محمد عبدالرحمن الزامل
[align=center]
اختان, اضافة الى رابطة النسب, جمعتهما ممارسة الفن التشكيلي، اصيبت احداهما بمرض الزمها فراشها، مالبث ان تحول الى اكتئاب اسود, امتلأ ذهنها بأنها ستموت عند سقوط آخر ورقة من اوراق شجرة عصف بها الخريف, كانت تسهم النظر اليها من نافذتها.
شاطرهما العمارة ذاتها, فنان عجوز, احب الفن, لكنه لم يصل يوما الى رسم لوحة ترضيه, وكان يقول قبل ان يبدأ رسم اي عمل فني: انه العمل الذي سيكون حديث العالم. دخل ذات مرة الشقة التي تسكنها الأختان الرسامتان, سأل عن الآنسة المريضة, فأجابته الصحيحة منهما, انها تردد هذا اليوم كله انها ستموت, لأن الشجرة لم يبق فيها الا ورقة واحدة, وحين تسقط, وهي لا شك ستفعل الليلة بسبب هذه العواصف, سيكون هذا انذار رحيلها.
في امتداد الليل كله, بقيت المريضة تراقب الورقة التي اخفتها الظلمة, ولما بدأ الفجر يبزغ, انتابتها نوبة من الذعر, فقد تأكدت ان الورقة قد سقطت, وانها ستلفظ انفاسها الاخيرة.
لكن ما الذي تراه؟ يبدو ان الورقة لم تسقط, هدأ شيء من روعها, وقالت: لعل الله وهبني يوما جديدا, وتكرر ذلك ليالي ثلاثا, ولم تسقط الورقة, بل وصارت اشد اخضرارا, استعادت المريضة استقرارها النفسي, وبالتالي صحتها بالكامل!
فرحت الفتاتان الفنيتان , ومع ذلك فقد افتقدتا الرجل العجوز, سألتا عنه, اخبرهما احد سكان الحي: شاهدته في ليلة شديدة البرودة والهواء, يتسلق تلك الشجرة, معه ريشته والوانه, بعدها اصيب بسعال شديد, فارق بسببه الحياة قبل ان يطلع الفجر.
كانت تلك الشجرة هي ذاتها الليلة التي اعتقدت فيها الفتاة المريضة انها ستموت, دفع الفضول الفتاتين لزيارة الشجرة, لتريا ماذا كان يفعل العجوز على هذه الشجرة ليلته الاخيرة؟
كذلك تلك الشجرة هي ذاتها الشجرة التي ادامت الفتاة المريضة النظر اليها حين مرضها, وحين نظرت الفتاتان الى الورقة الاخيرة, وجدتا ان الورقة الخضراء الاخيرة لم تكن ورقة حقيقية, انما ورقة مرسومة بالوان خضراء زاهية, على جذع الشجرة بدلا من الورقة الحقيقية التي كانت سقطت بالفعل تلك الليلة. لقد فعلها العجوز الفنان وفي ليلته الاخيرة رسم عمله الفني الخالد الذي سيبقى بالفعل حديث العالم, والذي انقذ به حياة انسانة من الموت والاكتئاب.
لقد تذكرت هذه الحكاية التي كتبها القصصي الامريكي او هنري ...
وانا ازور مرسم الفنان التشكيلي
الاستاذ/حسين المحسن.
اما العلاقة بين الحكاية, ومرسم حسين, فهو ما عبر عنه شاب لم يبلغ العشرين بقوله: حينما تعرفت على الاستاذ حسين, عادت لي الثقة في مجتمعنا.
لم يكن الشاب من هواة الفن التشكيلي, ولكن الفن الأصيل, يبعث الروح في الانسان من جديد, ويدير الأكسجين في حنايا المجتمعات.
الاستاذ/حسين المحسن واحد من الفنانين الأصلاء, الجولة في مرسمه, تلامس اعمق المشاعر, قال لي والده ونحن نجلس معا في المرسم: انه كما يعبر الشاعر بكلماته, فإن حسين, ومنذ سنواته الاولى, يعبر بالوانه عن مشاعره, ثم راح الوالد يرينا جماليات الوان حسين, ويبدو انه لم يفقد الاندهاش امام الوان ولده, بالرغم انه يراها كل يوم, فكثره المساس لألوان حسين يحيى الاحساس!
بدأت قصتي مع حسين, حينما زرت في احدى الليالي, معرض التراث العربي في الخبر, وتجولت فيه, لم تستوقفني سوى لوحات معدودة, وعلى الرغم من تعدد الفنانين الذين يضم المعرض اعمالهم, فقد كان كل ما استوقفني الفنان واحد هو حسين.
الاستاذ جمال المشرف في المعرض, لما رأى اهتمامي بأعمال حسين, طلب مني الانتظار, ثم اخرج لوحات واعمالا اخرى لحسين, كانت لوحات بتقنيات عالية, وفن رائع, وكانت مجموعة يغلب عليها اللون الاحمر, اخذني العمل.. واحسست انعكاس الألوان يملأ بشرتي بالحرارة.
لايزال في ثلاثينياته, ومجتمعه ينتظر منه الكثير, فوجود مثل حسين بيننا, يضفي على اشيائنا بعدا جماليا, يبعث الحياة في الاشياء من جديد.
حين نراهن على ان يوجد بيننا مثل حسين, فإننا نراهن على بث الأمثل في حنايا مجتمعاتنا من جديد.
الأمل: ريشة فاعلة لتشكيل الحياة!
[/align]