هل ولاية الفقيه آخر المطاف؟
يطرح الأستاذ توفيق السيف في كتابه نظرية السلطة في الفقه الشيعي هذا التساؤل ليحاول البحث عن إجابة وافية عليه بعد عرض لمسلسل تطور الفكرة متتبعا نشوء الدولة وأنواعها مرورا بفكرة الدولة في الإسلام ثم نظرية السلطة في الفقه الشيعي مركزا بحثه لفكرة السلطة عند الفقهاء بعد عصر الغيبة.
الدولة البويهية هي أول من فتح الباب لدخول العلماء إلى جو السلطة والتفكير في أحكامها بعد انقطاع دام طويلا بسبب الصراع الذي أثمر عن انفصام السياسة عن الفقه، وبطش السلطات المتتابعة بالشيعة أدى إلى اعتزال الفقهاء للشأن السياسي وبالتالي سبب اهمال المجاميع الفقهية لهذا الموضوع.
كانت السلطة في البدء يعبر عنها بالسلطة الغاصبة، وذلك بسبب ارتباط الفكرة باغتصاب الخلافة من أمير المؤمنين (ع)، ثم انتقالها من ظالم لظالم أموي وعباسي، وهذه الفكرة - اغتصاب الخلافة - اجلت البحث في هذه الحيثية كثيرا، حيث أن منصب الإمامة كان منحصرا نصا في الإمام علي وبنيه (ع).
لكن تطور الأحداث غير بعض الأفكار، لأن مسلسل التغيير لابد منه، والبداية كانت بقيام الدولة البويهية (334هـ) التي أدى قيامها إلى طرح تحديات فقهية جديدة تتمثل في ظهور فرص تولي بعض أهل العدل ولايات في ظل الحكومة القائمة، التي وإن لم تكن شرعية من الناحية الفقهية، إلا أنها أيضا لا تمارس القهر والظلم ضد الشيعة بل ربما أتاحت فرصة لتحقيق بعض المقاصد الشرعية التي لا تترك مع إمكان التوصل إليها، ومهد هذا لطرح المسألة المعروفة في الفقه بـ (عمل السلطان)، والمقصود به (عمل المؤمن واليا عند السلطان الغاصب وتحت ولايته) ص100، ( ويمكن اعتبار ما كتبه الشيخ المفيد في كتابه (المقنعه) أول معالجة فقهية للموضوع ) ص102.
ثم وبدخول الشريف المرتضى لهذه الساحة وهو نقيب الطالبيين بعد أبيه، إضافة إلى أنه ينتمي إلى عائلة وثيقة الصلة بالسلطة، وتعتبر رسالته في عمل السلطان ( أهم وثيقة فقهية في باب عمل السلطان، في فترة التأسيس تلك) ص106.
لكن هذه الدولة لم تصنع ما صنعته الدولة الصفوية من قرب العلماء وطرح الأفكار الفقهية المتعلقة بالموضوع، لما كان عليها من ملاحظات، ولما عاشته من صراعات حتى مع الدول الشيعية ( الحمدانية، و الفاطمية).
إذا بدأ البحث بفكرة التفويض أو الإذن بالتعامل مع السلطان أو (عمل السلطان) في حكومة المتغلب، ثم (شهدت المسألة تطورا هاما على يد أبي صلاح الحلبي (373- 447) الذي رغم اختصاره موضوع الولاية ( العمل لدى السلطان الجائر) إلى حدود القضاء، إلا أنه طرح مبدأ جديدا، مضمونه أن ولاية القاضي في هذه الحالة، تستمد مشروعيتها من كونه نائبا للإمام المعصوم) ص112.
وقد استمر الحديث فقط عن النيابة في القضاء، إلا أن المحقق الحلي (602-676) طور الفكرة أكثر حيث أنه ( قرر للفقيه الجامع للشرائط صفة نائب الإمام بالأصالة، وبالاستقلال عن توليه لأي منصب فعلي من مناصب الإمام) ص116.
الدولة الصفوية (907) حركت الماء الراكد ودعت العلماء إلى البحث في أفكار جديدة تتعلق بوضع قانون لتعامل الفقهاء مع السلطان، وقد كان للشيخ الكركي الأثر الواضح في النيابة السياسية لأنه مارسها عمليا بصفته (نائبا للإمام).
ثم جاء دور ا لدولة القاجارية (1796) التي كان من أبرز علمائها الشيخ جعفر الجناجي (كاشف الغطاء) الذي اشتهر بنشاطاته السياسية.
بعد الدور المهم الذي قام به الكركي وطوره الجناجي، جاء دور الشيخ أحمد النراقي في القرن الثالث عشر، لينتقل بدور الفقيه إلى مستوى جديد، فمع أنه انطلق من الأسس ذاتها التي انطلق منها أستاذه الجناجي، لكنه تجاوزه حين أقام تنظيرا مستقلا لنيابة الفقيه عن الإمام، وأعطاها للمرة الأولى مسمى (ولاية الفقيه) ص154.
ومنذ ذلك اليوم أصبحت هذه العبارة (ولاية الفقيه) العنوان الرئيسي لدور الفقيه، في البحوث الفقهية المتعلقة بالموضوع.
ويشير المؤلف إلى أن ( تأسيس نظرية (ولاية الفقيه) على نيابة الفقيه للإمام المعصوم، هو أبرز نقاط ضعف النظرية، وهو السبب الذي جعل عددا بارزا من كبار الفقهاء يعارضونها، تلك المعارضة مبنية على الفارق بين الإمام والفقيه...) ص200.
وبعد نقاش طويل يستغرق صفحات عدة حول الإمامة والرئاسة وولاية الإمام وولاية الفقيه ومناقشة أدلة القائلين بالولاية المطلقة وذكر أدلة من خالفهم، يقول المؤلف ( ظهر من اختبار أدلة ولاية الفقيه، صعوبة الجزم بها كمصدر نهائي أو وحيد لمشروعية السلطة، وإذ ذاك، فإن الطريق مفتوح لاقتراح خيارات بديلة، موازية لها أو متقدمة عليها) ص258.
من هنا يقترح المؤلف طريقة أخرى نستطيع أن نطلق عليه (حكومة التعاقد) أو (السلطة باعتبارها وكالة عن المجتمع).
وهي حكومة تقوم على أساس تعاقدي بين المجتمع وأفراد يقومون بمهمة اجتماعية هي خدمة المجتمع من خلال إيجابية تتمثل في (جلب الإحسان) وسلبية تتمثل في (دفع الفساد) ص269.
ويجعل أساسها العدل فـ (العدل أساس الملك).
ولكي تستمر المعاملة يقترح المؤلف:
1/ ضرورة وجود صيغة واضحة لتحديد طبيعة العلاقة بين المتعاقدين.
2/ بما أن الأمر يقوم أصلا على توافق عقلائي بين طرفين، فلكل منهما وضع ما شاء من الشروط التي تضمن حقوقه.
(هذا الترتيب يقتضي، بالضرورة، شرطا ضمنيا، هو بقاء المجتمع صاحب اليد العليا، ومالكا للسيادة الأصلية، وأن استمرار هذا التوكيل، رهن بالتزام الهيئة المعنية - الحكومة - للوظائف التي وكلت فيها ومنحت الأجر مقابل القيام بها، فشرعية قيام هذه السلطة وعملها، مرهون باستمرارية التوكيل المذكور، وعلى هذا جاز للمسلمين عزل الوالي، إذا ظهر منه ما يخرج ولايته عن أغراضها الشرعية أو يطعن في كفاءته لتولي المنصب) ص292.
ملاحظتان:
1/ بالرغم من تشتت التاريخ وصعوبة التنقل بين أحداثه إلا أن الأستاذ المؤلف استطاع أن يصيغ بحثه التاريخي بسلاسة قل نظيرها، وبلغة جميلة تسهل على القارئ التنقل برشاقة بين نقاط البحث المتسلسلة.
2/ مما يحسب للبحث قوة التوثيق واختلاف المصادر ( عربي، فارسي، إنجليزي).
بقي أن نذكر أن عنوان الكتاب: نظرية السلطة في الفقه الشيعي.
المؤلف: توفيق السيف.
الطبعة الأولى 2002م
عدد الصفحات 320 مقاس 17×24.
الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - المغرب.