السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ظلت مسرحيات سعد الله ونوس وعلى مدى ثلاثة عقود , الأكثر جدلا والأكثرإ ثارة للنقاش ,لا لكونها تطأ المناطق المحرمة فحسب ,وإنما لأنها تلامس الهموم السياسية والاجتماعية وتغوص في اوحالها – واقول في اوحالها – لأنها هكذا فعلا رجراجة وشائكة ومزمنة في آن واحد, وجرحها مفتوح ينزف بلا أنقطاع .
[align=center]سعد الله ونوس
في مسرحيته الأخيرة (( ملحمة السراب )):[/align]
صورة مجتمع هش ونحولات وحشية
• إذا كان في مسرحياته الأولى ينزع نحو الإنساني المجرد , مع علاقات اقرب إلى الدلالات العائمة منها إلى العياني أو المجسم , فإن سعد الله ونوس ومنذ (( حفلة سمر من أجل 5 يونيو )) الشهيرة اختار المسرح الذي ينفتح , وبلا حدود على السياسي والاجتماعي والراهن , وإن بدا هذا الراهن مقنعا أو مرحلا إلى الماضي .
ولم يقف ونوس عند حدود الكتابه كفعل إبداعي , وإنما سار في أتجاه مواز, هو التنظير المسرحي حيث وضوح الرؤية يقترن بالممارسة العملية وحيث الحلم – وإن باعد بين الرغبة والواقع – يلون المستقبل .
في سنوات الصمت – التي كف فيها الكاتب عن الكتابة – ربما كان التأمل فيما أنجز فرصة لمعاينة ما يجري , من خارج المشهد , وامتصاص وتمثل مركز التحولات وفروعه , أو ربما أن الصمت كان أفضل من مجرد الكتابة ؟
والمتابع لرحلته , منذ منتصف الستينيات وحتى الآن , يلاحظ أن الكتابة المسرحية , بالنسبة إليه ارتبطت بما يمكن تسميته بالمشروع أو البيان الذي يفضح عن الرؤى , وإيا كان موقفك من بياناته وآرائه المسرحية مكابداته في وقت أو في أوقات لا يحفل فيها المجتمع بفن له سمات وملامح جدية في حين يصفق للمثير والمهيج والسطحي باعتباره (خفيف الظل ))لا يصدع الرؤوس ولا يصيب الزيت على النار ؟
في مجلة (( الحياة المسرحية ))وفي فرقة المسرح التجريبي تحقق بعض الحلم . ولاكن اى مشروع لا يمكن أن يستمر , ويصل الى غاياته إذا لم يكن متناغما مع النسيج المحيط به , الذي إن كف عن تغذيته انتهى كل شئ .
المرحلة هي المرحلة , ومن السذاجة تفسير أو تأويل أي أنجاز بمعزل عن الشرط أو الظرف الذي رافقه .
في السنوات اثلاث المنصرمة أنهك المر العضال جسد الكاتب , إلا انه لم يطفئ روحه , وبدلا من الاستسلام والرثاء اشرع الكاتب قلمه في وجه الموت وراح يكتب . لعله أحس أن الكتابه انتصار وأن الكتابة حياة . وإذا غيب الموت وجوده وألغاه – ولسوف يفعل الشئ ذاته معنا – فأن الكتابه لا تموت , فهي وحدها القادرة على مواجهة الزمن , العدو السطوري للأنسان .
في مسرحياته الأخيرة نفق طويل لا تفلح الشموع في اضاءته وانهيار لايشبه الانهيارات السابقة, أو خلالها في المسرحيات السابقة , انه شامل والضحية ليست فرد او فئة أو شريحة , بل الفضاء الذي يتحرك فيه برمته , يحترق ويتشظى ويتمزق . لعل الكاتب أراد أن يهبط الى القاع ليغوص وينبش ويعري , مؤثرا أماطة اللثام عن الواقع على الجمالية وتجلياتها المشهدية أو اللغوية ( الحوار ) لاكنه يعزف بالمقابل عن الخطاب المباشر والعرض الآلى للواقع .
يبدو سعد الله ونوس في مسرحيته الجديدة وكأنه لا يكتب نصا مسرحيا بقدر ما يكتب شهادة على واقع عاشه وما زال يعيش تحولاته التي يصفها بامتوحشة القاسية .إنه في ((ملحمة السراب ))يمسك بتلابيب الواقع , مسقطا كل ما يمكن أن يشوش على هذة الشهادة من بناء درامي , إلى لغة مسرحية منتقاة بعناية , الى أمثولة تنسحب على الفضاءات كلها , والأزمنه كلها .
هكذا يقف الكاتب هذه المرة وجها لوجه مع الواقع وهكذا يسمي الاشياء بأسماءها , ويلقي بالأقنعة جانبا . إنه يستدرج أدواته الفنية الى الواقع , الى ما يشهده وشهده , ما يعتقده انه الكتابة – الضرورة السراب هنا , هو سراب الانفتاح , الخديعة الكبرى التى انطلت وقد تنطلي على الأنسان العربي الذي يبيع أرضه وعرضه مقابل وهم, بالتحضر والتقدم والرفاة . يفتح الاستهلاك شدقيه ليبتلع كل شئ >> فكثرة البضائع تولد الحاجة لدىالأنسان , حتى ولو لم يكن محتاجا والجميع يشترون .. عيونهم فارغة <<
في الفصول الخمسة التي تتألف منها المسرحية والتي تتوزع على عناوين يشدد الكاتب على أهميتها , بأعتبارها الهكيل الذي تنهض عليه سيرة السراب , لوحة متكاملة الأبعاد لقرية هشة تعصف بها سياسة الانفتاح فتخلخل بناءها الاجتماعي والأخلاقي والجمالي والاقتصادي , وتلقي بها في بحر من الفوضى والقتل والوحشية .
في الفصل الاول يعود عبود الغاوي للمرة الثانية من المهجر إلى قريته ليتسلى ويستثمر وينهب ويشعل حريق الفتنة تحت يافطة التقدم والحضارة والمشاريع المربحة ! من يقاوم الرفاة والثراء القادم مع المغتر بابن القرية , إما مجنون أو فقير ! والترغيب حينا والترهيب أحيانا , سلاح عبود الغاوي إلى جانب الغاوي هذا خادم من طراز رفيع ذو فلسفة في الحياة . إنه يشبه نفسه بالسيد ميستوفليس , الشيطان الذي أقنع العالم فاوست بأن يبيعه روحه ( مقابل المعرفة الكلية والمتعة الكلية ).
وقد جعل ونوس من هذة الشخصية شخصية براغماتية , تنمو في تربة خاصة في وسط خاص يتلائم وأجواء المسرحية الانفتاحية دون أن تفقد الشخصية هذه بعض تشكيلها الفني , أي تخييلها , إذا صح هذا التعبير , الخادم إذن في ملحمة السراب يفلسف ويخطط وينفذ . إنه الشيطان الذي يسكن عبود ,إ نه وجهه الآخر , ربما غير المعلن.
وإى جانب هذين الشريرين ثمة شخصيات كثيرة ( قد تكون شخصيات المسرحية من أكثر شخصيات ونوس عددا )تكاد أن تقف على مستوى واحد بعيدا عن الأصطفاف الهرمي العمودي أو الأفقي المنبسط.
وفي الطرف الآخر تقف الزرقاء مريم التي تخبر عما ياتي وكأنها تراه أمامها .
الزرقاء إحالة الى المرأة العربية الجاهلية التي عرف عنها أنها كانت ترى على مسافة عدة أيام ومعها فاطمة التي هجرت زوجها – بعد أن أيقنت أنه غرق في مستنقع الانفتاح – والتحقت ببسام المعلم المستقيم النزيه في القرية والذي لم يتخل عن دوره التنويري حتى النهاية .
في كل شخصية رغم كثرتها عالم خاص . وجوه متعددة تفاصيل مشغولة بعناية ولعل الأهم في ذلك أن الكاتب لا يستسلم إلى التفاؤل كحتمية تاريخية , فمصائر هذة الشخصيات ليست بائسة فحسب , وإنما دموية : هكذا يكون مصير لزرقاء .
وفي الفصل الثاني : تباع الأراضي ويقتل قابيل هابيل وتتغلل الفتنة وتسري في أطراف المدينة وفي الفصل الثالث , يتسارع إيقاع التحول الانفتاحي المزعوم وعاصفته " الجديدة " تفترس القرية الهشة .
وفي الفصل الرابع ينهار كل شئ يبيع الشاعر الفنان ابنته الشابة وتتحجب وتتحجب الأم التي أنكسرت أحلامها بالحب والثروة.
وفي الفصل الخامس تكتمل ملحمة فصول السراب .. يهرب عبود بالأموال التي جناها مخلفا وراءة الآف الضحايا الذين يذبحون بعضهم , بعد أن يستيقضوا على الحقيقة المروعة : فقدوا الأرض والزوجات وصار عليهم أن يدفعوا ثمن الهواء الذي يتنفسونه ..!
إنه وهم الثروة الذي يفعل هذا كله , في القرية الصغيرة الوادعة لاكن وهم الثروة هذه اقترن بالأنفتاح وحلول الحرية المزعومة .
كيف يتحول المكان في ملحمة السراب إلى مكان يتأرجح بين التشكيل والزوال ؟ إنه مكان بلا ملامح هجين غريب إنه يشبه تماما الشخصيات التي تتحرك فيه وكأنه يعيد صياغتها وتعيد صياغته ..في مرحلة ما قبل التحول إلى مجتمع قروي سياحي استهلاكي , كأن المكان الوجه الحقيقي للششخصيات . كان عاريا , نظيفا , تلقائيا .
يتحول المكان بتحول الشخصيات وعلى الرغم من أن ونوس لا يعير تشكيل المكان , في مسرحياته اهتماما كبيرا ويترك للمخرج هذه المهمة , الإ أنه حرص هنا , ولوبأشارات بسيطة على تجسيم المكان وحضورة.
أماا لزمن الذي ظل متداخلا . من حيث الفاعلية والدلالة في المسرحيات السابقة فإنه يبدو هنا وحيد الجانب بلا دلالات مركبة . أو أقنعة إنه الزمن الحاضرالذي لا تستقيم شهادة الكاتب بدون توهجه وسطوته في الشخصيات المؤثرة فعلا والحاضرة فعلا, في الذاكرة , شخصية ياسين المغني والشاعر الشعبي الذي سكنته الرومانسية زمنا طويلا قبل أن يسقط في فك عبود الغاوي , السيد الأنفتاحي .
كان يقول الكلمة الصادقة يحرك الشعر فيمضي في جنبات القرية يخلع عليها قصائده البسيطة . كان محاربا بالسوقية والجهل والقسوة , لا كنه كان ينجح في كل مرة في الخروج من هذه الدائرة عبر لقائه بأبنته التي درجت للتو , على درب الشباب . زوجة يعرف خيانتها , والذي لا يعرف له نهاية هو عالم ياسين.
كنت الأغنية والربابة الطعم الذي ابتلعه الفنان . الأنفتاح يحترم الفن الشعبي . هكذا روج عبود لبضاعته الفاسدة في المجالات كافة , واقتنع الفنان بأن أبواب السماء قد أصبحت مشرعة أمامه فراح يغني ويكتب ويعزف ..!
كيف يمكن لعبود أن يقدر الفن الشعبي , أو الذاكرة الشعبية وهو الذي يحاول دفن كل ما يميت إليها بصلة!
غنى ياسين على أنغام ربابته لاكن أنغام الأورغ والغيتا ر سحقت أنغامه وتجاوزاتها , فشعر بالمهانة وتشرب الذل بعد أن استدان واستدان وغرق في بحرمن إدمان السكر.
وهكذا وقف أمام خيار تاريخي وحاسم بالنسبة إليه , أما أن يزوج أبنته الشابه اليافعة للرجل الكهل عبود أو يدخل السجن.
وركز الكاتب ومنذ البداية على ثنائية الأب الطيب , الشاعر والابنة الشابة , المعجبة بموهبة الأب والمتعاطفة مع ضعفه الإنساني.
الأب الذي تتيبس الكلمات على شفتيه ويمتلئ فمه ماء والابنه التي تدرك ما يجري في الأعماق والذي ترجمه الدموع والنشيج رجل يفقد ذاته ..فنه .. مبادئه ..ويتهالك أمام أبنته وابنته توصد الأبواب في وجه حب برئ قد يطرق بابها في اية لحظة إنها توافق على أن تهب جسدها لرجل يفترس الروح قبل أن يفترس الجسد.
الفنان يهوي يسقط سقوط الضحية التي تملقها الجلاد , حتى صدفته.
مريم الملقبة بالزرقاء تميط اللثام تكشف المستور عن الآتي : " ستخيم على القرية غواية لا تقاوم ..أبصر الناس وكأنهم سكارى فقدو البصائر والضمائر ..مقامات تنهار وأعراض تباع "
" أرى أشجارا تخلع خضرتها تتفحم .
أرى ثعبانا يقيأ فئرانا .
أرى مطرا من الأشياء الملونة والنفايات تصير أشياء ونفايات"
في كلمات حافلة بالدلالات , تعري الزرقاء الواقع الذي سيكون العقول الضمائر العهر يملأ الشوارع والأشجار تحترق . السماء مطر مواد استهلاكية مختلفة , التشيؤ ظاهرة تملأ الأفاق . هذه هي صورة المجتمع الانفتاحي كما يرسمها سعد الله ونوس , أقرب الى السريالية في بعض خطوطها لاكنه الوقع الذي يفوق الخيال , أو كما عبر عنه هو بقوله : " لا اذن سمعت ولا عين رأت "
لماذا يلتقط سعد الله ونوس هذه الصورة اللوحة لقرية ذبحها السراب ولماذا يقترب من الحياة اليومية بعيدا عن الاحالات التى أشتهر بها في معظم أعماله ؟ثم لماذا هذا الحرص على اللغة العادية , التى تلامس في بعض الحوارات العامية المفصحة والتى تزداد دراميتها على حساب أدبيتها ؟
إذا كانت الشهادة كما قلنا السبب الرئيسي فإن الرغبة في قول كل شئ ومباشرة والأحساس بأن الزمن محدود وأن ما ينبغي أن يقال كثير وكثير سبب من أسباب هذه السيولة المسرحية التى أدهش بها الكاتب- وهو يستقوي بطاقته الروحية على مرض قاتل – قراءه ومتفرجيه.
(( ملحمة السراب )) ترصد التحولات الوحشية التي تعصف بمجتمعات هشة لم تقف على أقدامها بعد , حيث الإنساني والجميل ينقرض.
لوزة