عرض مشاركة واحدة
قديم 01-11-06, 04:51 AM   #10

الربعاوي
مجموعة رجال

 
الصورة الرمزية الربعاوي  







رايق

رد: الذكرى السنوية الخامسة لرحيل الامام المجدد الشيرازي "قدس سره"


ملامح نظرية المرجع الشيرازي في تطوير كربلاء المقدسة ومناهج الحوزة

بقلم الاستاذ الكاتب : كريم المحروس

K_almhroos@hotmail.com

دعا إلى الجمع بين التعليم الحر والمنتظم ورفض إلغاء المؤلفات القديمة وأيد تجديدها



يشير تاريخ الحركة التعليمية الدينية في كربلاء المقدسة إلى أن تأسيس المدارس العلمية قد شهدا تطورا ملحوظا في هذه المدينة على عهد عضد الدولة البويهي (373هـ) ، حيث أسس عضد الدولة مدرستين تقديرا واحتراما لأستاذه الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي ، ويذكر ابن بطوطة في رحلاته المشهورة إلى أنه شاهد في سنة (737هـ) مدرسة إلى جانب ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) ربما كانت من بين مدرستين بناهما عضد الدولة . ولكن المدارس القديمة هذه لم تستطع أن تضاهي في منهجها ومادتها ومستوى بحوثها العلمية وفنون التدريس المستوى المعتمد في مدارس النجف والحلة وحلب إلا بعد أن غادر إليها المرجع الديني الكبير الشيخ أحمد بن فهد الحلي (756-841هـ) الذي اشتهر بامتداداته العلمية والمرجعية إلى الشام والجزيرة العربية والبحرين ، وعرف بتميزه الفائق في رد الشبهات والبدع والانحرافات في العقائدية المذهبية .

والى جانب الشيخ الحلي برزت أسماء لامعة كان من بينها: الشيخ إبراهيم الكفعمي المتوفى في عام (840 هـ) صاحب كتابي (البلد الأمين) و(المصباح) في الدعاء ، والسيد حسين الحائري المتوفى في عام (910هـ) ، والشهيد الثاني زين الدين العاملي (911-965هـ) . كما برز في حوالي العام (1156هـ) السيد عز الدين الحائري المتميز بدوره الكبير والمهم في الدفاع دون التشيع ومطالبته السلطان العثماني إلى اعتبار اتجاه التشيع مذهبا خامسا للدولة بعد دفاعه المستميت عبر مناظرات ومباحثات جرت بينه ورجال الدين من أتباع اتجاه الخلافة حتى استجيب لطلبه في اتفاق لم يستكمل بعد أن دعي الشيخ الحائري إلى مكة المكرمة واصطف إلى جانب شيوخ المذاهب الأربعة الأخرى لكنه قتل في العاصمة العثمانية بعد أن نقل إليها مكبلا بالأصفاد في عام (1168هـ).

واشتهر من بعد الشيخ الحائري المحدث الشيخ يوسف البحراني (ت 1186هـ) الذي تزعم حركة المحدثين الأخباريين المعتدلة في مرحلتها الثانية من بعد وفاة المحدث الكبير الميرزا محمد أمين الأسترابادي (ت 1033هـ) صاحب (الفوائد المدنية) . ويعد الشيخ يوسف عالما كبيرا اشتهر في كربلاء باعتماده (الإجماع) ضمن مصادر التشريع ، إضافة إلى قبوله بالاجتهاد والتقليد في وقت كانت المؤسسة التعليمية الدينية في النجف تقف إلى جانب الحركة المناهضة للمحدثين الأخباريين التي كان يقود معركتها العلمية والفكرية والبحثية ضد المحدثين الشيخ محمد باقر البهبهاني (ت 1208هـ) من خلال حضوره إلى كربلاء المقدسة ورقيه منبر درس الشيخ يوسف البحراني ومباحثاته المباشرة مع تلامذة الشيخ البحراني على مدى ثلاثة أيام متواصلة نجح خلالها في إقناع ثلثي تلاميذ البحراني بالعدول إلى مبدأ الاجتهاد ، ما يدل على سمو روح التحقيق العلمي ونمو قدرات البحث والتحقيق والمناظرة في كربلاء المقدسة آنذاك.

ومع ظهور مرجعية الشيخ الأنصاري في النجف الأشرف ووفاة الشيخ البهبهاني في كربلاء ، انتقلت زعامة المؤسسة التعليمية في العراق إلى النجف الأشرف ، لكن الحركة العلمية لم تتوقف في كربلاء واستمر تلامذة الشيخ البهبهاني في تطوير دورها العلمي ، وكان من بينهم: السيد علي الطباطبائي صاحب كتاب (الرياض) المتوفى في عام (1231هـ) ، والسيد محمد الطباطبائي المجاهد (1242هـ) . ومن بعدهما نعمت المؤسسة التعليمية في كربلاء بانتقال الميرزا محمد تقي الشيرازي بمرجعيته من سامراء اثر وفاة المجدد السيد محمد حسن الشيرازي (1312هـ ) ليقود من كربلاء المقدسة ثورة العشرين بفتواه الشهيرة ضد المحتل الإنجليزي .

ولم تكن مظاهر الحياة التعليمية في كربلاء مختلفة عن بقية مدارس وحوزات ومعاهد المؤسسة التعليمية الدينية في مناطق أخرى . فهي حلقات ومجالس دراسية تعقد في أروقة الأضرحة والمساجد وكذلك دور الفقهاء ، ويحضرها عدد كبير من طلاب العلوم الدينية يتجاوز الألف طالب . واستمرت تلك المظاهر التعليمية حتى أسست المدارس والمعاهد وبنيت بشكلها النظامي لتقوم بأداء دورها في تدريس الفقه وأصول الفقه والحديث والرجال واللغة والأدب والتاريخ والتفسير وعلم الكلام والطب والفلك وغيره .

وكان من بين المدارس الشهيرة في كربلاء منذ منصف القرن الثامن عشر الميلادي: (مدرسة السردار حسن خان) أسست في عام (1180هـ/1767م) وتخرج منها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ المازندراني . و(مدرسة السيد المجاهد) أسست في عام ( 1270هـ/1854م ) . و(مدرسة صدر الأعظم النوري) أسست في عام (1276هـ) . و(المدرسة الزينبية) أسست في عام (1276هـ) و(المدرسة الهندية الكبرى) أسست في عام (1300هـ) . و(مدرسة البادكوبي) أسست في (1270 هـ/1845 م) . و(مدرسة البقعة) أسست في عام (1250هـ) . و(المدرسة السليمة) أسست في عام (1250هـ) و(المدرسة المهدية) أسست في عام (1287هـ ) و(مدرسة الميرزا كريم الشيرازي) أسست في عام (1287هـ/1870م) و(المدرسة الهندية الصغرى) أسست في عام (1300هـ/1883م) و(المدرسة الجعفرية) أسست في عام (1333 هـ) و(مدرسة ابن فهد الحلي) أسست في عام (1358هـ ) و(مدرسة البروجردي ) أسست في عام (1381هـ) و(مدرسة شريف العلماء) أسست في عام (1384هـ ) و( مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام ) أسست في عام (1381هـ/1961م) و(المدرسة الأكبرية) أسست في عام (1287هـ) و(المدرسة الحسينية ) أسست في عام (1388هـ) و(مدرسة الخطيب) أسست في عام ( 1357هـ/1937م) و(مدرسة الإمام الصادق "عليه السلام" أسست في عام (1376هـ) .

وبرغم هذا التعدد الكبير للمدارس العلمية الدينية في كربلاء في إطار المؤسسة التعليمية الدينية إلا أن ذلك من المميزات المهمة في طبيعة هذه المدارس ، فغالبية الطلاب كانوا يتنقلون بين المدارس بحثا عن المنهج وجودة التدريس والمادة المختارة وكأن أمر الاختيار قد أصبح خاضعا لحركة التنافس العلمي . لكن الأمر الأكثر تميزا في حركة التعليم في كربلاء المقدسة في مثل هذه المراحل الزمنية أن طلاب العلوم الدينية من الشباب أصبحوا يولون اهتماما كبيرا إلى المدرسين حيث يتلقون دروسهم عليهم في الدور والبيوت ، وقد ساعد في دعم هذه الحركة الشبابية وانخراطها بشكل مكثف في التعليم على غير العادة تبني مدارس كربلاء أسلوبي الامتحانات لضبط المعايير العلمية ونظام الحوافز وتقديم الجوائز التقديرية لرفع مستوى الجدية والمثابرة في الكسب العلمي ، وكان ذلك من تأسيس آية الله السيد مهدي الشيرازي الذي ازدهرت في عهده المؤسسة التعليمية في كربلاء ونمت في مناهج تفسير القرآن والبحث الأخلاقي على وجه الخصوص.

إن هذا التعدد في المدارس وهذه الكثافة في الدراسة العلمية في كربلاء يؤكدان على أن الدراسة الحرة كان لها شأن كبير في حركة العلم ، وكانت تؤدي غرضا مميزا ودورا كبيرا في شحذ ذهنية الطالب وتنمية فن اختيار المدرس والمادة في ظل جو علمي تنافسي حميم اتسم بتبادل ونقل الخبرات التعليمية والعلمية بين أجيال العلم ، فكان ذلك من أهم خصائص الدراسة في كربلاء إلى جانب التعدد المدرسي ، ما أثرى المستوى العلمي في هذه المدارس ورفدها بمستوى رفيع من المعارف والخبرات.

وإلى جانب الدراسة الدينية الحرة في كربلاء المقدسة عرفت هذه المدينة الدراسة الدينية الخاصة والمنتظمة التي تميزت بأداء دور توارث العلوم بين الأجيال المشهورة في المؤسسة التعليمية الدينية وتحمل المرجعية وكسب صفتها بكفاءة وأهلية تامة . وكان آية الله السيد مهدي الشيرازي واحد من بين العشرات في العراق الذين تميزوا بمدارسهم الخاصة والمنتظمة والمكثفة في برامجها ولكنها محدودة الوظائف ومقتصرة على علاقات البيت المرجعي الواحد . وكان من بين المتخرجين على هذه المدرسة المنتظمة خريج (المدرسة الأكبرية) آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي المتوفى في عام (1422هـ) وآخر مرجعية دينية إصلاحية عظمى شهدتها المؤسسة التعليمية الدينية في كربلاء المقدسة قبل توقف الحياة العلمية فيها قسرا على يد نظام حزب البعث في عام (1391هـ) .

يقول المرجع السيد الشيرازي (أعلى الله مقامه) في ذلك: "أخذت أتردد على المدارس الدينية وتربيت على يد أساتذة عظام وأعلام في الأدب والفقه والأصول والحساب وغيرها ، وكان أكثر تتلمذي على يد السيد الوالد (ره) . فقد قرأت عنده (السيوطي في النحو) و(الحاشية في المنطق) و(المعالم في الأصول) و( شرح اللمعة في الفقه) و( مقامات الحريري في الأدب) و(المطول في البلاغة) و(خلاصة الحساب في الحساب) . وقرأت عنده في المحاضرات الاجتهادية في (درس الخارج): الرسائل والمكاسب والطهارة والصلاة والصوم والخمس والحج ورسائل متفرقة أخرى ، كما درست بالإضافة إلى ذلك (الكلام في أصول الدين) و(الحكمة في الفلسفة) والجغرافية والهندسة والعروض والتجويد وعلم الفلك وتفسير القرآن الحكيم والتاريخ وعلم الحديث وعلم الرجال والطب وبعض العلوم الأخر . كما تعلمت من اللغات: الإنجليزية والأردية والتركية بالإضافة إلى اللغتين العربية والفارسية .. إن الأساتذة الذين تتلمذت عليهم أكثر من مائة أستاذ "1

وكان من ثمرة تظافر نظام المدرستين (الأكبرية) العامة والمرجعية الخاصة المنتظمة تميز السيد محمد الشيرازي وشهرته بغزارة علمه وبعد نظره واتساع نشاطه في الشأن العلمي والثقافي وعلو أطروحته في تجديد مناهج ووسائل وأهداف الدراسة في المؤسسة التعليمية .

فقد استطاع السيد الشيرازي بجهوده الجبارة خلق بيئية ثقافية واسعة العطاء في كربلاء شدت من رابطة الطالب إلى مسؤولية بناء المجتمع وبناء ذاته بناء علميا مناسبا . وقد عم هذا النشاط الثقافي كربلاء وانتشرت آثار مرجعية الشيرازي ووصاياه في العراق وخارجه .

واتخذ السيد الشيرازي طريقا جديدا لم تألفه المؤسسات التعليمية الدينية من قبل ، فقد أسس (المدرسة الصادقية) التي كانت أولى مشاريعه ، ثم أعقبها بتأسيس أول مكتبة أهلية سميت بـ(المكتبة الجعفرية) التي شيدت في المدرسة الهندية الكبرى . وتابع تأسيس مشاريع كبيرة مسانده لنظام الحياة العلمية والمرجعية في كربلاء كان من بينها: مجلة (أجوبة المسائل الدينية) و(الجمعية الخيرية الإسلامية) و(مؤسسة حفاظ القرآن الحكيم) ، وتبعتها ثلاثون مؤسسة زاولت النشاطات الثقافية والصحية والاجتماعية والتربوية ، و(مؤسسة طبع ونشر الكتب الدينية) التي كان لها سبعون فرعا ، ومؤسسة (هيئات الشباب) و(رابطة النشر الإسلامي) التي تمكنت من نشر نصف مليون كتاب في عشر سنوات . وأصدر عددا من المجلات الشهرية وكان أهمها (القرآن يهدي) و(أعلام الشيعة) و(منابع الثقافية الإسلامية) و(مبادئ الإسلام) باللغة الإنجليزية و(صوت المبلغين) و(صوت العترة) و(الأخلاق والآداب) و(ذكريات المعصومين) و(نداء الإسلام) و(صوت شباب التوحيد) . وإما توزيع الكتب المجانية إلى خارج العراق فكان بخمس عشرة لغة ووصلت إلى خمسة ملايين كتاب . وطبعت ونشرت مؤسسة (شباب التبليغ) مائة ألف كتاب . وإما مؤلفات المرجع السيد الشيرازي نفسه فقد بلغت نحو 300 كتاب صدرت في كربلاء المقدسة فقط . إضافة إلى ذلك استمر السيد الشيرازي في نشاطه التعليمي العام وأقام (درس الخارج) ودروس الفقه والأصول .

ولنا هنا أن نتصور هذا النشاط الكبير في ظل منطقة كانت تعج بأشكال مختلفة من الجنسيات والأعراق والثقافات وفي ظل امتدادات مرجعية أقامها السيد الشيرازي تعدت حدود كربلاء وقسما من النجف الأشرف والكاظمية وسامراء وبغداد لتغطي الكثير من البلاد الإسلامية . ففي مقابل فكرة الانتشار المرجعي التي أرساها المرجع السيد الشيرازي والتزامه بها في كربلاء المقدسة ومن ثم في الكويت وقم المقدسة التي هاجر إليها بعد صدور حكم بالإعدام ضده من قبل سلطة حزب البعث ؛ أضاف قواعد أساسية لتخريج علماء دين ممتازين . وكان من بين القواعد تلك: العمل على تنمية الكفاءة ، وتنمية الرأي الحر ، وتنمية أسلوب وفن المناقشة . وهي قواعد تحل الكثير من المشكلات الذاتية عند طالب العلم إضافة إلى المشكلات الموضوعية التي تتعلق بمنهج الدراسة وأساليبها في المدارس الدينية .

وإما من حيث رفد المؤسسة التعليمية الدينية وتعزيز الدراسة فيها فقد وضع السيد الشيرازي منهجا متكاملا للدراسة الحوزوية ومراحلها المتقدمة والمتأخرة ، ووضع شروحا جديدة لمواد المنهج القديم ككتاب (المكاسب) وفيه ألف (إيصال الطالب للمكاسب) 16 مجلد ، وكتاب (الكفاية) وفيه ألف (الأصول) 8 مجلدات و(الوصول إلى كفاية الأصول) 5 مجلدات ، وكتاب (الرسائل) ألف فيه (الوصائل إلى الرسائل) 15 مجلدا ، وكتاب (شرح تجريد الاعتقاد) ألف فيه (القول السديد في شرح التجريد) ، وكتاب (منظومة السبزواري) ألف فيه (شرح منظومة السبزواري) مجلدين ، و(اللمعة الدمشقية) ألف فيها(حاشية اللمعة) ، وكتاب (العروة الوثقى) ألف فيه (الحاشية على العروة الوثقى) . وألف في الفقه الاستدلالي أكثر من 200 كتاب منها (من فقه الزهراء) 7 مجلدات ، و (النكاح ) 7 مجلدات ، و(الطهارة) 15مجلد ، و(الصلاة) 12مجلد ، و(الحج) 9 مجلدات ، و(الاقتصاد) مجلدين ، و(البيع) 5 مجلدات ، و(آداب السنن) 4 مجلدات . وله في التفسير (تقريب القرآن إلى الأذهان ) 30 مجلد . وله في الحواشي على مؤلفات (القوانين) و(المعالم) و(الكفاية) و(الرسائل) و(التبصرة) و(الشرائع) و(المكاسب) و(العروة الوثقى) . وطور في مادة الفقه بشكل لم يسبقه مثيل من قبل فغطى حاجات المؤسسة التعليمية وحاجات المجتمع في نفس الوقت في أكثر من 160 مجلدا ، وأضاف أبوابا جديدة في الفقه في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة والدولة والقانون والبيئة وعلم النفس والعولمة والقضاء وغيرها .

وقد تجلت رؤية السيد الشيرازي الحضارية في تجديد مواد الدراسة لتشمل كل العلوم انطلاقا من دليل عقلي استوحاه من إحاطة الأئمة (عليهم السلام) بكل العلوم ، وقال في ذلك : "فمن الواجب على مؤسسة الحوزة أن تكون مستوعبة لكل العلوم لا خصوص الفقه والأصول أو العبادات أو المعاملات والحديث والأخلاق والتفسير ، بمعنى أن تكون مستوعبة لأصول كل ما يحتاجه الإنسان في دينه ودنياه ، وليس مرادنا معرفة الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وما أشبه ، وإنما أن تصطبغ هذه العلوم بالصبغة الإسلامية . ومن اللازم أن تجدد ألبسة المطالب العلمية وإفراغها في قوالب تلائم العصر "2.

وإما في أساليب التعليم في المؤسسة التعليمية الدينية فيرى السيد الشيرازي أن تعتمد الأسلوبين: الأسلوب القديم المؤسس من قبل نصف قرن تقريبا والذي يعتمد على نظام الدراسة الحرة ، إضافة إلى الأسلوب الحديث الذي يعتمد على التنظيم والمرحلية والمقاييس المعرفية والتدرج .

وجعل السيد الشيرازي للطالب حرية اختيار المنهج الدراسي الملائم ، فلا غنى عن الأسلوبين في المؤسسة التعليمية الدينية لأن كل واحد منهما له مزاياه ووظائفه، فمن مزايا القديم الحر ميل الراغبين في الدراسة الحوزوية إلى هذا النمط الدراسي ، إضافة إلى أن التجربة أثبتت أن لهذا الأسلوب الحر قدرة على تفتيق الطاقات وإبراز الشخصيات العلمية الكبيرة في عالمنا الإسلامي التي كان من بينها الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى "ولربما لو كانت الدراسة منظمة لما كانت بعض هذه الأسماء اللامعة قد اقتحمت الدراسات الدينية ولما بلغت هذه المستويات العالية من الاجتهاد والتحقيق في الفقه والأصول والتفسير والعقائد ، وحتى في مجالات العلوم التطبيقية كالرياضيات والطب والهندسة . كذلك الأمر أيضا بالنسبة إلى العلماء المعاصرين الذين برزوا كـ(أديسون) وغيره الذين لم يتعلموا في أية مدرسة ، بل تعلموا خارج إطار المدرسة . إلى جانب هؤلاء هناك أشخاص كثيرون لا يتعلمون إلا بانتظامهم في الدراسات المنتظمة ، فإذا لم تكن الدراسة منتظمة فسوف لا يحققون شيئا في حياتهم... فالمعيار هو النتائج "3 .

ويرى السيد الشيرازي أيضا أن الحوزات يجب أن تقوم على ركنين أساسيين هما: التدين والأخلاق ، لأن التدين ينقذ المتعلم من خوض البحوث المدمرة للإنسانية فيحيل نتائج بحوثه إلى ما ينفع البشرية ، كأن يحيل الصناعة الذرية إلى مفاعلات لإنتاج الكهرباء . ويجب أن تقوم المؤسسة التعليمية الدينية على أساس حاجات المجتمع كما تفعل الدول في إعداد وتخريج الموظفين وبقية أصحاب الصناعات .

وغالبا ما كان السيد الشيرازي يكرر في معرض الكلام في مسألة بناء وتخريج الكادر العلمي لخدمة المجتمع ما كانت تمارسه الحركة التبشيرية المسيحية التي لها من المتخرجين في مجالات التبشير ما يزيد على أربعة ملايين مبشرا في مقابل عدد طلبة المؤسسة التعليمية في قم المقدسة مثلا الذي لا يتجاوز الـ30 ألفا طالب. فلا يكفي عدد المؤسسات التعليمية الحاضرة والفاعلة في العالم الإسلامي، "فالتنظيم ينشأ أيضا من إيجاد حوزات عديدة في العراق ، فلا يكفي الاكتفاء بحوزة علمية واحدة في النجف الأشرف أو كربلاء المقدسة مثلا ، إذا لابد من إيجاد حوزات عديدة لكي تستطيع استيعاب اكبر عدد من الطلبة . ولن يتحقق ذلك إلا من خلال شورى الفقهاء ، لأن بناء الحوزة يكلف كثيرا وبحاجة إلى تغطية علمية ومالية تتوقف على وجودات المرجعية "4. من هنا كان السيد الشيرازي يدعو إلى الاستفادة من التقنية العلمية الجديدة والمتطورة في تحسين وتطوير أداء التعليم في المؤسسات التعليمية الدينية وتوسيع نطاق التعليم فيها ، "فلو افترضنا أن هناك ألف عالم دين في إحدى الحوزات ولكل واحد منهم جهاز انترنت لأصبح بمقدور كل واحد من هؤلاء إيجاد حوزة علمية متكاملة ، ولتم عبر هذه الوسيلة نشر الفضيلة والأخلاق وعلوم أهل البيت (عليهم السلام)"5. كما دعا السيد الشيرازي إلى تخطيط المؤسسة التعليمية وتنظيم مستقبلها وتطوير مناهجها ونتاجها العلمي على أن يقوم نظام "شورى المراجع" بوضع هذه المخططات ليتم إعداد الطالب مثلا إعدادا سليما يحدد وفقه مستقبل دراسته ، كأن يتخرج فقيها أو عالما أو كاتبا أو مدرسا أو وكيلا أو غير ذلك . وتشكل "شورى المراجع" هذه مؤسسة علمائية مؤلفة من المرجعيات العامة التي ترجع إليها الأمة "فكان لابد من إيجاد هذه المؤسسة التي لا تنتهي بموت المرجع ، فإذا مات مرجع جاء محله مرجع آخر . علينا أن نستفيد من تجارب المسيحيين الذين كانوا مشتتين إلى مدة نصف قرن تقريبا حتى أنشئوا المؤسسة البابوية التي أصبحت مرجعا للمسيحيين في العالم"6.

لقد ساهم السيد محمد الشيرازي في تنفيذ مهمات نظرية وعملية كبيرة أشار بها إلى كبار علماء الأمة ودعا للأخذ بها على طريق بناء مؤسسة تعليمية دينية حضارية متكاملة المنهج والنظام ، منها: تأليف المادة العلمية المناسبة وشروحها في مواد مختلفة كالفقه والأصول والاقتصاد والسياسة والاجتماع والنفس والحضارة بشكل موسع جدا . والمشاركة المباشرة في تأسيس مدارس نموذجية . وإيعازه إلى بعض تلامذته بتأسيس مدارس وكليات وجامعات ومعاهد تعليمية دينية ودعم منهج التطوير في جوانبها المؤسسية والمنهجية ، كما أصدر توجيهاته وملاحظاته في هذا الشأن من خلال أكثر من 30 كتابا منها: كـتاب (إلى الحوزات العلمية) وكتاب (إلى طلاب العلوم الدينية) وكتاب (هل رجال الدين مقصرون؟) وكتاب (الحاجة إلى علماء الدين) وكتاب (نظام الحوزات العلمية في العراق) و (رسالة أهل العلم) و (كيف ينبغي أن تكون قم المقدسة؟) و(تنظيم الحوزة) و(دور الحوزات العلمية في بناء المجتمع) . ودعا وساهم بشكل كبير في صناعة البيئة العلمية المناسبة عبر المطالبة والعمل على فتح آفاق الحريات بأشكالها المختلفة في بلاد المسلمين وتأسيس المؤسسات العلمية التي تمثل شورى المراجع ، والاستمرار في المحافظة على استقلال المؤسسة التعليمية ومدارسها ومعاهدها عن النظام السياسي غير الخاضع للفقهاء المراجع وتنظيم شأنها ودعم ونشر مشاريعها بحيث تغطي حاجات المجتمع كافة .

ولا يأخذ السيد الشيرازي بفكرة إلغاء بعض المؤلفات القديمة المهمة في طرح المناهج الجديدة في المؤسسة التعليمية الدينية ، انما كان يدعو إلى تجديدها وفق نسق حديث كما هو الحال بالنسبة لكتاب (الكفاية) الذي يعده السيد الشيرازي كتابا قيما في مادته ودقة أسلوبه ، فليس بحاجة إلا لوظيفة إخراج بأسلوب جديد مع تطوير طريقة تدريسه بحيث تكون ملائمة للعصر . كما يدعو إلى إضافة مادة تفسير القرآن في المؤسسة التعليمية الدينية لتأخذ بعدا أساسيا شبيها بمادة الفقه والأصول . وكذلك إعادة تطوير مادة الفقه لتشمل المستجدات في مجالها وتتناسق في إسلوبها ومضمونها والحاجة الحضارية الضرورية لها كأن تبحث المادة هذه شؤون الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتربية على أن تدخل إلى جانب هذه المادة مواد أخرى من علوم معاصرة . من هنا أضاف السيد الشيرازي ضمن منهج المؤسسة التعليمية الدينية التي كان يدعو لإنشائها مواد جديدة إلى جانب المواد القديمة ، منها "مجموعة من الدروس الجديدة مثل: علوم القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي والاقتصاد والسياسة والعقائد ونهج البلاغة والثقافة الإسلامية واللغات الحية كالإنجليزية والفرنسية حيث أن إدخال مثل هذه الدروس الجديدة والحديثة إلى مناهج الحوزة أحدث تغييراً نوعياً في تأهيل الطلاب علمياً وعملياً ، مما يمكنهم من التفاعل مع الطبقات المثقفة في المجتمع ، والتفاعل مع الثقافة المعاصرة ، والإجابة إلى مختلف الإشكاليات الجديدة التي تطرح في وقتنا المعاصر" 7 .

وقد أخذ عن السيد محمد الشيرازي وتصوراته ونظرياته ورؤاه ومنهجه في المؤسسة التعليمية الدينية من حيث الإصلاح والتجديد كبار تلامذته ، كان من بينهم كل من آية الله السيد حسن الشيرازي مؤسس أول وأكبر حوزة علمية في مدينة دمشق سميت بـ"الحوزة العلمية الزينبية" ، وآية الله السيد صادق الشيرازي متبني أول جامعة إسلامية حديثة عاملة في كربلاء المقدسة سميت بـ"جامعة أهل البيت (عليهم السلام) العالمية"، وآية الله السيد محمد تقي المدرسي مؤسسة حوزة علمية جامعة بين المنهج القديم والنظام الحديث سميت بـ"حوزة القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)" ، ويعد هؤلاء العلماء الثلاثة من أبرز تلامذة السيد الشيرازي إلى جانب أخيه آية الله السيد مجتبى الشيرازي صاحب المنهج والرؤية الأصولية الحديثة في إشاعة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) -الذين لازموا حركته العلمية في كربلاء المقدسة وساروا على نهجه خلال هجرته القسرية إلى الكويت وإيران بعد صدور حكم بالإعدام ضده من قبل حزب البعث في العراق ، فكان لكل واحد منهم منهجه الخاص ورؤيته الخاصة في بناء المؤسسة التعليمية الدينية ومنهجها الدراسي في دائرة تقسيم أستاذهم السيد محمد الشيرازي للدارسة الدينية بين الحرة والمنتظمة ورؤاه في الإصلاح.

-----------------------------------------


[1] - كربلاء المقدسة . السيد محمد الشيرازي . ص3- 1991م

2 - نظام الحوزة . السيد محمد الشيرازي . ص9- 1415هـ

3 - نفس المصدر السابق . ص11

4- نفس المصدر السابق ص 17

5 - نفس المصدر السابق ص17

6 - نفس المصدر السابق ص17

7-التجديد في فكر السيد محمد الشيرازي . عبد أحمد اليوسف . ع 34 . ص 112
__________________

الربعاوي غير متصل