
لقد بدت ساعات طقوس النهاية تمضي ببطء ثقيل غير مرغوب فيها من قبلنا ، فلم نعد نكترث بهذه المناسبة الحزينة المؤلمة مع أنها للمريض عالم من الأمل الممزوج بالشوق لنظرة تحنو عليه من أحد أقرباءه .
إن هذه اللحظات تعادل كل الوجود لديه ، إذ يتمنى أن يدرك فيها ما عجز عنه العمر كله , أراد أن يرتوي من العاطفة وان يغرق في الحنان كما يشعر الطفل بدفء العاطفة والحنان لدى أمه .
أراد أن يمارس كل أشكال الطقوس والعبادات التي ربما لم يكلف نفسه عناء البحث عنها والعمل بها ذات يوم وقد هجرها وهجرته منذ زمن بعيد .
إنني لم أكن سعيداً حينما رحل إلى عالمه الجديد على سرير بارد , وإن تصدق عليه مجموعة من الممرضين أو الممرضات ببعض الحنان أو العاطفة ، فهم يمارسون اداء واجبهم الانساني وفقاً لما تقرره اللوائح والقوانين الطبية ولكنه قد اطمأن إلى جثمانه أنه ستجرى عليه كل مراسيم الدفن بكل تفاصيلها ، بينما نجد أم خصص لها أبناؤها غرفة في منزلهم ووضعوا بينهم وبينها سوراً من العقوق والجفاء يفوق سور الصين العظيم فما استطاعت بصوتها الواهن أن تخرق ذلك الجدار .
لقد استغاثت بأحدهم ولدي حبيبي إنني راحلة , أريد أن أودعك واحتضنك وأن تضع راسي في حجرك وأن تلقنني تراتيل الذكر ، وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة ويخفق قلبها ببطء ، تتمنى شبحاً لولدها أو خيالاً له ، ولكن حتى هذا أصبح محالاً, وترحل إلى العالم الآخر ولم يودعها احد ، لم تكن على فراش ولا غطاء ، لم تكن تعلم أنها ستمضي يوماً ملقاة على الأرض بعد موتها فلها أبناء سيشعرون بفقدها ,لقد مضت ساعات اليوم التالي ولم يلتفت المقربون لها ومضى اليوم الثالث ولم يقصدها أبناؤها عند ذلك رفضت الصمت وكل أسوار الوهم فصبت جام غضبها تشكو عند جيرانها ما ألم بها , لم ترفع سبابتها أو تحرك بنت شفة , بل انبعثت رائحة جثمانها( النتنة) إلى أرجاء حارتها و جلدت كل من يقترب من نافذتها ، فساورهم الهلع والفزع منها وغدوا يتقيئون ألم الجفاء والعقوق .
موسى العاشور