بسم الله وكفى والصلاة على المصطفى وعلى آله أصحاب الكساء
موضوع تعدد الزوجات من المواضيع التي أستغلها أعداء الأسلام بالتنكيل بالسلأم بتحريك مشاعر المرأة التي يصف هذا الأمر بأنه أجحاف في حقها ومن جانب المرأة فقد يصل بها الأمر بالكفر بهذه الأباحية والعياذ باللله أذا لم تعي وتتقبل الحكمة من وراء هذا التشريع, والله سبحانه وتعالى الحكيم وما من شيء الا وله علة وله فوائده التي قد لا تتضح للعوام الا بالسؤال والتمحيص وقبل كل شيء الأيمان الراسخ والعقل الناضج, الا أن بني البشر هم من يحرفون الحكمة التي من ورائها شرع الله ما شرع, لهذا تجد تساؤلات تدور حول القاضيا التي استغلها الانسان بداعية الاباحية لصالحها وتعدد الزوجات أحد تلك الامور...
هناك عدة تساؤولات متكررة حول موضوع تعدد الزوجات قرأتها في أحد المواقع وأحببت مشاركتكم بطرحها مع الأجابة عليها من قبل أحد المشايخ الكرام وهي:
الأسئلة :
ورد في سورة النساء الآية 3 قوله تعالى: ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) في الآية الشريفة مجموعة تساؤلات :
أ. تعدد الزوجات رخصة معلقة على خوف عدم القسط وهو العدل في اليتامى فهل هذا صحيح ؟؟؟
ب. الرخصة المذكورة مستحيلة في آية أخرى ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا... ) فكيف جاز والحالة هذه زواج أكثر من واحدة.
ج. معلوم أن الله لا يحب الظلم لأحد ومعلوم أيضاً أن المرأة الأولى لا ترضى أن يتزوج عليها زوجها ثانية وتحس بالظلم بل هو الظلم بعينه ـ كل مرأة وكل حالة ـ فما هو تفسيركم لموقفها من هذا الحكم ؟
د. أنا أعرف أن هناك حالات تستدعي تعدد الزوجات لمكافحة النقص الحاصل من أثر الحروب ولكن الآن لا يوجد ما يستوجب ذلك فهل يعني أن تعدد الزوجات مشروط بظروف معينة.
هـ. المرأة قد تحتاج في حالات معينة إهتمام أكثر من رجل فكيف يرضى لها الشارع ربع رجل ؟
الجواب بقلم سماحة الشيخ حسن الجواهري :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين
أ ـ ليس أصل تعدد الزوجات معلقاً على خوف عدم القسط في اليتامى بل إن نكاح النساء غير اليتامى معلق على خوف عدم القسط في نكاح اليتامى ، حيث إن الأقوياء من الرجال كانوا يتزوجون النساء اليتامى طمعاً في أموالهم ، يأكلونها ثم لا يعدلون فيهن وربما يطلقوهن بعد أكل مالهن ، فلا يرغب بهن أحد ، وقد نهى القرآن عن هذه الحالة فقال : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) فأشفق المسلمون على أنفسهم وخافوا خوفاً شديداً حتى أخرجوا اليتامى عن ديارهم خوفاً من الابتلاء بأموالهم والتفريط فيها .
وقد سأل المسلمون النبي صلى الله عليه وآله عن هذه الحالة الحرجة فنزلت آية : ( ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فأخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ... ) فأجاز لهم أن يؤوهم ويمسكوهم اصلاحاً لشأنهم ويخالطوهم فأنهم أخوانهم ففرّج عنهم .
إذا اتضح ما تقدم ، فإن معنى الآية ( والله أعلم ) : « اتقوا أمر اليتامى ولا تبدلوا خبيث أموالكم بطيب أموالهم » « أي لا تعطوهم ما لكم الرويء وتأخذوا مالهم الطيّب » ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى إنكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات فأنكحوا نساء غيرهن .
وأما نكاح النساء فهو جائز مثنى وثلاث ورباع سواء كان من اليتيمات مع عدم خوف عدم القسط فيهن أو من غيرهن مع خوف عدم القسط فيهن .
ب ـ أن آية النساء رقم (3) يوجد في ذيلها ( وأن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة ) ومعنى ذلك أن الخوف من عدم العدل بين الزوجات المتعددات يوجب عدم جواز التعدد . وهذا الأمر صحيح لأن العدل المراد هنا هو أعطاء حقوق الزوجات من مسكن ولباس وطعام حسب ما فرضه الله للزوجات ، وهذا أمر ممكن ومقدور عليه فان خاف الزوج من عدم هذا العدل ، بأن لا يوصل إلى الزوجات ما يلزمه من طعام وكساء ومسكن فلا يجوز له تعدد الزوجات ، وأما إذا تمكن من ذلك ولم يخف من عدم العدل بهذا المعنى فالتعدد له جائز .
وهذا أما يسمى بالعدل التقريبي العملي الذي لا يوجد فيه ظلم للزوجات ولا تقصير في حقوقهن ، ولا يميل كل الميل إلى واحدة ويذر الآخريات معلقات . وأما الآية القائلة ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ... ) (129) فهي بمعنى أن العدل الحقيقي بين النساء وهو إتخاذ حالة الوسط حقيقة مما لا يستطاع للإنسان تحقيقه ولو حرص عليه ، فالمنفي هو العدل الحقيقي في هذه الآية خصوصاً تعلّق القلب بالنساء فإنه ليس اختياريّاً فلا يتمكن أن يحب الزوجات بحد سواء فهو غير قادر على ذلك لأنه ليس إختيارياً له .
أما العدل الممكن الذي أشير إليه في آية رقم (3) وهو ممكن فهو العدل التقريبي فإذا أعطى الزوجات حقوقهن الشرعية من غير تطرّف فهو قد عدل بينهن فيجوز له أن يتزوج الثانية والثالثة والرابعة .
والخلاصة : أن الآية ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ) لا تنفي مطلق العدل حتى ينتج بإنضمامه إلى قوله تعالى ( وإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة ) الغاء تعداد الزواج في الإسلام كما قيل . وذلك لان ذيل الآية يدّل على أن المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي بينما المشرع لجواز تعدد الزوجات هو العدل التقريبي ( أعطاء حقوق الزوجات من مسكن وطعام ولباس ) وهو ممكن ، فلا تنافي بين الآيتين أصلاً ، وذيل الآية هو : ( فلا تميلوا كل الميل فتذر وهما كالمعلقة ... ) فإن هذا الذيل جاء بعد ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) مباشرة ، فمعنى الآية هو :
1 ـ أن العدل الحقيقي بين الزوجات غير ممكن .
2 ـ الواجب في العدل بين الزوجات هو التقريبي ، أي عدم الميل كل الميل الى أحدى الزوجات فيذر الأخرى مثل المعلقة لا هي ذات زوج فتستفيد من زوجها ولا هي أرملة فتتزوج وتذهب لشأنها .
ج ـ أن الله لا يحب الظلم ولكن معنى الظلم هو التعدي على حقوق الآخرين أو أموالهم . ولكن إلى سبحانه الذي يعلم بمصالح العباد حينما قرر أن الزوج له حق أن يتزوج باكثر من زوجة شريطة أن يعطي حق الزوجة من المأكل والملبس والمسكن والمعاشرة بالمعروف والمبيت ليلة من أربع ليال عندها وغيرها من حقوق الزوجية ، ونفترض أن الزوج قد قام بهذه الحقوق كاملة ولكنه يحتاج إلى زوجة ثانية يقوم بحقوقها أيضاً كاملة ، فلا ظلم ولا تعدي على حقوق الزوجة الأولى ولا الثانية أصلاً .
نعم المرأة الأولى قد لا ترضى بزواج الزوج ثانية ، وقد لا ترضى بزواجه ثانية حتى إذا كانت هي قد ماتت أيضاً إلا إن عدم رضاها ليس هو ميزان ظلمها . خذ إليك هذا المثال : إذا كان زيد الأجنبي لا يرضى بزواج عمرو من هند ، أو لم ترضى أخت عمرو بزواج عمرو من هند وقد تزوج عمرو بهند على كتاب الله وسنة الرسول ، فهل يكون هذا الزواج ظلماً لزيد ؟!! أو ظلماً للأخت ؟!! طبعاً لا يكون ظلماً لأنه ليس فيه أيّ تعدي على زيد أو على الأخت أصلاً ، فكذلك زواج الزوج بزوجة ثانية إذا كان قد أعطى حقوق الزوجة الأولى فهو ليس ظالماً لها وإن لم ترضى بهذا الزواج الثاني .
د ـ إن حكم الشارع بجواز تعدد الزوجات حكم عام ليس مختصّاً بحالة معينة .
نعم قد يفرق بعض الحالات التي تستوجب الزواج الثاني للرجل مثل الحروب التي تقضى على الرجال وتبقى النساء بحاجة إلى زواج مع قلّة الرجال ، وقد يكون الرجل بحاجة إلى زوجة ثانية لقوّة شهوته الجنسية بحيث لا تكفيه الواحدة ، إلا أن هذه الحالات هي بعض حكمة الحكم الشرعي ، وأما علة الحكم التي بسببها قد شرع الحكم فلا يعرفها إلا الله الذي شرّع الزواج الثاني والثالث والرابع لأنه هو الذي خلق هذا البشر وهو العالم بما يحتاج إليه هذا البشر من أحكام قد شرعها له وأوجب عليها تطبيقها .
هـ ـ نعم المرأة في حالات معينة قد تحتاج إلى أكثر من رجل ، وهذا أمر ممكن بوجود زوجها وأولادها وأخوتها وأبيها وأعمامها وأخوالها ، فليس أحتياج أكثر من رجل معناه لا بديّة أنها تحتاج إلى أكثر من زوج في وقت واحد .
ثم أن إحتياجها إلى الزوج ليس معناه أن زوجها إذا تزوج زوجات أخرى (أربعة) فهو ربع رجل ، بل حتى وإن تزوج زوجات أربع فهو رجل كامل يجب عليه تلبية إحتياجاتها بالمعروف .
والحمد لله رب العالمين