قصيدة مع المناسبة و وقفات بلاغية :
قاضى الهوى (2)
وقلت لها:اعتللت بغير ذنب وشر الناس ذو العلل البخيل
ففاتينى إلى حكم من اهلى وأهلك ، لا يحيف ولا يميل
فقالت : أبتغى حكماً من اهلى ولا يدرى بنا الواشى المحول
فولينا الحكومة ذا سجوف ، أخاً دنيا ، له طرف كليل
فقلنا : ما قضيت به رضينا ، وأنت بما قضيت به كفيل
قضاؤك نافذ ، فاحكم علينا بما تهوى ، ورأيك لا يفيل
وقلت له : قتلت بغير جرم ، وغب الظلم مرتعه وبيل
فسل هذى : متى تقضى ديونى وهل يقضيك ذو العلل المطول؟
فقالت : إن ذا كذب وبطل ، وشر ، من خصومته ، طويل
أأقتله؟ وما لى من سلاح ، وما بى ، لو أقاتله ، حويل
ولم آخذ له مالاً ، فيلفى له دين على ، كما يقول
وعند أميرنا حكم وعدل ، ورأى ، بعد ذلكم ، أصيل
فقال أميرنا : هاتوا شهوداً فقلت : شهيدنا الملك الجليل
فقال : يمينها ، وبذاك أقضى ، وكل قضائه حسن جميل
فبتت حلفة ، ما لى لديها نقير ، أدعيه ، ولا فتيل
فقلت لها وقد غلب التعزى : أما يقضى لنا ، يا بثن ، سول؟.
فقالت ثم زجت حاجبيها : طلت ، ولست فى شئ تطيل
فلا يجدنك الأعداء عندى ، فتثكلنى وإياك الثكول !
يدور المحور الفكرى فى هذا النص حول الاحتكام إلى قاض من الأقرباء يحكم فى الخصومة بين الحبيبين ، (جميل وبثينة) ، ووقع الاختيار على إحدى القريبات ، وذكر كل منهما قصته.
وقد بدا النص في مجمله قصة شعرية قصيرة ، احتوت العناصر الدرامية بكل أبعادها ، متضافرة فيما بينها ، مبرزة عاطفة الحب التى ملأت قلبه وسيطرت على مشاعره.
وهو فى بنائه الدرامي لرؤيته الشعرية اعتمد على أسلوب القص والسرد ، والحوار الذي جرى على لسان الشخوص الثلاثة (هما والقاضي) غير أنها جلسة قضائية سرية ، من غير جمهور أو حجاب ، وبالطبع مكان المحاكمة مكان مستور عن العيون ، وهو ما تقتضيه طبيعة العلاقة بينه وبينها.
والقصة كلها من قبيل الخيال الكلى المتنامي المنتظم فى قصة لها بداية ووسط ونهاية ، تعتمد على التسلسل في الأفكار والمعاني ، مما حقق فيها الوحدة العضوية والموضوعية طبقا لمنظور النقد الأدبي الحديث، وهذه القصة الشعرية القصيرة يمكن نثرها كما يلي :
جميل : قلت لها إنك قد تجنيت على من غير ذنب أو جريرة تجعلك تجافينني إلى هذا الحد ، والأجدر بنا الاحتكام إلى حكم من أهلي وأهلك يعدل في الحكومة ولا يجور ، ويحكم بالحق والقسطاس ولا يميل إلى هوى أو شيء في نفسه.
بثينة : قالت : أبتغى قاضياً من أهلي ، يحكم بيننا سراً ولا يعلم بهذه الحكومة أحد من الوشاة النمامين ، ولا العذال اللائمين (فاتفقنا على اختيار الحكم ، امرأة عادلة من قومنا ، وأقررنا بأن حكمها نافذ عادل مقبول ، سوف يذعن له كلانا ويقبله عن طيب خاطر وبدأ كل منا يورد حجته).
جميل : أيها القاضي! إن بثينة قد قتلتني من غير جرم ارتكبته ، ومن غير ذنب اقترفته ، وللظلم نهاية تنصف المظلوم ، وتأخذ فوق يد الظالم ثم إنها مدينة لي ، فسلها متى تقضى ديوني؟ وهل يؤدى المماطلون ما عليهم من ديون واجبة السداد؟
بثينة : (بلهجة ثائرة وبصوت مرتفع حاد) : إن هذا كذب وبهتان وتضليل منه ، وشر طالما حل على منه الكثير ، وكيف أقتله وأنا المجردة من السلاح، ولا حيلة لي ولا قوة في مواجهة حيله وقواه؟ كما أنني لم آخذ منه مالاً حتى يدعى ويزعم أنني مدينة له ، والرأي رأيك يا أميرنا القاضي ، فاحكم بما ترى ، فأنت الصائب فى الرأي ، العادل في الحكم والقضاء.
القاضي : أين الشهود؟
جميل : الله ربى خير الشاهدين.
القاضي : عليها يمين الله ، تقسم بالله أنها بريئة وسوف أحكم لها إذا حلفت (وكل ما يحكم به قاضينا فهو حسن جميل). وحلفت بثينة يمينا قاطعاً ببراءتها من كل ما نسب إليها ، وسدت الطرق أمام آي اتهام صغير أو كبير، يوجهه إليها خصمها جميل.
جميل : قال لها (وقد غلب التعزي) أما آن لنا إعادة الوصل بيننا؟ وما آن أن يلبى مطلبي؟.
بثينة : (بتمنع ودلال) لقد أطلت يا جميل ، وعهدي بك أنك لا تطيل ، وكل ما أطلبه منك أن تكون حذراً فلا يجدنك الأعداء عندي ، فتفتقدني إلى الأبد ، ساعتها سوف أقتل وأنت القتيل.
الحبكة الدرامية كما ترى قد توافرت دلائلها فى هذا النص الشعري، من خلال الحوار الخارجي الذي يسير متناهيا متصاعداً ، حيث تزداد حدته الانفعالية بين الطرفين.
وكـان الحكـي على لسـان الراوي بضميـر المتكلـم (قلت) لأنـه البطـل القصصي والتاريخي معـاً ، فكان بطريقة السرد الذاتي Autobiogt aphical.
وعنصر الصراع واضح فى هذا العمل بين الأمل واليأس ، بين الرغبة والمنع ، وتصل قمة تأزمه لحظة تبادل الاتهامات أمام القاضي المختار ، ثم تجئ الانفراجة حين تخاطبا (جميل وبثينة) وجها إلى وجه ، وقد نحيا القاضي جانباً وأخذ يتلاومان ويتعاتبان.
"وغالباً ما يكون الصراع هو عقدة العمل القصصي ، إذ الحوادث تتلاقى ، وتتلاحم درجات التأزم والتعقد ، ثم يأتى بعد ذلك ما يسمى بالقرار الحاسم ، وهو يشبه الحل في القصة ، ولحظة التنوير في القصة القصيرة أو الأقصوصة
ومن الصراع والحوار تكون هذا العمل الشعري القصصي فى لحمة جميلة ، والحوار والصراع هما أساس القصة وعمادها فالحوار كان بمنزلة الجسد ، والصراع بمنزلة الروح في هذا الإبداع الشعري ، أو كما يقول الدكتور/ عز الدين إسماعيل : "الحوار هو المظهر الحسي ، أما الصراع فهو المظهر المعنوي
وقد كشف لنا الحوار الذي أجراه الشاعر / القاص على لسان الشخصيات عن طبيعة هذه الشخصيات وهويتها وعقيدتها التي تدين بها فالحوار الجاري على لسان القاضي - يكشف عن أنها امرأة حصيفة ذات مكانة في قومها ، وأنها تستقى مواد حكمها من شريعة الإسلام.
فقلت : شهيدنا الملك الجليل
فقال أميرنا : هاتوا شهوداً
وكل قضائه حسن جميل
فقال : يمينها وبذاك أقضى
فالقاضى يستقى مواده القانونية من خلال المعيار الإسلامي في القضاء "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر".
وهو ما يدل على أنه قاض على قدر من العقلانية والتثبت ، وعلى قدر من العدل والإنصاف.
وهو ما يعكس لنا البيئة الإسلامية فى ذلك الوقت ، وكيف رسخت أنظمة القضاء وفض المنازعات بين المتخاصمين فى العصر الأموى.
والحوار على لسان بثينة كشف عن شخصية منظمة فى تفكيرها ، قوية الحجة فى الخصومة وفى الدفاع عن نفسها ، وكشف الحوار فى الوقت نفسه عن طبيعة المرأة فى انفعالها وثورتها.
وشر ، من خصومته ، طويل
فقالت إن ذا كذب ، وبطل
وما بى لو أقاتله حويل؟!
أأقتله؟ ومالى من سلاح
له دين على كما يقول
ولم آخذ له مالاً فيلفى
ورأى بعد ذلكم أصيل
وعند أميرنا حكم وعدل
إنه حوار يكشف عن شخصية صاحبته اللماحة، سريعة البديهة، قوية الحجة، لها المقدرة على تفنيد اتهامات الخصوم والرد عليها جزئية بعد أخرى، وجميل - في نظري - هو أدرى الناس بشخصية (بثينة) وأقدرهم على رسم ملامحها النفسية والعقلية والأخلاقية.
وكل حوار يؤدى إلى تاليه فى إنماء درامية النص حتى يصل إلى نقطة الحل والنهاية ، وقد أدى الحوار المهام المنوطة به فى هذا العمل الشعري القصصي حيث "الاشتراك فى رسم الشخصيات ، وإبراز أعماقها الدفينة وأحاسيسها الكامنة ، وصنع الاندماج والتلاحم بين شخصيات القصة، والتفاعل بينها وبين الأحداث ، كما أدى دوره فى تطوير أحداث القصة وإنمائها وصولاً إلى النهاية أو الحل
الأسلوب والصياغة وقد حقق الأسلوب والصياغة مزيداً من الدرامية وقدراً موفقاً من التعبير الأدائي العضوي.
منها اختياره للصيغ الصرفية الأكثر دلالة على تكثيف المعنى وتهويله ، زيادة على الدلالة المعجمية لمادة الكلمة مثل "اعتل - ابتغى - أقاتل - فاتينى" والاعتماد على الأساليب التأكيدية المختلفة مثل القصر وإياك الثكول - والترادف "لا يحيف ولا يميل" - نقير أدعيه ولا فتيل ، وإن المؤكدة للجملة الاسمية "إن ذا كذب وبطل وشر من خصومته طويل" وتأكيد النهى "فلا يجدنك الأعداء عندي" وهى أساليب تلائم السياق التاريخي والفني ، وهى ترتبط بمحاولات الدفاع أو توجيه التهم ، فيدور التأكيـد إيجـابـا أو سلبا ، ولذا كان ملائما أيضاً الإكثار من النفي والاسـتفهام، إذ الموقف يحتمل الأخذ والرد ويحتمل التعجب والإنكار ومن النفي "لا يحيف ولا يميل - رأيك لا يفيل ومالي من سلاح - وما بى لو أقاتله حويل".
والاستفهام (متى تقضى ديوني؟) للاستبطاء ، وقوله : وهل يقضيك ذو العلل المطول؟ أأقتله؟
الأول استخفاف بها واستفزاز لمشاعرها ، والثاني نفى واستبعاد وإنكار منها للتهم الموجهة إليها ، والأمر للإذعان والتسليم "فاحكم علينا بما تهوى". كما يجئ الأسلوب الخبري فى موطنه الأدائي فهو يأتي إقراراً بعدل القاضي وتسليما بحكمه : "ما قضيت به رضينا - وأنت بما قضيت به كفيل - قضاؤك نافذ ورأيك لا يفيل - وعند أميرنا حكم وعدل - ورأى بعد ذلك أصيل). ويجئ الأسلوب الخبري قبل نهاية القصة فى أفضل مواطنه ، ليدل على عجز المدعى بالحكم المدني (جميل) عن توجيه أي اتهام آخر للمدعى عليها (بثينة) بعد يمينها القاطع المانع أمام القاضي :
نقير أدعيه ولا فتيل
فبتت حلفة مالي لديها
ويتضافر الاستفهام مع أسلوب التصغير فى الملاطفة والاسترقاق حيث قوله :
أما يقضى لنا يا بثن سول؟!
فقلت لها وقد غلب التعزي
كما كان المجاز أسلوباً تعبيريا، فمنه الكناية فى قوله ذا سجوف ، له طرف كليل) كناية عن المرأة المختارة للقضاء.
ومنه التبادل المجازى بين المضارع والماضي حيث قوله : "ما قضيت به رضينا" والتعبير بالماضي بدلاً من المضارع هنا له قيمته الوظيفية لإظهار ما سيكون كأنه كان بالفعل ، دلالة على الإذعان والتسليم المطلق بحكومة القاضي ، وهو ما أضفته اسمية الجملة (قضاؤك نافذ).
ومنها الاستعارة بالفعل (قتلت بغير جرم) وكأن الطعنات المعنوية التي تلقـاهـا من (بثينة) طعنـات بالسـيف كادت أن تودي بحياته، وقوله: "ثم زجت حاجبيها" كناية عن الدلال والرقة.
وتضافرت الموسيقى الخارجية ( بحر) الوافر مع الموسيقى الداخلية ،ومنها الترصيع بالتنوين في قوله: ( ذا كذب وبطل وشر ) يعكس به الشاعر القاص مظاهر الانفعال والاندفاع الشعوري لبثينة أثناء التقاضي حينما اتهما الشاعر بأنها قاتلته وأنها مدينة له.
وهكذا جاءت القصيدة قصة شعرية قصيرة أبدعها جميل بثينة ، تمثلت فيها العناصر القصصية (الدرامية) من الصراع والحوار والسرد والحدث المتنامي والتعقيد والحل والشخوص ، وكل تلك البنائية جاءت دون أن يقصد الشاعر إنشاء قصة قصيرة كما عرفها الأدب الحديث ، وإنما هو قالب فني انتهجه الشاعر ضمن غيره من الشعراء السابقين والمعاصرين له واللاحقين.
وقد جاءت عناصرها التشكيلية موظفة في سياقها الفني فأدت ما عليها ، مع تنوعها وتباينها ، معجماً وأسلوباً وصياغة وتصويرا.
والنص في النهاية دليل على وجود المذاهب الأدبية لدى شعرائنا فى العصور القديمة قبل التقسيم النقدي الحديث للمذاهب الأدبية ، وهو ما يدفعنا إلى الاعتزاز بتراثنا الأدبي ، وإعادة قراءته تحليلاً ونقداً لاستخراج كنوزه وذخائره طبقا للأصول النقدية الأصيلة والمعاصرة معاً.