموت ، يتمثل فيما تعكسه الآيات والروايات من معالم ذلك العالم .
تبتدأ الحياة البرزخية أولا بقبض الروح عن البدن ، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة القبر وضغطته ثم المرحلة الثالثة وهي سؤال ناكر( منكر) ونكير وهما مختصان بالكفار ومبشر وبشير وهما مختصان بالمؤمنين فعندما يودع بدن الإنسان في القبر ، يأتي إليه ملائكة الرب فيسألونه عن التوحيد والنبوة وأمور عقائدية أخرى ، ومن الواضح أن إجابة المؤمن ستختلف عن إجابة الكافر وبالتالي يكون عالم البرزخ مظهرا من مظاهر الرحمة للمؤمن ، أو مصدرا من مصادر النقمة والعذاب للكافر . إن السؤال في القبر وما يستتبع من الرحمة أو العذاب من الأمور المسلمة عند أئمة أهل البيت ، وفي الحقيقة أن القبر يعد أولى المراحل للحياة البرزخية التي تدوم إلى أن تقوم الساعة .
فقد ورد في الحديث النبوي الشريف : ( القبر إما حفرة من حفر النيران أو روضة من رياض الجنة ) .
وضغطة القبر وضمته من الأمور الثابتة . وأكثر ما يكون عذاب القبر على ما تنطق به الأحاديث والروايات الشريفة من النميمة وسوء الخلق والإتخفاف بالطهارة وعدم مراعاة الأحكام الشرعية .
ولأننا جميعا مبتلون بهذه الأمراض أو بقسم منها لذا فلن ينجو من هذه الضغطة إلا القليل حيث أن شدة الضغطة وضعفها تتناسب مع شدة الذنوب وضعفها .
وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام : أيفلت من ضغطة القبر أحد ؟ قال : نعوذ بالله منها ، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر .
وبشكل عام نستفيد من الروايات أن ضمة القبر وضغطته تكون من الشدة بمكان بحيث يعصر الإنسان معها عصرا وتكسر عظامه .
وبالنسبة لسؤال الملكان فقد ورد في الخبر عن الإمام السجاد عليه السلام عندما كان يحدث في يوم الجمعه في مسجد جده رسول الله صلى الله عليه وآله :( ألا وأن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده ، وعن نبيك الذي ارسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به ، وعن كتابك الذي كنت تتلوه ، وعن إمامك الذي كنت تتولاه ، ثم عن عمرك فيما أفنيته ؟ ومالك من أين اكتسبته وفيما أتلفته ؟ فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد للجواب قبل الإمتحان ) .
أم عن صفتهما فمن يأتيان الكفار يأتيانهما على صورة مفزعة مخيفة حيث جاء في الخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله :أنهما ملكان فظان غليظان ، أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف .
أما من يأتيان المؤمنين فهم على العكس من ذلك .
ثم إن المؤمن المحب لأهل البيت عليهم السلام المتبع لأوامرهم المجتنب عن نواهيهم لا ينتابه من ذلك شيء فإن الرسول والأئمة عليهم السلام يحضرون له في كل المواطن والأهوال لينقذونه منها .
فقد ورد في الخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله في قوله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
يا علي محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن : عند خروج أنفسهم وأنت هناك تشهدهم ، وعند المساءلة في القبور وأنت هناك تلقنهم ......)
جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بحبل الله المتين وصراطه المستقيم محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وحشرنا الله وغياكم معهم في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
نتمنى أن نكون قد وفقنا في الإجابة على استفساركم واعذرونا على التقصير
واسمحوا لنا على التأخير .