و انتهى الحوار و لا اعرف على أي شيء انتهى .. و لكنه انتهى .. و ذهبت طالبا النوم .. و أي نوم يأتي في تلك الأجواء .. كانت الساعة الثانية فجرا .. و شعرت شعور غريب أن اليوم ستكون هناك زيارة جديدة .. فقلت .. في تمام الثالثة .. سأحرص على أن أكون بين يدي الله قائما للصلاة لعل الكابوس ينتهي و ذهبت لأتوضأ و وقفت للصلاة .. و أطلت في قراءة القران و شعرت أنني لابد و أن أكون تجاوزت الثالثة بلا طرقات .. أنها خاطرة سريعة أثناء السجود .. و أنا انهي الصلاة .. و انظر إلي اليمين و اسلم و انظر إلي اليسار .. فإذا بالعجوز مبتسما هادئا يجلس إلي الكرسي الذي كان قد جلس عليه من قبل عندما كان هنا .... لم ادري ماذا افعل .. و قد أعدت البصر مرات .. لا فائدة انه حقيقة .. انه هنا .. وجدتني اجري كالمجنون في أرجاء المنزل صارخا لا لا لا .. و فتحت باب المنزل و هرعت إلي الشارع و ظللت سائرا .. هائما .. حتى أذن الفجر .. فدخلت زاوية صغيرة .. وجدتها خالية .. توضأت و انتظرت ... لا احد غير شيخ يقرأ القرآن .. و أكيد هو إمام المسجد .. و دقائق و قام مقيماً للصلاة .. و وقفت يمينه و بدأنا الصلاة .. و ختمناها .. و بعد الانتهاء .. مد يده مصافحا ... فإذا به الرجل .. مبتسم كعادته .. لم أجد مفر من الصراخ .. و عدوت خارج المسجد .. ماذا هذا يا الله .. مستحيل يكون شيء شرير .. كيف يظهر في بيت الله .. لا لا ... لم اعد اعرف أي شيء ..
ما أوحش شعور الإنسان أن العالم كله لا يهتم بأمره .. أنا أعاني من كارثة ... و لا احد يعلم . . أنا في أكثر لحظات حياتي حرجا .. و لا يوجد من يساندني .. الوحشة .. هي الكلمة التي تصف الحالة أدق من ألف عبارة .. لا شيء سوى التجول في الشوارع دون سيارة .. حتى أشرقت الشمس .. و لم أجد مأوى إلا البيت .. ذهبت و أنا أخشى أن يستقبلني الرجل مرحبا بي .. في منزلي .. دخلت المنزل .. و شعرت انه نظيف تجولت بالغرف حذرا خائفا .. فتأكدت من أن الرجل قرر أن يتركني قليلا لأتأهب للمقابلة التالية ..
لم اعد اذهب إلي الكلية .. أي كلية بالله عليك في تلك الأيام .. جالسا .. شارد الذهن .. أفكر في اللاشيء .. و هداني الله إلي أنني مريض نفسيا و يجب أن اذهب لطبيب نفسي .. و لكن إذا كنت مريض .. فهل رنا أيضا مريضة .. لا اعرف شيء .. المهم أن اذهب لعلني أجد تفسير لكل هذا ..
عيادة الدكتور .. محمد عبد السلام .. أن الاسم يبدو أهلا للثقة .. قد عثرت عليه في دليل الأطباء .. و قررت زيارته .. اتصلت بالعيادة و حجزت .. و ذهبت في الموعد المحدد .. انتظرت .. طويلا .. و من ثم جاءت الممرضة .. لتخبرني أن الدكتور في انتظاري .. و تأهبت للدخول .. و دخلت .. ألقيت السلام .. و لم أتلقى رد .. فلقد صدمتني .. الابتسامة التي تطاردني .. انه الرجل .. يبتسم كالعادة .. و لكن تلك المرة بشماتة .. يرتدي تلك البذلة الأبدية و من فوقها زى الأطباء .. و يجلس على المقعد الوثير .. منتظر دخولي ..
لا داعي لذكر رد فعلي .. فلقد أصبح مملا و مكررا .. انتهى بي الأمر إلي الشارع مرة أخرى .. و بعد عدة جولات بالسيارة .. قررت العودة إلي المنزل .. كنت بحاجة إلي صديق .. رفيق ..
دخلت على الانترنت .. و لحسن الحظ و لسوءة و جدت صديقتي العزيزة .. موجودة .. و عندما دخلت .. سارعت بكلمتها الرقيقة ..
- ازيك ..
- سأجن ... !!
- لماذا كفى الله الشر ..
- لماذا ماذا .. انه موضوع الرجل
- أي رجل .. ؟؟
- رنا ماذا بك .. أنا غير مؤهل لأي نوع من أنواع الدعابات ..
- ماذا بك يا يوسف ..
ثم أردفت كاتبة :
- هل هذا استقبال يليق بي بعد عودتي من فترة توقف طويلة
- ماذا تقولين بالله عليك ..
- أنا منذ شهر لم ادخل على الانترنت .. و تكون هذه هي المقابلة
- شهر .. لقد كنت أكلمك بالأمس ..
- آه .. هل هذه دعابة .. لا اعتقد أشعر و كأنك .. لا تمزح الآن ..
- رنا .. لقد كلمتك أمس و أول أمس .. إلا تذكري موضوع الورقة و الرجل ..
- أي ورقة و أي رجل .. أنا لم ادخل منذ شهر تقريبا ..
لم اعد أتحمل المزيد .. تركت الحوار .. و أخذت بالتجول في المنزل .. لا الوي على شيء .. دامع العين .. في حالة يرثى لها .. كلما صادفت شيء .. حطمته .. لم اعد اشعر بوجودي .. و استيقظت أخيرا .. و كل شيء محطم .. جلست فوق الحطام .. الهث .. و ابكي .. و ابكي .. و إذا بيد تمتد إلي .. انه الرجل .. نظرت إليه و ابتسمت .. و ابتسمت .. ثم دخلت في نوبة من الضحك الهستيري .. اضحك و اضحك و أقهقه و الرجل في نفس الوضع بملابسه المبتلة .. و ابتسامته الهادئة .. فكرت كثيرا .. ثم اتخذت اغرب قرار في حياتي و ربما كان الأخير .. لقد مددت يدي .. أنا الأخر .. فمسك يدي .. و فجأة تلاشى الوجود .. و إذا بي أقف أمام بحر هائج الأمواج لحظة الغروب .. انه المشهد المحبب إلي نفسي .. و إذا بالرجل .. يدعوني للجلوس .. فجلست .. أنا الآن ملكه .. أو بمعنى أدق .. في عالمه ..
بدأت الكلام سائلا :
- من أنت ؟
- ........
- و لماذا أنا ؟؟
- .......
- أين أنا ؟؟
- في عالمك ..
- عالمي .. كيف ؟؟
- ستعرف ..
- كيف سأعرف ..
- ستعرف ..
ثم بدأ الرجل في الكلام :
- أنا شخص قريب جدا منك قريب لدرجة انك لا تراني .. أنا أنت يا فتى ..
- أنا .. ؟؟
- نعم .. أنا روحك .. التي أصبحت عجوز .. أنا رغباتك التي تضاءلت إلي أن كادت تتلاشى .. أنا عقلك الذي كان يتجه بثبات إلي الجنون ..
- كان يتجه .. الم اجن بعد .. اعتقد أن هذا هو عالم المجانين .. و العالم الخارجي ينظر إلي الآن في حزن على ما جرى لي ..
- لا يا فتى أنت لم تجن .. و أنت تدين لي بالفضل في هذا .. لقد اتخذت قرار كان عسير علي .. قررت أن أواجهك كي تفيق ..
- تواجهني .. ؟
- نعم أواجهك .. بحقيقتك الداخلية .. انظر كيف فعلت بي .. هل تعرف ما سر ابتلال ملابسي هكذا أنها دموعك التي لم تجف لحظة و لكن للأسف كنت دائما ما كنت تبكي .. في أعماقك .. حتى و أنت وحدك كنت لا تبكي علنا .. و هل تعرف .. ما سر الضحكة .. انه مظهرك الخارجي .. دائما مرح مسرور و أنت لا تعرف المرح و لا السرور .. و انحناءة ظهري التي هي وليدة عمل عقلك الدءوب الذي لا يقف .. أنت تفكر ليل نهار .. ولا تستريح و أن لم تجد مشاكل تفكر بها .. وضعت المشاكل لنفسك كي تحلها .. لقد أنهكتني يا رجل .. و لكن لم استطع أن أرى روحك و هي تشيب و تموت .. و أنت لا تشعر .. فقررت أن أواجهك ..
انتبهت و للمرة الأولى منذ بداية الأمر .. أن الرجل يشبهني .. انه بالفعل أنا .. اعتقد أنه لو قدر لي العيش حتى بلوغ السبعين .. سأكون هذا الرجل ... هذا يفسر كـــ
قطعت أفكاري و سألت :
- و لكن كيف رأتك رنا ؟؟
- و من رنا ..
- صديقتي ..
- لا وجود لها يا سيدي .. لقد اختلقتها لك علها .. تكون الصديق الذي يخرجك من الطريق الذي تسلكه إلي النهاية و أنت لا تعرف ..
شردت لحظات .. في هذه النقطة تحديدا .. و دارت مجموعة من الأسئلة في ذهني .. كيف أجدها عندما أريد أن أحدثها .. كيف تعرف ما أخفيه .. كيف تشاركني الاهتمامات .. كيف كيف كيف ... كل الكلام منطقي و لا جواب له سوى .. نطقت باقي العبارة بصوت خفيض قائلا :
- أتعني أن لا وجود لها ..
- نعم
- و الورقة ..
- أنها رسالة كتبتها أنت بيدك ..
- أنا ..
- نعم .
- و ظهورك المتكرر و المريب ..
- أنه إعداد للقاء و محاولة مني للإعلان عن تواجدي .. حاولت أن ادخل عالمك كزائر و لكني لم أجد الترحاب ..
- كيف لقد كنت كريم معك ..
نظر لي نظرة ذات مغزى .. و قال :
- أنت أنا يا فتى و اعرف جيدا انك لم تكن مرحب
- ..............................
- و لماذا زيارات الفجر .. ؟
- أنت تحب هذا الغموض .. و الإثارة .. و قررت إلا أحرمك منه ..
- هل تملك جواب لكل شيء ..؟
- نعم ..
- و المشرحة .. ؟؟
- أنت من فعلت هذا .. لا دخل لي ..
- و المطلوب .. ؟
- لقد تم المراد لقد كنت تتجاهل نفسك .. و لقد نجح الاتصال الآن ..
- هل تعني أن الهدف كان هذا الحوار
- تقريبا .. الهدف يا عزيزي .. أن تراجع نفسك .. أنت منذ الحادث لم تعد أنت .. لقد أصبحت شخصا آخر .. يشعر بالغربة و الوحدة .. و أنت مع الناس .. ثم بدأت مرحلة فقد الرغبة في الأشياء و تفريغ الحب من محتواه و نزعات الحزن الغير مبرر .. كل هذا كان كفيل بالقضاء عليك .. لولا فضل من الله ..
بدأت اشعر بكلمات الرجل .. آه اقصد بكلمات روحي .. لقد فهمت المطلوب .. لقد كنت بالفعل في حاجة إلي هذا التواصل .. الكلمات تخترق عقلي و تتردد في أعماقي .. و المعنى يعصف بقلبي .. و وسط هذا كله إذا بالرجل تتغير ملامح وجهه تدريجيا .. و يستقيم ظهره .. و تجف ملابسه .. أنه يتحول إلي شاب .. انه أنا .. يا الله .. لقد أصبح أنا .. نظرت في ذهول .. فقال .:
- لقد شفيت يا يوسف .. لقد نجحت ..
- نجحت .. تعني انك نجحت ..
- نعم أنها البداية فقط ..
حاولت ابتسامه أن تظهر على وجهي .. و لكني كنت أحاول أن أخفيها .. فقال :
- ابتسم .. اضحك .. قهقه .. ابكي .. كن أنت .. و لا تبالي ..
ابتسمت و ابتسمت و ابتسمت ثم ضحكت .. و اهتزت الصورة و بدأ الكون في التلاشي .. و نظر لي أنا .. مودعا إياي .. قائلا :
- أنا هنا دائما من أجلك .. فقط أعطيني مساحة من الوجود لأكون .. أنت وحدك من تستطيع أن تمنحني الحياة .. أنت وحدك .. أنت وحدك .. أنت وحدك .............
ترددت الكلمات في الأفق .. كصدى الصوت .. البعيد و ظهرت الغرفة مرة أخرى .. و الحطام في كل مكان .. نظرت و أنا مازلت مندهش .. و ضحكت و ضحكت .. لقد انتهى الأمر .. انتهى .. الحمد لله .. لقد ولدت من جديد .. لم اشعر بالهواء هكذا من قبل ..
كل ما ينقصني الآن هو أن أعيد بناء نفسي .. و أن انظر للحياة من النافذة الجديدة .. و أن أصلح ما أتلفته .. و هذا هو الجانب الأسهل الآن .. و بدأت في إعادة أعمار المنزل .. و وجدت ورقة .. وسط الأنقاض .. لا اعرف ما الذي جذبني إليها .. و لكني ... قرأتها ..
" قمة العقل و الشعور أن تتواصل مع نفسك فأنت لا تراها و لكنها تعمل من أجلك دائما"
تمت
تقبلو وافر التحيات
شمس الأصيل
منقوولة