اخواني الأعزاء :
أرجو قبول مشاركتي هذه وهي عبارة عن قص ظريفة حدثت من احد ظرفاء ديرتي ، يمكن هي لا تمثل لكم شيئ ، ولكن فقط من باب المداعبة والطرفة المضحكة ، فأرجو القبول ، مع اعتذاري لطولها :
---------------------------
قصة من ظرفاء الدراز ...
الحاج علي المسموم رجل من الدراز ينظم إلى مجموعة الظرفاء الفكاهيين الكثيرين في هذه القرية الطيبة ، أخوه المرحوم خليل المسموم الذي مرت قصته مع الراديو المحروق ، علي المسموم يمتلك من الروح المحلقة الخفيفة الظل الشيئ الكثير وبعمق كبير وبتلقائية غير محدودة ، سريع البديهة في الاستجابات للمواقف ، وهذا يدل على ذكاء هذا الرجل ، ،
علي المسموم نحيف الجسم ضئيل القامة ، بصره ضعيف جدا لا يكاد يرى من حوله ، ولكنه مثابر على عمله .
استأجر له ( صندقة ) صغيرة تقع أسفل سلم خشبي كبير في الزاوية الغربية الشمالية لسوق اللحم القديم والمطل على سوق الخضرة القديمة في وسط المنامة ، موقعها الحالي فندق نصف القمر المشاهد لفندق صحاري من الشرق .
الحاج المسموم يبدأ عمله الصباحي بتبكير النارجيله حيث يجلس متوكئا على رجليه النحيفتين ويمد يديه ( يهبش ) بحثا عن الدوة أو البنقلة ، ويوقد له نارا مع الفحم الأسود . يمسك النارجيلة ليمارس معها معزوفة النفيخ والشهيق ، فتخرج موسيقى يترنح له قلبه فتلتصق خدوده اليابسات مصفقة مع بعضها ، ودخنة عميقة محبوسة في فمه تخرج من فمه وأنفه كلما توقف برهة لتستقيم المعزوفة بشكل متوازن ، بعدها يخرج ما في جوفه من دخان عميق ، كدخنة منجم فحم ، فحين ما ينتهي مرتويا يضع قلمة النارجيلة التي يجذب منها الدخان على خده كأنما يقول لها قد اكتفيت وشكرا ، وهي عادة لكثير من المدخنين ، فها هي ساحرة القلب توضع في زاوية الصندقة لحين خطب ودها بعد خمس أو عشر دقائق أخرى لتعود حليمة لعادتها القديمة ، فتكون تلك الصندقة دخنة في دخنة وتساوي ( برابك ) ..
يعود المسموم إلى جلسته مرة أخرى عند باب الصندقة على هيئة نصف جلسة وعلى رجليه النحيفتين ودرزن من الجح المتوسط ونصف درزن من البطيخ البحريني أخرجها من الداخل ووضعها على مدخل الصندقة ، يرتقب من يقول له على الأقل السلام عليكم ، بكم هذه الجحة أو البطيخة ، ( كوة ، معونة ... ) ولكنه لا يسمع إلا أصوات بائعي الخضرة والشراة وأصوات بعض الغنم المتكررة وصوت بقرة بين فترة وأخرى تدلع لسانها بصوتها المدوي ( امبآآآآآع ) ، فكلما سمع الحاج المسموم صوت البقرة رجع إلى آلته الموسيقية ( النارجيلة ) ليمارس طقوسه معها . صوت البقرة هي المنبه الوقتي له ،،
الحاج المسموم لم يدر إن معه مستأجر آخر في تلك الصندقه يأكل ويشرب مجانا وقد انتفخت تلافيفه وغدى كطبل منفوخ ، لم يشعر إلا بملامسة رجليه ، ونداوة ماء الجح السائل من بعض الزوايا وبرائحة القشور البطيخية التي آل على نفسه بتثقيبها ، وكأن هذا المقيم قد أدرك ضعف حالة الرؤيا لدى الحاج المسموم فآمن واطمأن بإقامة مستديمة وبعقد طويل المدى حتى إشعار آخر أو استبدال هذا المشروع في ذلك الفندق العجيب فندق البطيخ والجح الأحمر ، إنه حارس الصندقة الفأر العجيب ..
جاء رجل يقود ثورا سمينا فلم يجد موقعا إلاأن يربط الثور الراهي في خشبة قوية خارجة من صندقة الحاج المسموم ، وبسلام المعرفة المتعود عليها، وبفحوى قبوله باستضافة الثور لحين رجوع ذلك الرجل من شراء بعض المستلزمات ، ومن ثم عرض هذا الثور للبيع والمساومة .. الثور الراهي كأنه تعرف على شخصية الحاج المسموم فأراد أن يؤدي له التحية بأشكال مختلفة ، فمرة يركل برجليه المتينين على الأرض كأنه يقول له ( سلاآآآآم خذ ) فيصطلب المسموم في مكانه واجما خائفا مرتبكا لا يستطيع الخروج من الباب ، ومرة أخرى يهزّ رأسه لتلامس قرونه بخشب الصندقة فتنبهت قوته ويتيبس في مكانه ، وهو يقول متحلطما ، ( يامن شراء له من حلاله علة ) والفأر يمارس تثقيبه للجح والبطيخ ، ضاحكا من موقفه ،، ، وما كادت تلك البقرة البعيدة تدلع لسانها بذلك الصوت إلا وتأهب للنارجيلة لكنه يجلس مكانه متيبسا لا يقدر الوصول لها ما دام الثور يؤدي له التحية بطريقته الخاصة ، وتزداد كثافة الحركة وخاصة بعد سماعه لصوت تلك البقرة ، وهو يقول ( ويش اسوي انافي عمري ، وين اروح على راسي ؟؟ والله غربال اتغربنا بهلبلوى ، الناس اتبيع وتشتري وانا زبايني الفيران والبقر والغنم ولفوّاره بعد ؟؟ ... )
من سمع الثور تحلطم الحاج المسموم كأنه قال : الجلسة أمام هذا الحجي ما تييب فايدة ، الظاهر عليه ( فقر في فقر ) لازم اشوف لي حل لأصل لتلك البقرة ،، قام الثور بثورة هائجة فمرة يضرب برجلية الشارع ، ومرة يحك بقرونه الصندقة التي لخلخها ، ومرة يصدر صوت كأنها صافرة إنذار ، ومرة يضرب برأسه الخشب ، ومرة يميح بجسده الضخم عليها ، والمسموم ( متزيبك ) لا يدري كيف يتصرف، يحاول يخرج من باب الصندقة ، فمبجرد يخرج رجله اليمنى يعفر الثور فما تراه إلا ودفع بجسده النحيف للوراء ، ثم ما يلبث بإعادة المحاولة بحذر وتحسس شديد يسبقه الثور كي يرعبه ويقوم بجعجعة الصندقة يخضها خضا عنيفا متواصلا ،، فتزدات حركته بسماعه صوت البقرة ، ها هو الصوت يخرج مرة أخرى ، وأخرى ، وأخرى والثور يلخلخ الصندقة بكل قوة ، بكل جرأة ، وبعنف غير عادي ، ازدياد ، هيجان بقوة التمايح ، يمنة ويسرى ، وباستخدام القوة الباطشة ،، والمسموم يقول : راحت لرواح ياعلووه ،،، راحت لرواح .. آه ، أه يابويي ،، إلحكوونييي، إلحكوووننيييي تعالوووا ياليواد ، اسمعوني ياليوآآآاد ،، ياليواد وين أولي على رأسي .. الصوت والحركو تزداد ، أنين المسامير ، بكاء الخشب ، تمايل الأخشاب ، حزيز الحبل ، طقطقة التكسر ، ،، الموقف مرتبك ، الشعور يزادد توتر ، القلب يعلوه النبض الصدر يخفق من زفير وشهيق ،، ، الصندقة تتمايح ، الصندقة تتأرجح ، تتحرك ، تتحرك ، أكثر ، فأكثر ، ،،
هي الآن تنسحب ، لا ، لا ، لا ، الصندقة تمشي ، تمشي والمسموم في الوسط قد انكشفت له السماء ، وبانت الشمس والضياء في الصندقة ، نظر يمينا ، شمالا ، أمام وراء ، لم يعد يسمع الثور ، يا إلاهي ، ياربي ويش صاير ، لايكون هرب بصندقتي هذا الضوء في عيني قوي لا يكون انشالت الصندقة ، فزع من مكانه قائما بصورة غير إرادية هب يتحسس أخشاب الصندقة بشكل ملفت للنظر ، لم يجد إلا الجح والبطيخ يتعرقل فيهم ويسقط ، والفار حين أحس الخطر فر هاربا وقد ألغى إقامته فورا وأعلن الرحيل ، هنا صرخ المسموم ، ياليوآآآد ، الفور هرب بصندقتي ، الفور شال صندقتي ، إلحكووونيييي، ،،،
الثور الهائج طار بالصندقة ، وسط الشارع والكل يركض وراءه وصوت الخشب يدوي ، والناس في ضحك وفي عجب واستغراب ، دهشة ، تسمر
في الأرض ، ضحك ، قهقهات ، أصوات متداخلة ، ازدياد في الكثافة ، ابتعاد لا إرادي ، ومن بعيد تنحشر الصندقة في أحد الجدران فتتكسر بعضها ، وتظل ردهة كبيرة يجرها ذلك الثور وسط الهياج ، ، والمسموم يركض معهم بإحساس الأقدام واصوات النعلة ، قد اختفى في الزحام ، وغاب صوته في الهياج ، غترته افتلت وديست بالأرجل والأقدام ، يركض على إحساس الصوت ولا يدري أين الأتجاه ، مجموعة اتجهت في ممر ضيق ، وأخرى في طريق مغلق ،، وأفراد في اتجاه معاكس يفاجأون بثائرة لم تخطر على البال ، ومن بين الجوانب تسقط مجموعة من الأفراد ، حيث دب الخوف والفزع ، وعدم إدراك الموقف الحاد ، فهناك هندي قد سقط على الآرض وطار إزاره المعتاد ، وهناك آخر قطعت زنوبته ولاد بحائط وجدار ، توقفت السيارت والشاحنات ، وارتبك المرور ، فما تسمع إلا الأبواق ، وما تلحظ إلا الصراخ ، إلحقو ، الحقو، ، أغلقت المتاجر الأبواب ، تنثرت الأغراض والأدوات ، كيف يتم إيقاف الثوار المغوار ، من يستطيع الوقوف أمام هياجه والكل خلف النوافذ والقضبان ، واامسموم قد سجل في محضر الأرقام قصة أعجب من الخيال ، وواحدة من نوادره لا ينسى لها بال ، قد حفرت في الذاكرة يروي بيانها الأستاذ ، ملحمة أخرى ينظم عقدها لديرتي الدراز ،، والثور سجل قضيته في محكمة الأشخاص ، غابت الصندقة وراحت افلوسك يامسموم ..
أخوكم : القلم المتأمل
: القلم المتأمل وقصص من ديرتنا :
السبال وهمباية المرحوم أحمد صغير
ثور وليمة الأستاذ سعيد يموت قبل ليلة الزواج
بيت شعبانوه / موت بشات وانتصار فأر
مهدي سمعوه والحلم الجميل !!
سبع مائة روبية قيمة سيارة السيد
من غلب الراديو لو خليل المسموم ؟؟!!