New Page 1
قديم 05-01-09, 09:22 PM   #1

لولي
عضو نشيط

 
الصورة الرمزية لولي  







رايق

Ico35 علــــــــي الاكــــبر أبن الحـسين (عليهم السلام)...


حياة علي الأكبر(عليه السلام)

(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
القرآن الكريم


((.. أشبه النّاس خَلقاً ومنطقاً وخُلقاً برسولك وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه))
الإمام الحسين (عليه السلام)

((.. لا .. إنّ أولى النّاس بهذا الأمر - ويقصد الخلافة - هو عليّ ابن الحسين بن علي بن أبي طالب: - جدّه رسول الله، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أُمية! وزهو ثقيف)).
معاوية بن أبي سفيان - أثناء اعتراف ذاتي


في ذروة المجد
الهاشميون:
رفض الإسلام أية مفاضلة أممية أو قبلية، وأية مبادرة حتى للتصنيفات الفردية، بمعزل عن المعيار الذي قدره القرآن والمقياس الذي أعلنه، كركيزة لا نحيد عنها عند المفاضلة والتصنيف، إنه مقياس الإيمان، ركيزة التقوى.
ولو أن مشروعاً منصفاً للتفاضل أقيم وعلى مستوى النسب بين فروع العجم وقبائل العرب، لما فاز به غير الهاشميين. إذ لم يكن اعتباطاً أو جزافاً خروج صفوة العرب وأعيان الأُمة الإسلامية وأعلامها منهم، وعلى رأسهم يقف زعيم هاشم وعميد العروبة، سيد الأُمة والإنسانية محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
اختاره الله تبارك وتعالى، من الشجرة الهاشمية بالذات لأنها أقوى عوداً وأعمق جذوراً وأكرم شرفاً وأمعن أصالة .. وما كانت إرادة السماء لتفرط بعملها وبعثة نبيها من موقع عادٍ ونسب بسيط قليل الشأن بمضمونه وطهارته، أو بشرفه عند الناس وسمعته وعلو منزلته، حتى إذا ما أعلن النبي دعوته مثلا للقبائل والبشر قابلوه بمؤاخذات على أصالته نسباً حيث أصله الرديء، أو سيرتهِ حيث وصمات ماضيه..
ما كان الله سبحانه، ليزيل باطلاً ويقيم محله حقاً، بصرح قوي يتوخى اعتبارات المستقبل، وذلك بأيدي ضعيفة قليلة القيمة، بل كان حتماً ترشيح الأيدي النزيهة القوية الكفوءة، قبل تقرير النتيجة.. ترشيح العائلة العاملة بجميع أعضائها وضمان كونها ذات موقع جليل، قبل تقدير الثمرة المصطفاة.
ويؤكد هذا - بما لاشك فيه - تكرار المعنى، وارداً في جملة من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بشأن اختيار الله لهاشم ثم عبد المطلب، ثم عبد الله، ثم هو، شخصه الشريف حيث رشح بلا منافس كصفي ومصطفى، ثم علي أمير المؤمنين وكل أهل بيت النبوة وفق عملية أمينة للاصطفاء .. والأحاديث كثيرة(1).
ولقد انحدر علي الأكبر (عليه السلام)، من أعلى تلك الشجرة، من فوق شموخها الأشم، كواحدٍ ممن خضع للترشيح الإلهي، والانتخابات وفق إرادة ليس لها معارض، انه جاء إلينا عضواً نزيهاً عاملاً ضمن مجموعة حزب الله وجند الرحمان، من خلال مروره ((بالاصطفاء)) حسبما يصطلح القرآن الكريم..
ولا مراء فيما تلعبه الوراثة من دور فعال في تكوين الشخصية، فضلاً عما يلعبه البيت بتربوياته السليمة السامية من أدوار في البناء الشخصي، حتى ليتجلى كل من معالم الوراثة ومعالم التربية على شخصيته في سيرته من خلال نشاطاته وفعالياته الرسالية، وهذا ما لاحظه الشاعر في علي الأكبر: جمع الصفات الغر وهي تراثه:
في بأس (حمزة) في شجاعة (حيدر) بإبا (الحسين) وفي مهابة (أحمد)
وتراه فـي خلـق وطـيب خلائـق وبليـغ نطـق كالنبـي (محمـد)


والده:
عند التحدث عن أي شخصية مهما كانت، لا بد من الرجوع للحديث عن أسرته، لاسيما والده ووالدته، فثمة صلة هامة ورابطة خطيرة بين الحديثين، للوقوف على الحقائق ولإماطة اللثام عن واقع الشخصية المعنية .. نظراً للدور الأبوي الفعال في الشخص، بدءاً من كونه نطفة، ومروراً بمراحل التكوين، حتى الولادة فالتربية والتهذيب .
من ذا الذي يجهل والد سيدنا علي الأكبر، كلنا يعرفه، وكلنا يجهله، نعرفه بالاسم وببعض الأمور، ونجهل حقيقته الكاملة.
ان الإمام سبط الرسول الحسين بن علي صلوات الله عليهم، ليس أباً فحسب، وليس بمستوى الأبوة فقط، انه فوق ذلك المستوى بما يمثله من إشراف على الأُمة بكل أبنائها وبناتها، وبما يتبناه من قضايا أبناء الأُمة ودينهم الإسلامي الحنيف في بعده المستقبلي.
هذا الأب العظيم من شأنه - دونما جدال - أن ينجب ابناً بمثابة أُمة من الناس، أن ينجب من يكون نوراً ونبراساً، وقائداً وقدوة..
وعليه فلا نستكثر على ذلك الإمام إنجاب القادة ورجال العقيدة، وهو الإمام الذي تمكن من أن يصون شعوب الإسلام، ويحفظ الأُمة العملاقة مع دينها ومبادئها الخلاّقة.
ولا نريد هنا أن نتكلم عن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) فهذه الصفحات خاصة بولده ونجله فقط، كما أن الحديث عن الإمام لا يعدّ محاولة هينة ويسيرة بناءً على أنه ليس شخصاً عادياً يصح عنه الكلام كيفما اتفق الكلام، وإنما هو شخص امتزجت فيه المبادئ، فجسدها عملاً على أرض الواقع، انه صاحب رسالة وسيد قضية.. رسالة ممتدة من رسالة جده الرسول الأعظم، وقضية تبرعمت من شجرة قضية جده النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبعد : فانما نتجنب الخوض في الحديث عن الإمام سيد الشهداء فلسعة مهمته الرسالية التي يلزمنا التحدث فيها وعنها، ولبعد وظيفته الإلهية، ورحابة طرحه لقضيته .. وأخيراً فلأنه حقق عملياً - وعلى المدى البعيد - للأُمة ما لم تستطع كل الأًمة تحقيق بعضه..
***
ذلك هو الوالد والأب والمربي الصارم القويّ، معلم الأُمة، الذي أنجب للانعتاق والتحرير طاقات نورٍ متمثلةٍ بالشخصيات المضيئة التي اخترقت أستار الظلام عبر عصور الظلم والاضطهاد ووسط تفاقم الأوضاع..
أخذ الإمام الحسين عن جدهِ ((مدينة العلم)) ثروة من العلم والحكمة، وثروة من السمات البالغة في السمو...أخذ الإمام الحسين عن أبيه ((باب مدينة العلم)) وافر العلوم والامتيازات، أبوه أمير المؤمنين عليّ الذي ارتشف من نفس منهل النبي صلى الله عليه وعليهم أجمعين.. وراح الحسين بدوره يوزع ما عنده دون أن ينقص مخزونه أو ينضب ويفيض بما لديه على أولاده الأطهار والتابعين له بإحسان ((وكل إناء بالذي فيه ينضح)).
كان حسين رحيماً ورحمة للمؤمنين، فكان علي الأكبر يشاطر والده في هذه الخصوصية الرحمانية.
كان حسين قاسياً وقسوة على الكافرين والمنحرفين، فكان على الأكبر حليف والدهِ، صارماً لا يلين.
كان حسين ثائراً وثورة يأبى الضيم عزيز النفس، وكان نجله مثله ولا يختلف عنه شديد التمسك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حريصاً جداً على الجهاد المصيري..
وكان الإمام الحسين حسيناً بجميع حسنيات الإسلام، وكان نجله علي الأكبر علياً رفيع المقام، يحذو حذو أبيه، حذو الحقائق بعضها وراء بعض.. ولو أن رجالاً وشباباً عاشوا مع الحسين(عليه السلام) بعض الوقت وبعض العمر لما انفكوا عن تأثيره الرسالي الخطير، فكيف يكون تأثر نجله به اذن؟ وكيف ستكون طبيعة الأثر والآثار وهو فلذة كبده، المنحدر من شامخ صلبه الطاهر؟ (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)

والدته السيدة ليلى الثقفية:
أما والدته فهي السيدة ليلى الثقفية، وهي عربية الأصل كما يوحي نسبها إلى بني ثقيف ذات الشهرة والصيت الذائع في الطائف وكل البقاع العربية..
السيدة ليلى هذه نالت من الإيمان والحظوة لدى الله سبحانه وتعالى بحيث وُفقت لأن تكون مع نساء أهل بيت النبوة، تعيش أجواء التقى والإيمان، وتعيش آلام آل الرسول وآمالهم، وتشاطر الطاهرات أفراحهن وأتراحهن، وقد ظفرت بتوفيق كبير آخر، حيث أضحت وعاءً لأشبه الناس طراً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .. فهي امرأة رشيدة، جليلة القدر، سامية المنزلة، عالية المكانة، رفيعة الشرف في الأوساط الاجتماعية، كيف لا وهي زوجة سبط سيد المرسلين وسيد شباب أهل الجنة أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).
ونرى أن من الضروري التحدث عن أبيها عروة بن مسعود الثقفي كما سيأتي بعد أسطر.
أما والدة ليلى، فهي ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، أي أن أبا سفيان يعد جداّ لليلى، بيد أن شوائب أمية لم تمس من ليلى أو تؤثر فيها، بقدر تأثير العنصر العربي الثقفي فيها.. ونسبتها هذهِ لبني أُمية كانت مسوغاً للجيش الأموي بكربلاء كيما يستميل علي الأكبر إلى جبهته بأسلوب مضحك هزيل وبمحاولة فاشلة، وسنقف عليها في القسم الثاني من هذه الدراسة المتواضعة..


أبو مرة عروة بن مسعود الثقفي:
من المعروف تاريخياً أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بذل كثيراً وحرص على الصدع برسالته الخلاّقة، وكانت الطائف هي أحد المراكز التي قصدها (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن المعروف جيداً مبلغ المعاناة من جراء جهل أهل الطائف لهذا الداعية المحرر، فقد عاد النبي من الطائف وهو متعب ومخضب بالدم..
فلم يستجب لدعوته أحد قط، سوى رجل واحد تبع أثره ولحق به، لا يعرف غيره، ثمّ أنه اتصل به فأسلم وحسن إسلامه، ذلك هو قطب ثقيف، والد السيدة ليلى، التي لا يعرف ما إذا كانت مولودة أو غير مولودة في تلك الفترة.
أنه (1) ((عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، واسمه قيس بن منبّه بن بكر بن هوزان بن عكرمة بن حصفة بن قيس عيلان الثقفي. أبو مسعود، وقيل أبو يعفور شهد صلح الحديبية )) وكني بأبي مرة..
فعروة بن مسعود الثقفي، زعيم من زعماء العرب، وسيد ممن ساد قومه فأحسن السيادة، وهو رابع أربعة من العرب سادوا قومهم، كما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قول حول عروة، والثلاثة الآخرون، وهو قوله:
((أربعة سادة في الإسلام: بشر بن هلال العبدي - وعدي بن حاتم - وسراقة بن مالك المدلجي، وعروة بن مسعود الثقفي))(2).
وعلى هذا فان مركز عروة في المجتمع العربي، مركز رفيع مرموق، وذلك قبل أن يُسلم ويعلن إسلامه، بحيث بلغت منزلته عند العرب مبلغاً متزايداً حتى بالغوا به فتطرفوا إذ عظموه تعظيماً على حساب محمد ذي الخلق العظيم، وعظموه ليجعلوا منه شخصية تضاهي النبي الأعظم.. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في موقف معروف، إذ حكى عنهم ما قاله أحدهم - الوليد بن المغيرة - على سبيل المقارنة الفاشلة:
(قَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)(3)

والمقصود من القريتين هو مكة والطائف، أما المقصود من العظيمين فيهما، فهو القائل نفسه- الوليد بن المغيرة- بمكة ويعني بالثاني عروة الثقفي بالطائف، كما عن قتادة وورد في الإصابة والاستيعاب ذلك..
أجل كان عروة شخصية مرموقة، لكنه أبى أن يزعم العظمة كغيره مثل ابن المغيرة وأمثاله، وكان شجاعاً وجريئاً بحيث أنه صمم على أن يدعو قومه للإسلام حالماً يعود إلى الطائف وهكذا كان .. فبعدما أسلم على يد الرسول الذي تبع أثره من الطائف وأدركه قبل دخول المدينة، وبعد أن تمكن الإسلام والإيمان من قلبه، استأذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كي يرجع لهداية قومه.
((وسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم، وكان فيهم محبباً مطاعاً، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام فأظهر دينه رجاء ألا يخالفوه ________
1- أنظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب ـ لابن عبد البر ، ق 3 ج 3 ص 1066 ـ 1067 طبعة مصر.
2- انظر نفس المهموم للشيخ القمي .
3- سورة الزخرف : 31.
لمنزلته فيهم، فلما أشرف على قومه(1). وقد دعاهم إلى دينه- رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله-)).
ومن إيمانه ورضاه وقناعته بواجب الصدع بالرسالة مع تحمل دفع الثمن باهظاً أنه أجاب بجواب واضح اليقين حينما سألوه ((وقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال : كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلاّ ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يرتحل عنكم))(2).
هذا وكان من حسن الهيئة كالمسيح عيسى: ((وكان عروة يُشبَّه بالمسيح عليه السلام في صورته))(3). وكان من حسن العاقبة والمصير كما نسب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: ((ان مثله في قومه مثل صاحب يس من قومه(4) دعا قومه إلى الله فقتلوه))(5).
فضلاً عن ذلك، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((رأيت عيسى ابن مريم، فاذا أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود))(6).
يتجلى من ذلك أن هذا الصحابي الجليل كان أثيراً عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وله في نفسه موقع ومكانة .. هذا وان التاريخ لم يورد عنه ما يسيء إليه أو يتهمه، فهو رجل نزيه السمعة صاحب مكانة وسامي الرفعة.. كما أنه شخصية عظيمة قياساً لشخصيات القبائل الأُخرى - والله مطلق العظمة - .
أسلم في السنة التاسعة من الهجرة - بعيد رجوع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من رحلته الرسالية إلى الطائف - وقتل عروة الثقفي أثناء إعلانه دينه ودعوته، وكان يتأهب لأداء فريضة الصلاة كما جاء في (نفس المهموم).
أما كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التي وردت بصدد عروة، فهي لعمرك من أروع أوسمة التقدير التي منحها الرسول القائد إلى جنده الدعاة الصامدين الصابرين أوسمة الشرف المذخور والفخر الخالد في الدنيا والآخرة.. وأهم وسام - بعد إعلان أنه شبيه النبي عيسى (عليه السلام) - هو أنه نظير النبي ياسين في قومه..
ولا نعتقد أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يشبه بياسين لمجرد أنه دعا قومه فقتلوه كياسين (عليه السلام) .. وإنما لأنه رجل دعوة على بينة من دينه ورجل إيمان وتقى وإخلاص ويقين، ولأنه بلغ من شرف الإيمان ما منحه شرف الشهادة، ثم شرف الإشادة به على لسان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ذلك هو والد السيدة ليلى، المجاهد الشهيد عروة بن مسعود الثقفي رضوان الله عليه.
وقد ترك في نفس ابنته ليلى آثار الهدى والإيمان والاستقامة على الدين الحنيف.. وفي أي سن كانت الفتاة ليلى فانها ولا شك قد أحست بفقد والدها الحبيب، وكلما نضجت وكبرت شعرت بأن أباها مضى ضحية ___________
1- ويلفظ : فلما أشرف عليه قومه راجع الاستيعاب.
2- الاستيعاب ، والإصابة ج 3 / ص 112 ـ 113 المطبوع على هامش الاستيعاب .
3- نفس المصدرين .
4- الاستيعاب ، والإصابة .
5- ـ نفس المهموم / للقمي .
6- نفس المهموم.

قضية سماوية مقدسة، حتى بلغت اليقين بأنه صرع وقتل لا كمن صرع وقتل من العرب وأشراف القبائل، لقد راح والدها شهيداً وقرباناً لله من أجل رسالته، وليس قتيلاً أثناء صراع قبلي رخيص..
وعليه فقد كانت أول نكبة أصابت قلبها، هي هذه الحادثة الشديدة الوقع على الفتيات اللواتي يصعب عليهن الاستغناء عن حنان الأبوة وصل الوالد المؤمن الشجاع.. ثم توالت عليها النكبات - بعد أن أضحت ليلى أحد أعضاء هيئة نساء البيت المحمدي الكريم - إذ راحت تعيش أجواء بيت النبوة والرسالة صاحب القوة والأصالة، في مواصلة الصدع بمقررات القرآن ومبادئ الإسلام، حتى ختمت ليلى حياتها وهي صابرة صامدة محتسبة قد تحملت ألوان الأسى والألم وقدمت لرسالة الإسلام ما أنجبت من صالحين وطاهرين.
أي أن استشهاد والدها ليس مجرد أول نكبة، بل أول درس على ضرورة الصمود ووجوب الصبر لمواصلة العمل من قبل المؤمن والمؤمنة، البنت والزوجة، وأول تجربة للسيدة ليلى على تحمل شدة وطأة نتائج الدعوة ودفع ثمن العمل لدين الله سبحانه وتعالى.
أجل تلك هي ليلى الثقفية والدة علي الأكبر، التي لم تستمد قيمتها من أمها ولم تستمد كرامتها ومنزلتها حتى من أبيها، وإنما استمدت رقيها من تقواها وانتمائها ثم انتسابها للأسرة المحمدية المقدسة، ولارتباطها الوشيج بشخص الإمام العظيم أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وكفاها بذلك فخراً حين تفتخرُ ..

علي الأكبر


ميلاده المجيد:
تعودنا الاختلاف في الروايات المدونة حول كثير من الأمور التاريخية.. ووفق هذهِ العادة الملحوظة يأتي الكلام عن زمن ولادة عليّ الأكبر (عليه السلام). أما مكان ولادته فهو مدينة جده المنورة، من دون مبرر للشك والاختلاف في ذلك اللهّم، إذا اعتبرنا ولادته في عهد خلافة الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، فحينئذٍ يكون لدينا اح ل بأن المكان هو مدينة الكوفة، سيما وقد كان الإمام الحسين مقيماً فيها يومذاك.
فزمن ولادته هو : في خلافة عثمان(1).
وقيل قبل قتل عثمان بسنتين (2).
وجاء أنه ولد بعد استشهاد الإمام علي أمير المؤمنين(3).
ولعل ما أورده الاصفهاني أضبط من غيره، مؤيداً بما أورده النسابة الكلبي ومصعب. حيث ذكرا أنه ولد قبل قتل عثمان بسنتين.. هذا وان للاصفهاني قرائن تؤكد ولادته حين ذلك وتؤكد معاصرته للإمام أمير المؤمنين، فمما قاله الأصفهاني:
((وقد روى عن جده علي بن أبي طالب))(4).
لكنه لم يسجل لنا بعضاً مما رواه علي الأكبر عن جدِه، لضيق الوقت - كما قال الإصفهاني - أو لعدم المناسبة في ذلك الموضوع.
أما فيما يتعلق بأخبار ميلاده الأغر، فليس لدينا شيء منها، بيد أن هناك مجموعة روايات عن عائشة بصدد ميلاد علي الأكبر، فقد جاء بكتاب مطبوع حديثاً ان (لعائشة روايات كثيرة حول تولده (عليه السلام))(5)، ولم يورد الكتاب بعض تلك الروايات والذي يبدو أن تلك المجموعة من الأخبار والروايات ليست موجودة أو مدونة، وانما هي مجرد إشارات ينوهون بها فقط.
ولو تجشم المؤرخون بعض الأتعاب الجزئية لتدوينها وسردها لما أخذت منهم وقتاً كما نرى، سيما وهي خير قرائن تفيد تحديد مدة ولادته الشريفة ومتعلقاتها، وتوحي إلى عدة أمور يمكن الاستفادة منها.

نشأته وترعرعه:
ولد علي في بيت يتمتع بالحضور الكامل للإيمان والتقوى بيت رحب الفكر واسع المعرفة مزدحم بالصالحين والطاهرين والذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، الذين لا يفتأون يحرصون على صيانة مبادئ رسالتهم، ويتمسكون بحرفيتها، ويرفعون ألوية العقيدة عالياً.. بيت هو العقيدة بذاتها، الأمر الذي يفسر دعوة الله للناس كي يحبوا ذلك
البيت ويوادوه، ويحاربوا من يكرهه ويعادوه.. بيت عامر بكل ما يمت للإسلام بصلة وللحق والحقائق بروابط وعلائق.
ومن شأن الوليد الذي يفتح عينه في أجواء الصفاء لبيت الصفوة، وأوساط الشرف والسؤدد، وبيئة الخير والصلاح والهدى، من شأنه أن ينشأ على إفاضات ذلك البيت النبيل، وقبسات أهل ذلك البيت من الرجال الذين أنيطت بهم حراسة القضية الإسلامية، وصيانة الشرع الشريف، وحفظ الدين المحمدي الحنيف.
نشأ وهو يرتشف لبن صدور المؤمنات التقيات، وقد تشرب بأخلص العواطف وصادق الحنان، وراح جسده ينمو وتنمو مشاعرهُ السليمة وروحه الطاهرة، ونفسه السوية، أكل وشرب مما أنعم الله به حلالاً طيباً لا يأتيه الباطل والشبهة .. نشأ على أسمى معاني المؤمنين الأتقياء، ومزاحهم الجميل معه.
فمادته ومعنوياته من فيض حوض طاهر نقي، بمعنى أن جسده وروحه تنزها عن الشوائب المكدرة والأدران المقيتة.
ترعرع علي الأكبر في تلك الأوساط النظيفة، حيث قضى سني حياة صباه يدرج بين صفوة الرجال وصفوة النساء، وخيرة الفتيان والصبيان، بين شخصيات جليلة القدر وشباب يسمون نحو الكمال والعز والإباء.
نشأ وترعرع وهو ملء العين، فتخطى الزمن وتجاوز الأيام، مضى يقضي أياماً زاهرة وليالي مباركة، وأشهراً وسنيناً خالدات، متسلقاً الدهر، يعلو فوق هامة التاريخ شخصاً فريداً في مجمل خصوصياته، وشاباً خلاّقاً في ربيع حياته، فرجلاً بطلاً ينفرد في مميزات جمة وجليلة سامية.. إذ نال من التربية ما يصعب على الكثيرين حصوله ونيله، حتى أبناء الملوك والأمراء، أبناء الأكاسرة، والقياصرة، وما هو وجه الشبه حتى نذكر ونمثل بأبناء الملوك؟!


تربيته:
شب نحو العُلى والكمال، فهو بمستوى تعاطي القيم والمثل والتربويات القيمة، والحق أن آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مكيفون لذلك منذ الصغر بدءاً من نعومة أظفارهم أي لا يشترط فيهم بلوغ سنٍ معينة ليكونوا على استعداد لأمر ما، كالتربية مثلاً التي تساير نشأتهم وترافق ترعرع صغارهم (الكبار).
أخذ علي الأكبر من التربية الشيء الكثير - دون أن نستكثره عليه سلام الله عليه - وذلك من أعضاء الأسرة الرسالية سواءً الرجال أو النساء، وخصوصاً والده الإمام الحسين الذي يقع عليه عبء إعدادهِ وتعبئتهِ (إن صح قولنا عبء)، والحق أن ذلك لم يكن عبئاً بنظرتهم، أهل البيت، لأنه من أخص خصوصياتهم، فلا يصعب عليهم تكوين النموذج الحي في التربية.
لقد ندرك ببساطة عوامل بلوغ أحدهم مستوىً تربوياً عالياً جداً، وهي بعض عوامل تضلعهم العلم واضطلاعهم بالحكمة فضلاً عن التربية بالذات، وذلك عندما نأخذ بنظر الاعتبار وجود العناصر، أو توفر المقدمات الأساسية هذهِ سلفاً، وهي:
1 - خلو الشخصية من الشوائب السلبية المعكرة والرافضة للإيجابيات والنافرة من الصفاء.
2 - طهارة الروح، وصفاء النفس.
3 - سلامة الضمير.. والتجاوب مع الوجدان.
4 - نزاهة المشاعر، وسمو الأحاسيس..
5 - التطلّع للأفضل والتوق للأحسن .
6 - السعي للاقتراب من الكمال وبلوغ مستوى المسؤوليات ومستوى حمل الرسالة.
هذه كلها مجتمعة تشكل تربة الأرض الخصبة لبذر بذور التربية وغرس أشجار التربية الراسخة الأصول، الضاربة الجذور.. الثابتة في الواقع طالما تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..
لقد كانوا - أهل البيت - يحرصون على تطبيق نظرياتهم التربوية الرحبة، ويشددون على ضبط الأساليب التهذيبية، ويخلصون في ممارستهم المنهجية من أجل إعداد الإنسان، إعداداً لا يقبلونه إن لم يكن معادلاً لمهامه ومعادلاً لواجباته ومخاطر مسؤولياته الموكل بها..
انهم لا يقلدون أحداً أو فئة في طرائق التربية، وانما لهم عمقهم الفكري وبعد نظرتهم وإبداع أساليبهم، وممارساتهم المبتكرة، انهم يأخذون من الإسلام ما فيه من شذرات ليضيفوا إليها ليوضحوها ويفصلوها بتحويلها إلى فعل وعمل، إلى ترجمة حيوية صادقة، وذلك بجرها جراً إلى حيز التطبيق، لتدخل دائرة التجربة المؤكدة النجاح والحتمية العطاء..
أضف إلى تلك الممارسات الجادة، امتلاكهم للخبرة الواسعة جداً وإدراكهم للمناهج الفاشلة في هذا المضمار.
ثم إن خريج مدارسهم إنسان رفيع في التربية،عالٍ في العلم، علواً يؤهله وبجدارة لأن يكون هو بشخصه مربياً ومعلماً ينهج ويبدع في المنهج الإسلامي، بل يكون هو بالذات مدرسة مستقلة كفيلة باستيعاب المجتمع وتقديم العطاءات الاصلاحية له، لأن خريج مدارسهم مكيف لذلك جاهز له بحكم مضمونه ومحتواه ((وكل إناء بالذي فيه ينضح)).
ولمن يريد الوقوف على مدارس التربية عند أهل البيت ومناهجهم الواعية، ولمن يريد التوفر على نظرياتهم الثرية، فما عليه إلا أن يراجع مذخوراتهم والثروة الكبيرة من التراث الذي خلفوه. سلام الله عليهم.
ان خصوصيات مناهجهم، التربوية قد انعكست على مواقفهم الصارمة الحاسمة، ففوق أنها سر كمالهم، فهي تفسير مواقفهم المبدئية وقراراتهم الخطيرة التي آلوا على ألا يفرطوا في جنبها.
ونحن إذ نمجد، والمسلمون إذ يمجدون ذلك فيهم فليس من باب الزهو بهم، وانما من باب التأثر والاقتداء بهم لندرك أسرار سيرتهم وأبعاد أعمالهم الصعبة وأمرهم المستصعب، الذي عجز الرجال عن تحمله لافتقارهم للرجولة ولأن رجولتهم الضعيفة تنقصها تربويات الإسلام وفق منهاجه التام..

أوصافه وصفاته:
تمتع آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأوصاف جميلة وصفات جليلة، أوصاف ظاهرة على شخصياتهم للعيان وصفات كامنة تتجلى منهم عند التعرف إليهم ومعايشتهم كما لاحظها وعاشها المعاصرون لهم.
تمتعوا بتجميع الكمالات لديهم دون استثناء أو افتقار لشيء صغير أو كبير.. تمتعوا بتجمع كبريات المواصفات وحسنيات الصفات النبيلة الساميات، فلم يتركوا جميلاً جليلاً إلا ولهم فيه خصوصية، وما من قبيح حقير إلا ولهم في النهي عنه وحربه ممارسات وظيفية..
ذلك لأن تمتعهم بما ذكرنا هو من أخص خصوصياتهم، التي أهلتهم للرسالة، بل هو من أهم اختصاصاتهم - بتعبير أدق -، إذ أنهم ينبغي أن يكونوا في مستوى ما يدعون إليه، وليس من المعقول أن يكونوا رواداً لنظريات ومبادئ، وهم بعيدون عنها أو يفتقرون لمؤهلاتها ومتطلباتها سواء أثناء الدعوة أو خلال التطبيق لما لديهم من مقررات، فالنظرية والتطبيق مما لا يمكن فصلهما قط.. وبذلك فان اختصاصهم الفعال هو كونهم المثل الأعلى، والقدوة الحسنى..
ولو قمنا باستقصاء النظر في مميزاتهم، واستقرأنا مواصفاتهم وأخص خصوصيات شخصياتهم، لما عدونا علي الأكبر عنهم فيما كانوا عليه مما لم يشاركهم أحد فيه .. بل هو في ذروة المميزات وله الحظ الأكبر والقسط الأوفر منها، بحكم أنه شبيه جده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي حاز قصب السبق إذ كان الأول كما كان المنبع والمصدر(صلى الله عليه وآله وسلم).
وما قولنا بأنه شبيه جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مأخوذ من راوٍ أو مؤرخ أو شاهد عيان بسيط ومعاصر عادي، وإنما هو مأخوذ عن شاهد دقيق النظر، صادق صدوق، فقد صرح بذلك والده الإمام الحسين (عليه السلام)، وعنه روى الراوي وأرخ المؤرخ. سيما وأن الإمام أعرف الناس برسول الله، وأكثرهم التصاقاً به وأشدهم تعلقاً به كما أنه ورث منه واكتسب عنه، فلما ولد نجله علي الأكبر وشب يافعاً، فقد أخذ يوحي بصورته وأخلاقه ومنطقه إلى الرسول، فأضحى ذكراه وتذكاره حتى كان الناس - من أهل المدينة - يشتاقون لرؤياه، سلام الله عليه .. ثم ليس أكثر من أبيه الإمام الحسين حضوراً لملامح جده ومعالم تلك الشخصية العظيمة.. وعليه فان كلامه - والذي سنسجل نصه في القسم الثاني بمكانه المناسب - الذي يؤكد محاكاة علي للنبي وأنه أشبه الناس به خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً، كلام بمستوى الحضور الحقيقي.
(وكان (علي الأكبر) من أصبح الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً)(1) حسبما اتفق المؤرخون فضلاً عن اتفاقهم واجماعهم على مضمون تصريح أبيه الحسين من كونه مثيل الرسول من حيث الخلقة، والأخلاق، والنطق.
وحري بنا أن نعود لتسجيل بعض ما ورد عن النبي الأعظم بالذات، فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب (أي الطويل القامة)، عظيم الهامة رجل الشعر(2).. أزهر اللون واسع الجبين، أزج الحواجب سوابع في غير قرن(3)، بينهما عِرق يدرّه الغضب، أقنى العِرنين(4)،
_______
1- كتاب (لواعج الأسجان) للسيد الأمين : ص 136 .
2- رجل الشعر ـ أي ليس بمجعد ولا مسترسل .
3- أي دقيق وطويل الحاجبين ، والسوابغ ، الاتصال بينهما.
4- أي محدب الأنف .
ولـه نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم(1)، كث اللحية(2)، سهل الخدين(3)، أدعج، ضليع الفم(4)، أشنب مفلج الأسنان(5)، دقيق المسرٌبة كأن عُنقه جيد دُمية في صفاء الفضة (6)، معتدل الخلق بادناً متماسكاً، سواء البطن والصدر عريض الصدر.. حتى يقول: خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدر من لقي بالسلام))(7)
تلك بعض أوصافه المقدسة، ومن بعض صفاته الجليلة تقرأ:
((كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليس له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه(8)، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضولاً ولا قصيراً فيه، دمثاً (9) ليس بالجافي ولا بالمهين، يُعظم النعمة وان دقت ولا يذم منها شيئاً، ولا يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، إذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها.. وإذا غضب أعرض وأشاح(10)، وإذا فرح غضّ من طرفه، جُلّ ضحكه التبسم(11).
وغير تلك الصفات والأوصاف الشيء الكثير لذلك الرجل الكامل، سيد الكمالات وصاحبها، على أن ما يروى بهذا الصدد إنما هو محاولة لتقريب شخصه الشريف للأذهان.
وبعد : فلنا أن نؤكد حقائق هامة قبل أن نختم الموضوع، فنقول: بأن حرصنا للوقوف على الأوصاف والصفات وتأكيد التقاء علي الأكبر بالنبي الأعظم في مميزاته يرجع إلى أسباب هامة ومبررات موضوعية جادة، منها مثلاً:
1 - إجلاء الشخصية الحيوية السامية، لا لأنها منتسبة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما لما اتسمت به مما توفر في شخص الرسول بالذات، ولمضمون الشخصية ومحتواها، وبحكم أنها تشكل المثل الأعلى.


_________
1- الشمم ، ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه.
2- أي كثيف الشعر في اللحية.
3- أي قليل اللحم .
4- يعني واسع وعظيم الفم .
5- أشنبالأسنان : أي أبيضها ومفلج أي مفرج بينها.
6- المسربة : الشعر وسط الصدر الي البطن.
7- أنظر كتاب (مكارم الأخلاق) للشيخ الطوسي : ص 11 ، 12 ط 6 بيروت 1292.
8- الأشداق : جوانب الفم ، ويعني أنه لا يفتح كل فاه، وفي بعض النسخ (بابتدائه) وليس بأشداقه.
9- الدماثة : سهولة الخلق .
10- أشاح بمعنى أظهر الغيرة ، والشائح : الغيور.
11- للمزيد راجع نفس الصدر (مكارم الأخلاق).




2 - إن الانتساب للرسول كان يكفي للاحترام والامتناع عن القتل، ولكن الأوصاف والصفات كانت تشكل حجة أكبر بجمعها مع النسب الشريف المقدس، ومن هنا كان العدو يخشى قتل علي الأكبر أو يتجنبه كما قيل، لا لأنه سليل الرسول بل لما فيه من اجتماع لمواصفات الرسول(1) بيد أنهم تناسوا ذلك كله فانتهكوا حرمته..

3 - إن أوصافهم وصفاتهم تعطي إيحاءات راقية ومفاهيم خلقية وقيماً ومثلاً نبيلة، لها دورها في إبراز مصداقية المعاني السامية الكريمة التي تكمن فيهم والتي يتسربلون بها.

4 - وأخيراً فمن الضروري جداً إدراك هذه الناحية وهي أنه ليست المميزات المتطابقة مهمة بقدر أهمية تطابق المواقف الرسالية.. وقد شهد التاريخ لعلي الأكبر مواقف جده الصلبة الصارمة، وشهد له أنه شبيه جده رسول الله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً وموقفاً وعملاً..


فنحن إذ نقف على الخصال الخيرة المتطابقة، فليس على حساب تطابق النتائج، لاسيما وأن ثمة علاقة بين المميزات
المتشابهة - كمقدمات - وبين المواقف المصيرية - كنتائج - ولنختم هذا الفصل ببيتين لشاعر الرسول حسان بن
ثابت الذي قالها في علي الأكبر وهي:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرّءاً من كل عيـب كأنك قد خلقت كما تشـاء
شخصيته .. واعتراف معاوية


أشواق أهل المدينة المنورة:
دخل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يثرب التي نارت به وتنوّرت بوجوده فأضحت تدعى ((المدينة المنورة)) .
وعاش الرسول معهم حتى ألفوه، وما أن رحل عنهم منتقلاً الى الرفيق الأعلى حتى اتخذوا من سبطيه الحسنين عوضاً عن صورته وأخلاقه الخلاقة، فهم ينظرون إلى الحسن والحسين فيتذكرون بهما رسول الله ذلك المنقذ العملاق، سيد المُحررين من شتى أشكال العبوديات.
وبعد أن ولد علي الأكبر وتسلق السنوات، فشب فتى هاشمياً محمدياً وظهرت عليه مجمل خصائص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى راحوا يتشوقون إليه، ليستمدوا من ملامحه وشمائله ومعانيه وجماله ذكرى الرسول وذكرياتهم الماضية مع رسولهم الهادي..
فعلي الأكبر يعكس لهم الصورة الحيوية لسيد البشرية الراحل، فهو صورة طبق الأصل كما تبدو لناظريهم وبرؤية واضحة ليست غامضة، وقد روي أنهم إذا اشتاقوا للنظر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، طفقوا إلى عليّ الأكبر يزورونه ويتزودون من طلعته البهية، بحيث أن هذا الانعكاس الحيوي للصورة النبوية المقدسة أقرها والده الحسين وهو إذا اشتاق لجده تطلع إلى ولده..
على أن عواطف أهل المدينة وأشواقهم لنبيهم وأهل بيته كانت تقابل بالتجاوب طبعاً، فلم يضن عليهم ـ علي الأكبر - بلقاء أو مجالسة في المدينة وأحيائها أو داخل المسجد النبوي الشريف أو في بيته الخاص... إذ روي أن الإمام الحسين (عليه السلام) أفرد له بيتاً مستقلاً خاصاً به، فأخذ يستقبل المحبين معرباً عن خاصية الكرم، ومترجماً عملياً موقفه من الضيافة، فمن الناس من يفد عليه للتحدث إليه والتعلم بين يديه، ومن الناس من يزوره نوالاً لجوده وعطاء يده الكريمة، فضلاً عما يهدفون إليه من التزود من ذكريات الماضي المجيد ويوميات الرسالة والرسول الذي تتجلى معالمه على سليله علي (عليه السلام) ..
كان يؤم داره أناس من جميع الطبقات والمستويات، لاسيما الفقراء.. كان داره عبارة عن منتدىً ثقافي للوفود، ومنتجع للكرم والجود.
أما الشعراء فلم تفتهم الفرصة لدخول بيت كرمهِ من باب جوده وعلو شرفه.. حتى وصفه أحدهم فقال عنه:

لـم تـرَ عيـن نظـرت مثله من محتفٍ يمشي ومن ناعلِ

يغلـي بنـيّ اللحـم حتـى إذا أنضـج لـم يغـل على الآكل

كـان إذا شــبت لـه نـاره أوقـدها بالشـرف القـابـلِ
كيـما يـراها بائـس مرمـل أو فـرد حـي ليـس بالآهلِ

أعنيابنليلىذاالسدىوالندى أعني ابن بنت الحسب الفاضلِ
لا يـؤثر الـدنيا علـى ديـنه ولا يبيـع الحـق بالباطلِ (1)

تلك القطعة الأدبية والمقطوعة الشعرية، تعتبر وثيقة على حقيقة فتح بابه لكل الطبقات والهيئات والفئات.
والذي نستشفه من تلك الأبيات، هو أن الشاعر قد شاهد علياً وكان له معاصراً،
أنه رآه عياناً، بمشيته ومظهره ـ حسبما يوحي البيت الأول.. أما البيت الثاني فيفيد بأنه كان حريصاً على السخاء والبذل، بحيث أنه يعلن عن موقع الجود وذلك بإيقاد النار فوق المكان العالي المرتفع كعادة الكرام المحسنين، تلك النار التي تدلل على البيت والمضيف، وقد كان الغرباء والفقراء المعسرون يتطلعون دوماً إلى الأماكن التي تتصاعد منها ألسنة النيران كيما ترشدهم إلى صاحب الضيافة، وسيد الكرم، حسبما عبر البيت الثالث والرابع.
ثم يمجد السيدة ليلى ذات الشرف والحسب الفاضل، ليختم ببيت هو في غاية الأهمية، إذ يؤكد عقائدية هذهِ الشخصية وصرامتها وحديتها بحيث لا قيمة للحياة ولا فائدة من التعامل بالباطل، بل لا معنى للحياة بحضور الباطل، أنه لا يؤثر الدنيا، كما لا يستعيض عن الحق والحقيقة بالأثمان القليلة الرخيصة لأنه ليس من عشاق الحياة الدنيا، انه صاحب قضية فهو صاحب موقف لا يغيره لأنه رائد من رواد الحق.. ذلك هو البيت الأخير وهو أيضاً بيت القصيد.
كان أهل المدينة يرتادون منزله الرحب الواسع بما فيه وبما يحويه، فالبائس بحاجة ماسة إلى من يطعمه، وإن من ليس له أهل أو لا يملك قوت يومه، بحاجة ملحة إلى تلك النار التي تعلو لتدعو الجائع ولتعلن مدى كرم من أوقدها وأشعلها...
هكذا كان نظير جده في الخَلق والخُلق والمنطق. ولا أكتمكم سراً، لو قلت بحقيقة أن أهل المدينة ينطلقون في أشواقهم لرؤيا النبي بلقاء علي من باب العواطف والذكرى فحسب، لا من باب تجديد عهد
بالنبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) أو تأكيد ولاء لعلي.. بدلالة موقفهم من الثورة الحسينية المتمثل بالإحجام والتهرب وعدم الأسهام، إلاّ من عصم ربك من المؤمنين حقاً (وقليل ما هم).. المؤمنون فقط لا غيرهم.. (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) قرآن كريم.

ذلك هو الذي كانت المدينة عامرة به وبأبيه العظيم، كانت عامرة بوجوده وجوده، بكيانه وكرمه، بسموه وسخائه.. الذي كان موطن حب للمسلمين، والذي عاش وهو محط أشواق الناس لنبيهم.

اعتراف معاوية:
مما سبق يتضح جلياً ما لعليّ من شخصية ذات مؤهلات وكفاءات عالية رفيعة... وهو ما لم يدركه المحبون والمؤمنون والذين يشتاقون لرؤيته وزيارته، فقط، بل يدركه أيضاً أولئك الكارهون والمعادون.. وعليه فقد كان علي الأكبر مثار إعجاب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء والتابعين باحسان.
إعجاب يجبرهم عليه شخصه، إذ يفرض نفسه فرضاً بما يتمتع به من مواصفات كبرى، بحيث شهدوا له رغماً عنهم واعترفوا به وهو غني عنهم، ومدحوه وهم له ولأسرته كارهون ولرسالته وأهدافه مبغضون، هكذا هم الأعداء، فما ظنك بما ينبغي أن يقوله الأصدقاء؟!
والعدو يندر أن يتكلم ويقول الحقيقة، ولكنه يأتي بها مشوهة نسبياً، وفي حالات ونوبات نفسية معينة، وخلال شكهٍ بنفسه وفقدانه الثقة بشخصه، ولهذا قال معاوية - وغيره كثيرون - في الإمام عليّ أمير المؤمنين وعموم أهل البيت النبوي ما قال وصرح بعظمة علي أمير المؤمنين، ولا يسعنا هنا أن نذكر ذلك..
والآن نذكر الرواية التالية عن أبي الفرج الأصفهاني التي سجلها في معرض حديثه عن علي الأكبر فقال:
((وإياه عنى معاوية في الخبر الذي حدثني به محمد بن محمد ابن سليمان. قال حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال حدثنا جرير، عن مغيرة قال؛ قال معاوية: من أحق الناس بهذا الأمر (أي الخلافة) ؟؟))(2).
فأجابه جلساؤه فوراً. بأنه هو هو أحق بهذا الأمر وبالخلافة.. لم تكن الجلسة جلسة مداعبة أو لهو.. وبالضبط لم يكن السؤال لمجرد التفكه، كما قد يتوهم الساذج، ولم يطرحه معاوية على سبيل الفكاهة.. وقد تتجلى جدية السؤال من خلال نفي معاوية نفسه للجواب الفوري الذي حصل عليه.
((من أحق الناس بهذا الأمر؟ قالوا: أنت.. قال: لا)) (3).
وهم يعلمون أنّهم أكذب الناس طراً حينما أجابوه فوراً دونما تفكير.. ورفض معاوية جوابهم الذي يعرفه ويعرفهم سلفاً.. ولم يسكت معاوية إذ أردف بالجواب بعد نفيه، فيبدو أن في خلده شيء وقد اختلج في صدره شيء فاعتملت فيه واستحوذت عليه، سيما وأن الحقيقة لا يمكن أن تخفى، بل كل شيء عموماً خاضع للكشف: ((ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه)) (4) وهكذا اعترف معاوية:
((.. لا .. ان أولى الناس بهذا الأمر: علي بن الحسين بن علي (عليه السلام)، جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أمية وزهو ثقيف)) (5). (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا) قرآن كريم.
لنقف كيما نعقب فنقول:
1 - إن كلام معاوية قاصر عن تحديد حقيقة مواصفات الخليفة المرجو، وما ينبغي أن يكون عليه من يجب أن يتولى الأمر..
فثمة شروط للخلافة لم يذكرها معاوية وهي متوفرة في علي الأكبر.. ترى هل نسيها أو تناساها؟ أم خشي الفضيحة لو ذكرها وهو خلو منها.. فقد تجاهل الاعتبارات الكبرى والشرائط العظمى للخليفة وولي الأمر، ذكراً ثلاث صفات سنعلق عليها..
2 - وتجنب معاوية إبراز خصوصيات الهاشميين ومؤهلاتهم الجليلة، فلم يذكر سوى ما هو مشهور عنهم وهي الشجاعة ((وفيه شجاعة بني هاشم)) وكأن ليس لني هاشم غير الشجاعة! وكأن هذه الصفة ركيزة يعول عليها الخليفة..!!.
3 - ثمّ أن عليّ الأكبر - وعموم أهل البيت - يتنزهون عن الزهو، حتى يصفه.. معاوية بأن له زهو ثقيف..
4 - وحاول بكلامه جر مواصفات علي إلى الأموية، وأراد فرض العنصر الأموي في سلوك عليّ الأكبر - لأن جدته لأمه من بني أمية -، فقال عنه وفيه ((سخاء بني أمية)) والحق أن سبب ربط السخاء بالاموية، يرجع إلى شهرة عليّ الأكبر بالجود والكرم والعطاء، وإلى تصنع معاوية لتلبس شخصه وحكمه ألبسة براقة، فلطالما، أخذ مواصفات ومميزات أهل الحق والحقيقة، كالحلم والعفو، كالذكاء والدهاء، كالعدل وحسن السيرة.. لقد قام معاوية باقتباسها له.. فتوشح بها واستعار أوستمها دون معانيها.. وأسماءها دون مسمياتها...
5 - وعلى كل حال، فنحن نرى أن الزهو ليس مما يشترط توفرها عند الخليفة، كما أن السخاء ليس ضرورة أو من أوليات صفات الخليفة، أما قوله ((جده رسول الله)) فهذا صحيح ولكنه لا يكفي مبرراً لتولي الأمر - حسبما علمنا أهل البيت أبناء الرسول وأحفاده - فبعد النسب لآل الرسول يجب حضور الشرائط والكفاءات.. فلماذا لم يذكر معاوية أهم تلك الشرائط، وأولويات صفات ولي الأمر..
6 - لماذا تجاهل معاوية والد علي وهو الإمام الحسين بن علي.. ؟؟ لابدّ أنّ تجاهله الإمام (عليه السلام)، لأنه في مقام الندِّ له والواقف له بالمرصاد، بحيث لو تحرك لحرب الأموية بنفسه لكان هناك مستساغاً حتى عند معاوية وجلسائه، بينما ذكره لعلي الأكبر أهون وأخف لأن علياً لا يخرج لحرب معاوية لوحده..
7 ـ وسواء كان أولى الناس هو علي الأكبر أو والده الإمام الحسين أو أهل البيت، فما المبرر الذي يبقي معاوية على عرش الملك بصفة ولي الأمر وخليفة رسول الله، (وأبناء رسول الله محكومون مهددون)؟؟ . يبدو أن مجلسه يخلو من رجل صريح يسأله عن سبب قعوده وعدم تسليمه الحكم لبني هاشم أو لعلي..
8 - وانما سجلنا الرواية مع وقفة وتأمل، فليست لأن الرواية تزيد ايمانناً بقضايانا، كلا فنحن علي إيمان راسخ بحقيقة الخلافة والإمامة ولمن تجب. ولو أن معاوية وأبناءه وأمثالهم قد كذبوا الحق وحاربوه ومهما عملوا، كما قد فعلوا، لما ارتبك القلب واضطرب الفؤاد أو ضعف الإيمان..
وليس كلام معاوية بمفرح مبهج لنا، بقدر ما هو برهان ودليل وحجة، هكذا نأخذه لا كلام نفرح به ونتسلى به.. أو ندهش ونعجب له.. ((والفضل ما شهدت به الأعداء)).
ذلك هو علي الأكبر في شخصيته الفذة العظيمة، ذلك هو الشاب المبدئي صاحب المواقف الجريئة والملامح المضيئة، الذي أضحى ملء العين.. رضى لله وعطاءاً للأمة.
وأخيراً فقد أطلقنا لفظة (( اعتراف.. ولم نقل شهادة معاوية فلأسباب موضوعية. منها:
1- أننا لا نحتاج لشاهد على ما نقول، ولا نحتاج لشهادة العدو.
2 - أنه اعتراف بمعنى الكلمة على أولاً الشخصية الفذة لعلي. وثانياً عدم جدارته هو - معاوية - وافتقاره للكفاءة في منصبه.. هذا الفهم وهذه الإفادة ليست مجرد شهادة وإنما اعتراف.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) قرآن كريم..


الأحداث التي عاصرها على الأكبر


ما قبل العهد الأموي:
يمكن الإحاطة بما عاصره علي من أحداث ووقائع، وذلك من حيث إمكانية الوقوف على زمن ولادته وعمره الشريف. وقد سبق لنا القول بأنه ولد في مدة خلافة عثمان بن عفان، وعلى هذا الأساس فانه يكون معاصراً للأحداث الممتدة من تلك المدة، حتى سنة ستين للهجرة حين إسهامه الكبير بالحدث الجهادي الجليل المتمثل بثورة أبيه وجهاده الإسلام على بطحاء كربلاء..
ولا يخفى على اللبيب إدراك أن علياً لم يجهل الأحداث الماضية والوقائع السابقة لميلاده .. نظراً لكونها مقدمات لما يجري مما يعاصره، ولكونها تتكفل استيعابه لما يعيشه ويشهده.. فما يقع أيام حياته انما هو امتداد لحلقات الحوادث المنصرمة.. هذا وإنّ معلوماته لمجريات الأمور ومشكلات الماضي، ما هي إلا دروس تاريخية قيمة، ماهي إلاّ أحد مواضيع تربيته وتهيئته وإعداده.
وعليه فهو - لاسيما في شبابه - علي بينة مما قد حدت، الأمر الذي يزيده وعياً ويقظة لما يعاصره.
ولنحاول أن نمر سريعاً بما عاصره علي الأكبر..
أولاً : - لقد عاصر أزمة الخلافة الثالثة والمعضلات التي تراكمت على عثمان، حتى تبلورت الأمور فاشتدت مناوأته ومناهضته، فتألب المسلمون عليه، وجرت مشاكل مزعجة واضطرابات سياسية واجتماعية وبرزت المشكلة الاقتصادية فانكشفت مسألة التمايز عند بعض واستاثارهم بأموال المسلمين..
ولم يتمكن عثمان من وضع حدّ للإضطرابات، فأودت بحياته حيث قتله بعض الثوار، ومضى دون أن يلبي المطالب الإيجابية التي أريدت منه... كان ذلك أيام صغرهٍ - أي علي الأكبر - .
ثانياً : - ثم شهد وهو صبي، جده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أحرص الناس على الدين وأحوطهم على الإسلام.. فحينما قُتل عثمان وحينما انتهى عهد الخلفاء الثلاثة تجلت حالة الأمة وهي في حالة يرثى لها، في وضع منهار متردية متداعية، والأنكى من ذلك أن عثمان ترك على الأمصار عمالاً وولاة لا همَّ لهم سوى أنفسهم وتوسيع نطاق الانهيار والتردي الاجتماعي..
شهد جده وهو يتجنب قيادة مسيرة الأمة، بناءً على ما أصاب الأمة من تفكك وثغرات يصعب تلافيها ولا تزول إلا بوقت وزمان.. شهد جده الإمام وقد أضحى خليفة، وإماماً أُنيطت به عمليات النقد النظري ومباشرة التصحيح العملي، التي تمخض عنها حروب ثلاث..
فكأن أعداء الإمام أمير المؤمنين لم يرغبوا به خليفة وإنما رغبوا بالخلافة لهم ولهذا رغبوا بالحرب وسيلة بلوغ رغبتهم، فكانت معركة الجمل في البصرة..
أما صفين فهي معركة مع معاوية الذي كان من أكثر الناس ولعاً بالدم، وأول الناس سفكاً للدم الحرام.. وأعقبها معركة النهروان التي كان طرفها المقابل فئة الخوارج الحمقى الذين امتازوا بالرعونة والتطفل على فهم القرآن الكريم والتعالي على علي أمير المؤمنين، وقد فرقوا بين علي والقرآن وتكابروا عليهما في نفس الأوان.. وكأن ليس علي مع القرآن والقرآن مع علي وعلي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار...
ثالثاً : - عاش عليّ الأكبر مأزق عمهٍ الإمام الحسن عليه السلام، حيث قاد مجتمعا هجينا، يحتوي على الضعفاء في الدين والإيمان، فهو لم يتمّ نقده وتصحيحه جيداً خلال خلافة الإمام أمير المؤمنين المشهورة بأنها قصيرة.
فمجتمع الكوفة كان بأمس الحاجة إلى التربية والتصفية قبل الخوض به من أجل مستقبله، بيد أن مباغتات العدو ومواقفه تجبر القائد على أن يسرع في إعلان الموقف المناسب، فخرج الإمام الحسن بهم وهم يحملون بذور الهزيمة، الأمر الذي يفسر مواقف الجبن والخيانة التي أظهرها بعضهم بحيث عصفت بالموقف الجهادي الصارم، وأجبرت الإمام - وبعد أن انتظر ولم يرج منهم خيراً وأحب أن يكون الخير منه - على ما حدث من اتفاق مشروط، لا بقبل التزييف والمراوغة وقد وقع عليه معاوية كميثاق وعهد، يجب عليه الالتزام بكل مواده ومقرراته..
ولكن معاوية خان العهد.. وخاس به فنقضه دونما استثناء لمادة واحدة.


في عهد بني أمية:
فاستهل معاوية حكمه وافتتح عهد الأمويين بالخيانة العظمى، ثمّ لم يكتفِ بذلك، فقد خطط لعملية التخلص من الإمام الحسن بالقتل، وذلك بواسطة جنود له من عسل - على حد تعبير معاوية نفسه - فدس له السم ليقتله.
وهكذا شهد علي الأكبر - وهو في ربيع عمره - استشهاد عمه الحسن، وساعات احتضاره حتى انتقاله إلى جوار ربه صلوات الله وسلامه عليه.. وهو حدث له وقع شديد عليه، ويترك في نفسه أثراً وآثاراً غير هينة.. هذا وقد سبق أن عاش الصدمة الكبرى للأُمة كلها وهي استشهاد جده الإمام أمير المؤمنين حيث نفذت مؤامرة وقحة وجريئة ضده هزت العالم وأحدثت ضجة ذات أصداء وانعكاسات.
هذه الواقعة والتي اعقبها استشهاد عمه الحسن وغيرها مما سبقها أو يلحقها تحتاج إلى عمق في الدراسة، وقبل أن نستطرد، من الضروري جداً أن نفهم ما يلي:
1 - أننا نمر بما يعاصره علي مروراً سريعاً، ولا نلم أو نذكر متعلقات الحادث.
2 - نحرص على إدراج أبرز الحوادث وأكبرها..
3 - يجب أن لا نحدد وعي علي الأكبر بمحدوديتنا وبعقليتنا، فالذي يعاصر الوقائع أدرى، وأعمق تأثراً ووعياً منّا نحن الذين نطلع أو ندرس نتفاً موجزة عن حقب طويلة.
فبعد الخيانة ومقتل الإمام الحسن، هناك حدث أو أحداث متسلسة متصلة ومستمرة، من الإرهاب والإضطهاد الذي كان يستهدف الشيعة الموالين لآل الرسول، فضلاً عن استهدافه لآل الرسول بالذات.. وأول مسعى لفتح باب الارهاب هو شتم الإمام أمير المؤمنين علناً وسبهِ من فوق المنابر، وبذا فقد أضحى شيعة أهل البيت في خطر.. وفعلاً كتب معاوية إلى عماله أن أسقطوا كل شيعي واحرموه من العطاء.. بل عمم طلبه بملاحقتهم وقتلهم.
ومن أبرز الأمور تنصيب معاوية جملة من الولاة القساة، القتلة سافكي الدماء.
كما أن من أبرز الأحداث تهجير آلاف الشيعة من إقليم الكوفة إلى خراسان، وقد أجلاهم واليه على الكوفة زياد بن أبيه تحت ألوان من العسف وأساليب التنكيل، خوفاً من بقائهم الذي يهدد بقاء حكم بني أمية..
وخلال تلك الفترة قتل جملة من زعماء الإسلام الشيعة، وأبرزهم كما هو معروف حجر بن عدي الكندي وثلة من رفاقه في الجهاد، فضلاً عن مجاهدين آخرين... حرص معاوية على تصفيتهم رغم جلال مكانتهم وسمو منزلتهم وإيمانهم..
فقد كان حجر بن عدي صحابياً أدرك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
عاش علي الأكبر هذه الأحداث وسمع الأخبار التي تصل إلى أبيه، والمشاكل التي يطرحها بعض المسلمين والمجاهدين وشهد والده وهو في حيرة من أمرهِ لا لشيء سوى أن الناس ضعفاء لا يوثق منهم أثناء نهضة جهادية.
ومن أبرز ما عاصره عليّ، هو - محاولة معاوية لإقرار الناس على أن ولي عهده يكون ولده يزيد، وقد أعد لهذه المحاولة طريقة ((توهم)) بأنها ناجحة تماماً.. ولا نريد أن نطيل..
ثمّ دارت عجلة الزمن لتسحق رأس معاوية.. فهلك ومضى مستوزراً بأوزاره، وأعلن يزيد بأنه ورث العرش والملك وورث بيت مال المسلمين.. وحتى المسلمين أنفسهم.
وبعد فان لعلي الأكبر موقفاً من كل حدث يجري، له مواقف ومواقف من معاوية وحكمه وأعمالهِ، ذلك لأن علياً من أهل بيت المواقف الشجاعة الرسالية التي لا تهاب الموت ولا تأبه لسيف، وله أن يعلن موقفه وينشر قراره في بلاغ له..
أجل، بيد أن موقفه وقراره إنما لم يبرز ولم يعلنه شخصياً فبحكم انضمامه إلى الموقف الأشمل لأبيه الحسين، وبحكم انضوائه تحت القرار الأعم الأكمل لوالده صلوات الله وسلامه عليه..
لم يعد الصمت ممكناً.. وليس بعد كل الذي ساد وجرى مبرر أو مسوّغ للسكوت.. وهكذا تحرك الإمام سبط سيد المرسلين في ثورته المجيدة الخالدة، لا ليحارب يزيد فحسب بل ليقوض الأموية الرعناء.

الصلابة والبأس الشديد


في مسيرة الركب التاريخية:
انطلق الركب الحسيني بمسيرته التاريخية من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، البلد الأمين، دار السلام والاطمئنان، وبعدما أضحت مكة غير ذات أمان مهتوكة الحرمة، ولأسباب متظافرة اتجهت المسيرة العملاقة نحو الشمال إلى العراق حيث إقليم الكوفة فكربلاء.
وأخذ الركب يلف الصحراء ويطوي البيداء، ويعبر ويصعد الهضاب ويقطع السهول متجاوزاً التلال والمرتفعات . يحث خطى السير لا يلوي على شيء... قد حملت الجمال معدات السفر والعتاد، ومحامل النساء... فيما امتطى الفرسان صهوات جيادهم..
وقد لحقهم مئات من الرجال النفعيين الذين ظنوا باقبال الدنيا على الحسين (عليه السلام)، وقد أدرك الإمام دوافعهم فسلك معهم عدة أساليب لارجاعهم وإبعادهم عن جهاده النقي، وللإبقاء على صفوة الرجال وخلاصة الرساليين الأبطال، ممن لا منفعة دنيوية تحدوهم ولا مصلحة شخصية تدعوهم، إلا إعلاء كلمة الله بإظهار الحق ودمغ الباطل(1).
مرّ الركب بعدة مناطق في الطريق، كمنطقة الصفاح، وزرود والخزيمية. ومنطقة الثعلبية ... الخ.
وهنا في هذه المنطقة بالذات حيث بلغها الركب في المساء، وعليّ الأكبر يسير معهم ليلاً نهاراً، يسير كلما ساروا ويقف كلما وقفوا، ويحث جواده كلما حثوا الجياد.. حتى بلغ منهم النصب وأخذهم التعب، وفي ذلك المساء بتلك المنطقة غفا الإمام الحسين، وأخذه الكرى، فرأى في نومه المؤقت رؤيا أزالت عنه الكرى، وفتح عينيه على أثرها، وأخذ يسترجع ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) (2) وهذا عبارة عن تعقيب على مضمون الرؤيا ومعناها.
فانتبه نجله علي الأكبر الذي كان يسير على مقربة منه فالتفت حالماً سمعه، ليستفسر من والده العظيم عما دعاه للإسترجاع، فأجابه الأب القائد:
((رأيت فارساً وقف عليّ، وهو يقول: أنتم تسيرون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة، فعملت أن أنفسنا قد نعيت إلينا)) وفي رواية لا توجد عبارة ((.. إلى الجنّة)).
فبادر ولده علي قائلاً بصرامة المؤمن القوي: ((يا أبة أفلسنا على الحق؟)) قال إمام الحق: ((بلى يابني، والذي إليه مرجع العباد)).
فرد علي بكلمة نابعة من العزة والإباء ((يا أبة إذن لا نبالي بالموت)) وفي الأعيان أنه قال: (( فاننا إذن لا نبالي أن نموت محقين)) فعقب والده الإمام بكلمة التقدير العالية الرفيعة، التي جاءت بصيغة الدعاء، وأي دعاء من أب لولده، أم أي كلمة هذه التي ينطق بها الإمام الحسين شخصياً لولده عليّ الأكبر بالذات.. ((جزاك الله يا بني عني خير ما جزى به والداً عن والده)) (3). وهكذا هي تحية الإجلال لموقف الصلابة الشجاع.. أكرم بهذه الأبوة وتلك البنوة، الممتدين من أصول الأنبياء وخاتم النبوة.
لقد تحدى كل العقبات والمعوقات التي تحول دون تحقيق أهداف الحق، فطالما نحن على حق ينبغي أن لا نهاب الموت، الموت الذي حتى لو أيقنا قربه ودنوه منا، الموت المؤكد في الموقف المعين بالذات، الموت على الإيمان واليقين .. واليقين من أسماء الموت: ((أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين))..
فلابدّ من نصب الموت أمام الأعين في السلم والحرب، ولابدّ للمؤمن من حمل الكفن إن لم يحمل معه خشبة الصَلب.. فلا يقولون أحد أن منيته وأجله في غيره هذه الحادثة الجهادية أو هذه الحرب، لأن ذلك معناه سابق نية على التهرب والإنسلال وعدم الرغبة في تمام التحرير وكامل الاستقلال..
ان هذه الرواية وحديث علي مع أبيه لابدّ أن نستفيد منه ولنتعرف على حقيقة شخصية علي من خلاله.. ((وفي الحديث من الدلالة على جلالة علي بن الحسين الأكبر، وحسن بصيرته، وشجاعته ورباطة جأشه، وشدة معرفته بالله تعالى، ما لا يخفى)) (4) .
لقد كان حواراً جهادياً عظيماً، يذكرنا بحوار نبي الله إبراهيم مع نجله النبي إسماعيل.. فحينما قص إبراهيم الرؤيا، (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ).. أجابه ابنه إسماعيل بقوله: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) القرآن الكريم.
فثمة تشابه من حيث الغرض وهو الفداء والتضحية غير أن ثمة فوارق.. فجواب إسماعيل كان مفروضاً عليه بحكم طبيعة الرؤيا فهو مطالب بالرد المناسب ومطلوب للتضحية بذاته دون سواه. بينما لم يكن مفروضاً على علي الأكبر أن يجيب وليس الرد مطلوباً منه، ولم يك مطلوباً للتضحية بذاته ولوحده، وكان بمقدوره أن لا يجيب على ما ذكره أبوه من رؤيا.. لكنه أجاب بنبرات الصارم وعزيمة الصابر الصامد الذي لا يلين..
ولا نريد أن نعقد مقارنة بين الحوارين، فلا تفاضل بين النجلين الطاهرين، بحصول الفرق بين الموقفين وطبيعة القضيتين..
وبعد فقد تقدم إسماعيل صابراً، ليقدمه والده قرباناً ويبقى هو - والده - حياً، ثم غير الله سبحانه قضاءه إذ بدا له أن ينزل كبشاً كبديل (فَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) فنجا إسماعيل من مذبحة كادت تنهيه.
بينما تقدم علي الأكبر مع والده وكوكبة الرجال والشبان صفوة الأمة المسلمة، تقدم بأقدام ثابتة وخطوات لا تثنيها أي قوة مضادة إلى حيث مذبحة الذي ذبح عليه وقطع تقطيعاً هو ومن سبقه، بمرأى والده، بل مضى حتى والده قرباناً وضحية، أجل ذلك بحكم اختلاف القضية، ويا لها من قضية عظيمة لا كبش - مهما كان عظيماً - يعوضها أو يعادلها..
أجل سار علي وواصل مع الركب المجيد، سار والحق يحدوه، وأمامه نصبت صخرة الذبح من أجل أقدس قضية حَتَمَت أرقى فداء وتفانٍ وتضحية..


علي يرابط في كربلاء مع المرابطين:
حتى إذا وصل الركب في مسيرته، ربى الطف، وتلاع شاطئ الفرات، وقف الإمام الحسين ليتعرف على اسم المنطقة وما هي إلا برهة زمنية حتى أعلن بأنها موعده ومستودعه ومنازل الأبطال ومقابر الشهداء.
..ها هنا والله مناخ ركابنا.. وهنا هنا قَتل رجالنا.. حتى قال .. وها هنا تزار قبورنا.. بهذه التربة وعدني جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا خلف.
فنزلها الرجال والشباب، وقد انطلق الصبيان يلعبون ويرتعون، بينما أخذ الرجال يبنون البيوت وينصبون الفساطيط والخيام، فبانت أطناب الخيام وظهرت مواقعها بأهلها المرابطين على الحق .. ورابط علي الأكبر في بطحاء كربلاء، منذ اليوم الثاني حتى العاشر من شهر محرم.
أما الجيش المعادي الذير يرابط على شط الفرات فقد أخذ يتكاثر كل ضحى وكل يوم حتى كملت عدته يوم تاسوعاء، إذا كانت الكتائب تتوافد لترابط قِبالة الجبهة الحسينية.. ولكثرتها تسنى لها تنفيذ أوامر منع الماء الصادرة من ابن زياد، حيث ضربوا على نهر الفرات حصاراً يحول دون بلوغ ضفافه أي ضام عطشان.
وظل علي في انتظار دوره وأداء مهامه، فهو يترقب بدء القتال مع الأعداء، وبدء دوره خصوصاً، إذ كان في رأيه أن يكون هو أول قتيل وشهيد.. لقد وقف إلى جانب ثلة الهاشميين تحت لواء عمه العملاق، العباس بن علي (عليهما السلام). ليطالب بأن يكونوا هم - بنو هاشم - أول من يبرز للميدان.
بيد أن عصبة الأنصار ترى أنها هي الأول دخولاً للميدان وقد تجمعوا تحت لواء المجاهد حبيب بن مظاهر الأسدي وهم يطالبون بعدم سبق الهاشميين للجهاد والقتل.
وتدور بين الطرفين مباراة كلامية.. ويستمر تنافس الجناحين على الظفر بالأولوية لخوض غمار الحرب العادلة.. ولا أحد يرضى بأن يكون ثانياً، كل يؤثر نفسه على الموت قبل غيره، وبطبيعة الحال فان عليا كان أكثر عزماً وأشد رغبة في إحراز تلك الأسبقية والأولوية، فهو من جناح الهاشميين الذي يقول بضرورة تَقَدم بني هاشم لأنهم حَمَلة الرسالة وثقل الحديد لا يحمله إلاّ أهله..
وأخيراً احتكم الجناحان إلى الإمام الحسين (عليه السلام) فحكم الإمام القائد للأنصار بالسبق لدخول الساحة..
وظل الهاشميون في ترقب لدورهم..
وظل علي الأكبر خصوصاً أشد شوقاً لساعته ولحظات سعادته.


السبق للجهاد


المبادرة الفورية:
لقد أدى الأنصار أدوارهم على أحسن ما يرام، فمضوا إلى حيث نعم الله ورضوان ربهم وجنان وعدهم إياها، إنه لا يخلف الميعاد.
ولم يدع علي واحداً يسبقه، بعد اذ انفرد الإمام وأهل بيته، فكانوا البقية الباقية من الشجرة المحمدية، والوحيدون على وجه الأرض، من آل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فطفق بعضهم يودع بعضاً . ومال أحدهم على الآخر يعانقه بحرارة وشوق .. وصف المؤرخون ذلك المشهد الرهيب واتفقوا على هذا المعنى:
((لما قتل أصحاب الحسين (عليه السلام) ولم يبق معه إلا أهل بيته خاصة، وهم ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وولد جعفر وولد عقيل، اجتمعوا يودع بعضهم بعضاً، وعزموا على الحرب، فتقدم علي بن الحسين (عليه السلام)، وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خَلقاً وخُلقاً)).
أما وداع علي لأهله من النساء كأمه واخواته وعماتهِ لاسيما عمته الحوراء زينب (عليها السلام)، فقد حفل بالآلام والأشجان.. فقد آن فراق ذكرى المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا شعرن وأحست كل منهن..
ظهر علي بأنه شديد الحرص على السبق للساحة وعلى أن يكون أول ضحية وقرباناً لله سبحانه وتعالى (1).. وهذه الظاهرة تحتاج إلى وقفة... فلاشك أن المسؤوليات الجسام لا تناط إلا بأهلها، وخليق بهم تحمل عبئها وما يترتب عليها من مضاعفات، لأنهم سدنة الرسالة، وحراس المبادئ ذات الأصالة.. فهم لا يختارون التأخير عن دورهم، الأمر الذي يفسر حالات التنافس بين الهاشميين والأنصار، وعمليات الرهان على الأسبقية، كما أشرنا حيث حسم الإمام ذلك الموقف لرغبة الأنصار المجاهدين على رضى منه..
أما وأن علياً يسبق اخوته من الهاشميين. فذلك ما يفسره نفس المعنى، فنظراً لكونه نجل الإمام القائد المنحدر من صلبه الشامخ، فهو يشعر بخصوصيته، لا لكي يسلم وينعم، بل لكي يبادر ويعمل ويضحي فيكون المثل الأعلى...
وليس هذا من باب المفاضلة والمكابرة، بقدر ما هو من باب الإيثار، فخليق به أن يتقدم على الجميع مؤثراً سلامتهم وعدم نظرهِ لجراحهم أو مواقع مصارعهم..
ولما كانت القضية قضية الإسلام الحسينية، فلا يحسن به أن ينتظر إلى آخر شوط وآخر دور، فهو نجل القائد، ومن باب أولى أن يكون هو المتقدم..
وهكذا يتجلّى علو التربية ورفعة التوجيه وسمو الآداب وجلال التهذيب المتوفر في شخص علي الأكبر... فما كانت تربية أهل البيت تنص على معنى يخالفه عملهم، ليس فيهم قوال غير فعال... وانما جبلوا على ممارسة تطبيقات مقررات الرسالة والدين الحنيف وحتى الآداب والمثل البسيطة والمفاهيم الخلقية العملية..
الإستئذان للنزال:
اتجه نحو أبيه الإمام، فاتخذ له موقفاً أمامه، وظل صامتاً مطرقاً برأسه، نظر إليه والده الحسين فأدرك ما يريد، فكل ما ظهر عليه من لامة حربه ومدرعته واسراجه لفرسه يدل على عزمه للمضي على ما مضى عليه من سبقوه، يدل على لهفته لمباشرة الجهاد المسلح..
وراح الحسين ينظر إليه بنظرات ملؤها الرفق والحنان والإشفاق، أخذ يطيل النظر إليه، فاتخذت عواطف الأبوة الطاهرة مستقرها بين جوانح الأب العظيم..
دار التفاهم على صعيد الصمت.. وتمّ تبادل البيان من خلال مؤشرات موقف الأشجان.. ولم يكن الفراق عجيباً ولا غريباً، إذا ((خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة)). (( لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه فيوفينا أجور الصابرين)) كما في خطابه التاريخي بمكة..
ترى هل عز على الحسين فراق حبيبه وريحانته وذكرى رسول الله؟ هل يا ترى يمنعه عن التسرع أو يؤجل دوره إلى حين؟ .. نعم عزّ عليه ولكنه لا يمنعه أو يؤجل جهاده..
عزّ عليه عزاّ لا حد له، بيد أن الحسين يسيطر عليه أمر أكبر وأخطر، ذلك هو عز القضية التي من أجلها نهض بنهضته وصدع بمبدأ الجهاد.. فبعز رسالته هان عليه عزّ الأحبة وآلام الوحدة والغربة.. فالموقف شجي ومحرج لكنه في غاية التحرج في قضية الدين بحيث هونت عليه فقد الحياة وحراجة تقديم البنين..
وأخذت الآهات مأخذها في داخل صدره، وراح ينظر إليه .. إلى أشبه من وطئ الحصى بجدهِ النبي المصطفى.. وأغرورقت عيناه بالدموع.. وطفق إليه ليضمه ليحتضنه ويلثمه .. ووقف الشباب الهاشمي أمام المشهد الحزين، وقد دام العناق طويلاً.. فماذا تتصور عن عناق صدق الأشواق .. عناق لحظات الفراق..
أجل أنها آخر فرصة لتبادل القبلات المنغصة..
وفهم علي الأكبر، وأدرك من تلك الاجراءات الأبوية أنه لا مانع من خوض غمار الحرب الرسالية فوراً، فمال إلى جواده الذي أعده وأسرجه فامتطى صهوته واتجه نحو تأكيد الحقائق، وراحت عيون الهاشميين ترمقه بحب عظيم واشفاق كبير فكيف بأبيه الحسين الذي أخذت عيناه ترافقه، واستمر يلاحقه بنظراته وتابعه بقلبه البصير الذي يخفق على النهاية والمصير، لهذا الفتى المحمدي، لقد وجدناه يحول طرفه ليرمق السماء وليناجي ربه، رافعاً شيبته الشريفة وقد أرخى عينيه لتسيل الدموع كل مسيل:
((اللهم أشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكنا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه...)).
((اللهم فامنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقاً، ومزقهم تمزيقاً واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً، فانهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا)) (1).
في تلك الأثناء كان علي (سلام الله عليه)، يبتعد رويداً رويداً متجهاً نحو الحشود البشرية المتراكمة كالغنم النائمة وقد وبخ الإمام، قائد الأعداء، عمر بن سعد بن أبي وقاص، وتوعده مؤكداً له استحالة حصوله على نيل مصالحه من قتال عترة الرسول وإبادتهم وقطع رحمهم، فصاح به:
((ما لَك! قطع الله رحمك ولا بارك الله لك في أمرك، وسلط الله عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من محمد رسول الله)) (2).

ثمّ حول طرفه إلى ولده الذي دنا من الجيش الهجين وأخذ ينظر إليه، وقد رفع الإمام صوته وهو يتسلى بتلاوة قول الله تبارك وتعالى(3):
(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
سمع الجميع تلاوة الإمام الحسين سلام الله عليه، سمعوا حقيقة كون علي الأكبر ممن اصطفاه الله سبحانه، وارتضاه، وأنه ماضِ إلى حيث أداء حق الاصطفاء وحق المسؤوليات في ظل العز والإباء..

محاولة أموية لاستمالته:
ساد في العصر الجاهلي البائد صراع وخراب أدى إلى سفك الدماء وإراقتها دونما حساب، وذلك بفعل الروح العشائرية والعصبية القبلية، وقد اشترك في تلك الحروب والمعارك أفراد وجماعات، لا ناقة لهم فيها ولا جمل - كما يقول المثل - .
فلا يتأخرون عن إشعال نار معركة لأدنى سبب تافه وصلة قربى رخيصة، ولربما كانت صلة مصطنعة وهمية أو مجرد استلحاق لا غير.. ويكفينا أن نتذكر أدوار زياد بن أبيه ومهامه الاجرامية الشنيعة عقيب استلحاق معاوية له بأبيه صخر بن حرب (أبي سفيان) إذا أضحى زياد بن أبي سفيان، وصار أبو سفيان والد زياد بالاستعارة، فكان عليه أن يؤدي حق النسب والرحم، وقل حق الاستلحاق، والرابطة الوهمية.. وقد جرت على الأمة ويلات ومآسي نتيجة لوهم النسب هذا ونتيجة لتمكين معاوية لزياد من رقاب المؤمنين.
فالمعاني الجاهلية التي عادت لتسود في زمن بني أمية كان لها الأثر البالغ في صنع كثير من الأحداث وفي حرب أهل الحق وآل الرسول.. ويحدث أحياناً استمالة بعض العناصر من طرف ما إلى طرف آخر من هذا المنطلق ووفق منطق الصراع القبلي.. فما أن يُلاحظ وجود عناصر أو عنصر واحد له صلة رحمية حتى يعرضوا عليه منطق حمية الجاهلية.. وقد أشرنا إلى أن جدة علي الأكبر لأمهِ، وهي ميمونة من بني أمية.
((ولهذا دعاه أهل الشام (حسب قول البخاري) إلى الأمان، وقالوا: إن لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، يريدون رحم ميمونة بنت أبي سفيان)) (1).
وهذا ما أشار إليه الزبيري، ولم يقل أهل الشام أو أن القائل هو شامي وإنما عراقي.
((وكان رجل من أهل العراق دعا عليّ بن الحسين الأكبر إلى الأمان، وقال له: إن لك قرابة بأمير المؤمنين يعني يزيد بن معاوية، ونريد أن نرعى هذا الرحم! فإن شئت أمناك)) (2).
وثمة شيء آخر وهو أن قائد الجيش، عمر بن سعد بن أبي وقاص من أم أموية وهي أخت ميمونة أي من بنات أبي سفيان(3).
فللنسب والرحم سلطان على نفوس الناس، يسوقهم حيثما اشتهى من بيده زمام اللعبة، كسلطان الطائفية اليوم في السياسة الدولية المعاصرة، حيث ان السُني أو الشيعي، ثمّ المسيحي أو اليهودي، أو من له أدنى رابطة بأي من تلك الطوائف يمكن أن يُسخر ويستغل ويستخدم، وهو ما نلاحظه ونلمسه لمس اليد..
ولأن سلطان العصبية مستحوذ على الأمويين، وأذنابهم من الشاميين والعراقيين، ولأن سطوة القبلية مهيمنة عليهم، برزت أطروحة حمية الجاهلية بلا حياء ولا خجل وعُرضت على علي الأكبر ظناً منهم بجدواها، وقد كانوا من البلادة والغباء بحيث قارنوا أفذاذ الأمة كعلي الأكبر بأنفسهم هم شذاذ الآفاق ونبذه الكتاب، ونسوا أن علياً ونظائره لا يستجيبون لتلك الدعوات حتى وإن بلغ السيل الزبى..
فما موقف علي من تلك الأطروحة وذلك العرض؟؟.
لابدّ أن ندرك بأن العرض هذا رخيص، وعلي يتجاوب مع العرض الثمين النفيس، الذي يكون أقل ما يدفع له الجسد والروح .. وقد سبق له أن استجاب لعرض لا يدانيه عَرض آخر، لم يقدمه شامي ولا عراقي، عرض ليس من أجل يزيد والرحم.. وانما قدمه رجل آخر، وأي رجل ذلك الذي هز مهده جبرائيل،سبط المرسلين ونجل سيد الوصيين وابن الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين.. أي رجل هذا وأي عرض يحمل.. إن هذا الرجل بذاته وعظمته يكفي قبل أن يقدم ما عنده من عرض مبدئي، فهو بذاته عرض رسالي نفيس لا يقاس.
أجل إن لعلي الأكبر عهداً ووعداً بالمصادقة على ميثاق وقعه حول ما قُدم له، حيث أطروحة الحسين الحرة، ولهذا أجاب أهل العرض الرخيص بجواب حدي بقوله:
((لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحق أن ترعى(4) .. ثم هجم عليهم..
فلا رحم ولا قرابة أقدس مما وصى القرآن بها وحرص بشدة عليها، فأي يزيد أم أية رحم أموية هذه؟!
((لقرابة رسول الله أحق أن ترعى من قرابة يزيد بن معاوية.. ثم شد عليهم)) (5).
وبهذا فقد قابل علي منطق الجاهلية الرعناء، بمنطق الرسالة والقرآن العظيم: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) قرآن كريم.
وأعظم ما في الموقف أنه لم يقل لهم أنه أبي وأنا ابنه فعليّ أن أدافع عنه، ولم يذكرهم بأنه سليل الرسول ولهذا يراعي رحمه وصلته بالهاشميين، وانما كان جوابه جواب المؤمن بالرسالة وحتمية حفظ قربى الرسول، وقد يكون مستساغاً أن يعلن كونه يراعي نسبه المقدس ولم يعلن ذلك وإنما قرر بصيغة جوابه، الواجب الشرعي على كل فرد مسلم كأمر مفروض لا محيص عنه ولا مناص منه ((فقرابة رسول الله أحق أن ترعى)) لا لأنها مجرد قرابة الرسول وإنما لأنها قد أنيطت بها الرسالة والدين الحنيف..
أخيراً .. كان علي في غنى عن تلك البادرة البليدة، لأنه أسمى من تلك العروض التافهة، لكن العدو كان مضطرب العقلية مرتبك الموقف.. كما أننا في غنى عن الوقوف الطويل هنا، لولا الحاجة الماسة للتأكيد البياني على الأخلاق الجاهلية والقيم والمثل الجاهلية التي حورب بها الإمام الحسين وآله وأنصاره، من حيث عورضت بها الرسالة من قبل وحورب بها مسبقاً جده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)..

المجاهد العنيد


الجولة الأولى:
وامتشق حسامه المهند من غمده، ونزل مخترقاً صفوف العدو المتكبر، فراح الأكبر في كبرياء العز يضرب الأجلاف ويجندل الجبناء، ويحصد بهم فيوقع أكبر الخسائر في أوساطهم.. راح يضربهم فوق الأعناق ويضرب منهم كل بنان..
ظهر تأثيره عليهم حينما دخل دائرتهم وأخذ يخوض في وسطهم العسكري، ليمزق جمعهم ويفرق صفوفهم ويشتت شملهم الشريد، فقلب وقوفهم وحالة سكونهم إلى حركة دائمة، وركض وهروب فهزيمة فالرجل من إذا هرب نجا..
وغاب شخص علي الأكبر بينهم غياباً تاماً يتجلى للعيان بما يلعبه فيهم ويؤثر عليهم، فلا يظهر منه غير نشاطه المتمثل بهز العسكر وزعزعة الجيش إذ كان نزاله المسلح بكل طاقاته وقدراته مما أعيى الفرسان المدججين والكماة الناصبين، واستمر في فعالياته البطولية يخرق الصفوف ويتحدى السيوف.. نزل فيهم نزول الأسد الجريح، وخاض بهم خوضاً لم يشهدوا له مثيلاً قط، فما يترك كتيبة إلا وعاد إليها وما يلبث أن يرجع لمن فرقهم بسيفه الصقيل، مضى يتصرف بهم حسبما يريد، وقد عجزوا عن وضع حد له وإيقاف قواه التي تواصل استعراضهم فتكيل لهم الضرب وتنزل بهم الخسائر الجسيمة.. (ولهذا حرصوا على أن ينتقموا منه بعد قتله، وذلك بتمزيق جسده).
حتى إذا ماجهلوه وظنوا أنه علي بن أبي طالب قد خرج إليهم، لأنهم لم يصدقوا أن هذه الحملات الشجاعة لغيره، طفق يكشف لهم عن هويته المقدسة واسمه الشريف - كما قيل عن سبب ارجوزته التالية - . أو أنه أراد توضيح شخصيته ومهمته المنوطة به فبادر معلناً لهم، وهو ما زال ماضياً بعزم لا يلين، ينشدهم أنشودته الخالدة وأرجوزته المجيدة:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي

تا لله لا يحكم فينا ابن الدعي أضرب بالسيف أحامي عن أبي
ضرب غلام هاشمي علوي(1)
أعلن لهم أنه نجل الحسين حفيد أمير المؤمنين علي..
كما أعلن رفضه لحكم الطلقاء وسياسة ادارة الأدعياء فلا وفاق عليها مهما بلغ الثمن: ((تا الله لا يحكم فينا ابن الدعي)).
أبلغهم أنه سيواصل سيره بسيفه المصلت فوق رؤوسهم ذاباً عن الدين الحنيف ومحامياً لأبيه سيد الأمة..
نبههم أن صرامته وتصلبه، وضرباته الفتاكة لها ما وراءها من رصيد هاشمي، فقوة ضربته وعزيمة ساعده، وتحمله لمشاق المعارك وهول الحروب انما له أصالته بدءاً من هاشم خير الكيان القرشي.. تلك المعاني السامية والإيحاءات الجدية تصك أسماع الأعداء، وهو يكرر انشودته ويكر عليهم كرات جده الكرار فلا يعرف أي معنى للفرار..
((فلم يزل يقاتل حتى ضج أهل الكوفة لكثرة من قتل منهم، حتى روي أنه على عطشه قتل مائة وعشرين رجلاً)) (2).
___________
1- الارشاد للشيخ المفيد، وغيره كالمقتل للخوارزمي وأعيان الشيعة، وفي الفتوح بعض الزيادة عن هذا .. وفي الطبري والكامل نقصان عنه... وهكذا بتفاوت جلي...
2- مقتل الحسين ـ للخوارزمي ح 2 ص 30 وفي الفتوح جاء ((فلم يزل يقاتل حتى ضج أهل الشام من كثرة من قتل منهم، فرجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة)) ج 5 ص 209 بمعنى أن ثمة تسليم بوجود بعض الشاميين .

لم يفت في عضده العطش بل حتى الجراح المعضلة، يسمو يحدق فيهم متعالياً فوق الجواد الناهض .وإذا ما تحاوموه بجمع وكتائب يردهم ويجبرهم على التقهقر والنكوص قسراً..
يرمي الكتائب والفلا غصت بها في مثلها من بأسـه المتوقـد
فيـردها قسـراً على أعقـابها في بأس عرنين العـرينة ملبد
وما همّ بالعجز، وهو شامخ على صهوة جواده بجراحه الدامية المتدفقة دماً عبيطاً، حتى إذا زاد ألم العطش وأخذ منه مأخذاً إلى جانب الجراح والدماء السائلة، رجع وهو يأمل أن ينال شربة من الماء لو وصل إلى المخيمات..


العودة المؤقتة:
وعاد ولكن ليرجع، عاد كيما يعود إليهم، إذ توعدهم ثم أنه على موعد مع الله سلفاً، موعد لا يخلفه في مكان وزمان سوى.. غير أنه الآن عطشان لحد قد يمكن العدو منه، فهو ظمآن إلى درجة تفقده الرؤية الجيدة، فلا يرى الأوباش ولا يميز الأشياء.. عاد..
عاد وهو يحمل رأس أحد فرسان الأموية المدعو، بكر بن غانم، الذي تحدى علياً وصمم على قتله بقوله ((لأثكلن أباه))، لكن علي الأكبر تلقاه فبارزه حتى صرعه وأرداه وحمل رأسه وهو يحس بالجهد الشديد الوطأة فوصل المخيم الحسيني وقد رمى بالرأس، وهو يردد:
صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا برزت فصيدي الأبطال


هذا ما جاء في رواية .. بينما أجمعت الروايات حول عودته المؤقتة، على جفاف حشاشته، ويبوس فمه، وذبول شفتيه، حتى بلغ لسانه أقص حدود الذبول بعظم الظمأ الذي ناله..
فهل كان متيقناً، أو معتقداً حصوله على جرعة ما ء يطفي بها لهيب العطش؟ فحن نقرأ له كونه طلب من أبيه شربة من الماء.. (( يا أبه: العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة من الماء سبيل، أتقوى بها على الأعداء)) (1).
فترقرقت واغرورقت عينا أبيه.
وأي سبيل هذا يا سيدي.. أم كيف ؟
ليت شعري .. أو ما يرى عليّ حال أهله وذويه، ويبوس حتى شفتي أبيه، وإن فاقد الشيء لا يعطيه..
وكأني به يجيب فيقول : أجل وهو كذلك فأنا أدرى بسر الحال، ولكن الأمل.. إنه الأمل في إطفاء غائلة الظمأ...
انه يعلم جيداً، بيد أن أمله كان قوياً وأراد أن يقتنع أو يقنع نفسه فقط، فهي حالة نفسية ألحت عليه بالعودة وإلا فالماء غير موجود (إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قضاها) قرآن كريم.
وهذا الحد الأدنى من أمل الإرتواء النسبي لم يتحقق، ولذا دمعت عينا أبيه الحسين، ولا أدري كيف دمعت وسالت الدموع حينما أجاب الأب العطشان ولده بقوله : ((واغوثاه.. ما أسرع الملتقى بجدك فيسقيك بكأسِه شربة لا تظمأ بعدها أبداً)). وفي رواية أنه أجابه بقوله:
((يا بني قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فيسقيك بكأسه الأوفى)) (2) .
وعن الخوارزمي: ((فبكى الحسين وقال : يا بني، عز على محمد وعلى علي وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك وتستغيث بهم فلا يغيثونك، يا بني هات لسانك، فأخذ لسانه فمصه، ودفع إليه خاتمة وقال له: خذ هذا الخاتم في فيك وارجع إلى قتال عدوك، فاني أرجو أن لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً)) (3).
ثم انه عليه السلام انتزع الخاتم ليضعه علي في فمه تحت لسانه .. وهذه عملية اسعافية قد تفيد ان للخاتم - أو أي شيء بنفس حجمه - دور في إثارة الغدد لتفرز ما يسعف الحال(4).
وبعد أقل القليل من الماء، فعطف ليودع أمه التي روي عنها أنها كانت شديدة القلق عليه حتى أغمي عليها وأفاقت ورأسها في حجر ولدها العائد من الجولة الأولى والذي لابد له من جولة ثانية كيما ينال شرف الشهادة المقدسة..

وراح يودع الجميع ليواصل المسيرة الفردية المسلحة رغم مكابدته لوطأة العطش وضنى الظمأ، وقد كتب في حالته هذه أحد الشعراء المؤمنين قائلاً فيه:
ويـؤوب للتـوديع وهـو مكابـد لظمـى الفؤاد وللحديد المجهـد
صادي الحشا وحسـامه ريان من مـاء الطلـى وغليله لـم يبـرد
يشـكو لخير أب ظماه وما اشتكى ظمأ الحشا إلا إلى الظامي الصدي
كانت حشـاشته كصـالية الغضـا ولسـانـه ظـمأ كشـقة مبـرد
فانصـاع يؤثـره عليـه بريقـه لو كـان ثـمة ريـقه لم يجمـد
ومـذ انثنى يلقى الكريهة باسـماً والموت منـه بمسـمع وبمشهد

لـف الوغى وأجالها جول الرحى بمثـقـف مـن بأسـه ومهـند







الجولة الثانية:
((ما أسرع الملتقى بجدك فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا))...
وما أروع هذا الارتواء الروحي والشربة المعنوية والجرعة المشبعة بالمعاني الجليلة، وقد عملت عملها في نفس علي الأكبر، فغدا لى الحلبة في جولته هذه وهو أشد اشتياقاً للارتواء الأبدي بماء الكأس الأوفى لجده المصطفى من حوض الكوثر وجنة عدن..
انها لبشارة مبهجة، لا يعيها أو يستوعبها فيتأثر بها إلا ذوو العلم والإيمان واليقين بما ينتظرهم من نعيم الفردوس ويفيض من على موائدها أو ضفاف أنهارها.
وتقدم البطل، العملاق العطشان الراوي من الإيمان..
وامتشق حسامه فرن رنينه إيذاناً ببدء فعالياته . وشقَ الرمال معتلياً صهوة جواده الذي خلف وراءه غبرة غليظة ممتدة .. شد عليهم ليكتسحهم كسحاً، ويكرد جحافلهم كرداً..
((فزحف فيهم زحفة العلوي السابق، وغبّر في وجوه القوم، ولم يشعروا أهو ((الأكبر)) يطرد الجماهير من أعدائه، أم أن ((الوصي)) عليه السلام يزأر في الميدان، أم أن الصواعق تترى في بريق سيفه، فأكثر القتلى في أهل الكوفة حتى أكمل المائتين)) (1).
هذا وهو يؤكد لهم بأن ثمة حقائق قد تجلب للحرب هذه، وهي حقائق ثابتة، ولا مجال للتفريط في حق تلك الحقائق ذات البراهين والمصاديق الواضحة البينة على الساحة فأثناء شنهِ لحملاته، صرح لهم مؤكداً وبأسلوبه الجميل من خلال أرجوزة جميلة وأنشودة ثانية جليلة، كررها على مسامعهم بمنطقة المسدد:
الحرب قـد بانت لها حقائق وأظهرت من بعدها مصادق
<H6 dir=rtl style="MARGIN: 0px 10px; TEXT-INDENT: 15px">والله ربّ العرش لا نفـارق جموعكم أو تغمـد البوارق



فبناء على تلك الحقائق وما تبعها من مصاديق عملية، فهو يواصل دورهُ أبداً دون أن يترك الساحة، كيما يقوم بتدعيم المصاديق، ولن يفارق مهمته قط، لأنه سليل أهل الحق وسادة الحقيقة وربان الحقائق التي بدأت جلية على أيديهم وواصلوا الكفاح من أجلها، والجهاد خلال الصراع في خضم التنازع على البقاء والإبقاء، وأنه سيبقى وسيثابر على ثباته ويكرر وثباتهِ بتحدٍ وصرامة وغلظة: ((والله ربّ العرش لا نفارق)).
فاضمروا له الكيد، وبيتوا له المكر، إذ أوغر صدورهم وملأها رعباً وقلل من شأن شجعانهم، مستصغراً فرسانهم.
مضى بلا ملل يؤدي أعماله في ضوء أقواله، ويحقق منطق انشودته الخطيرة، وليبر بقسمه براً لا حدّ له، عبر صولاته المحمدية، صولة إثر صولة وسط الحلبة في آخر جولة، زاحفاً زحفه الجهادي باطشاً بطش الأسد الغاضب.
ويكاد ينهار البطل العقائدي العطشان، فقد تقاسمت طاقاته كل من : التعب والارهاق، والظمأ الشديد، والجراح التي توزعت على جسده الشريف، فأخذ الدم يتدفق وينساب من جراح جسمه كالميزاب..
لكنه ظل شامخاً بجراح جسده يقاتل قتالاً شديداً إذ بلغت فيه روح التفاني حد الاستهانة بالدنيا واستصغار شأن الحياة..
قتال من ليس لسلامته أدنى أمل. وعلى هذا الأساس ومن هذا المقياس، عليك أن تتأمل وتحسن تقدير موقف هذه الشخصية الشابة، الشخصية العقائدية العملاقة.. فالتضحية من أجل القضايا العادلة، والثبات الدائم، والمثابرة والتوثب على العدو مما لا غنى عنه، إذ أن الصمود قوة نستمدها من الصامدين، والصبر نستلهمه مفهوماً حركياً، لا مفهوماً انهزامياً، مفهوماً إيجابياً حساساً لا سلبياً رديئاً..
والصبر مفهوم حركي علينا أن نستلهم من رواده أبعاده ومراميه، ومنهم نحدد معانيه..
ما برح علي يجول في أوساط معسكرهم يلقنهم أقسى الدروس، ولا يكادون يحددون له ساحة أو موقعاً - كيما يضيقوا عليه - حتى يوسعها عليهم بشنه للهجمات.. وشاهد بعضهم جسده الذي سالت منه الدماء كل مسيل، فأدركوا أنه قد ضعف عن القتال أو يكاد.. ولاحظوا وهم في رعب وذعر وانهزام أنه قد يجف جسده من الدم كما جف من الماء.. وعندها سيشفون به صدورهم الموغرة.
</H6>

الانتقام:
((عليّ آثام العرب إن مر بي وهو يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه)) (1).
هذا ما قاله أحد المرتزقة في معسكر العدو، وقد التاع وتعذب من شدة حملات علي الأكبر وصولاته حتى بلغ من البغض له والحنق عليه والحقد بحيث صمم على التصدي لهذا المجاهد العطشان، ولا شك أن هذا المرتزق قد ذاق أنواع العذاب من هروب وهزيمة وجبن من سيف علي الأكبر، ولكنه حينما لاحظ تعب عليّ وارهاقه تجرد من جبنه واستجمع جرأته وقال قولته تلك.. انه المدعو (مرة بن منقذ بن النعمان العبدي) الذي تتضح روحه الجاهلية من كلماته ومنطقه ((عليَّ آثام العرب.. والحق أن آثام العرب يستحقها وهي عليه وهو بمستواها، إذ أنه كاره ومعادٍ وقاتل لأشبه الناس بسيد العرب والعجم، وبالرغم من المنطق القرآني الناهي لمثل ذلك المعنى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) نجد أن ذلك الجندي الجاهلي مصمم على تحمل أوزار العرب، مع أنه مستوزر كثيراً من الأوزار، وهكذا أحب أن يحمل على ظهره هو ومن على شاكلته أوزاراً ثقيلة لا طاقة لهم ببعضها.. (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) قرآن كريم.
ولولا العار عليه من قبل رفاقه لصمم ولأقسم باللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، لكن صيغة تصميمه تلك أقل كشفاً لمضمونه الجاهلي كما يتوهم، وعلى كل حال فإن الأهداف والدوافع الدفينة قد انكشفت، وتكشفت عن الحرب الجارية هذه حقائق لم تخف أو تنطمس.
الحرب قد بانت لها حقائق وأظهرت من بعدها مصادق

ولكي لا نهمل النص السابق علينا أن نلاحظ ما فيه ونرى ما يمكن أن نستوحيه . قال: ((... إن مر بيّ))، كما قال : ((.. وهو يفعل مثل ما كان يفعل)).
يبدو جلياً أن علياً كان لا يترك لهم جمعاً إلا ومر به ولا كتيبة إلا وهاجمها، وكأنه كان يستعرضهم بحملاته استعراضاً عسكرياً مرعباً، بحيث أنه ما أن يترك كتيبة إلى غيرها حتى يعود إليها وإلى غيرها، وهكذا دواليك بنشاط منقطع النظير بحيث أنهم يتوقعون معاودته وكرته عليهم ثانية لهذا توقع ذلك الجندي فقال ((.. إن مر بي)).
ويبدو أنه كان يفعل بهم فعلاً لم يشهدوه طوال حياتهم العسكرية من شاب مسلح بمفرده، فكان استعراضه للجيش رهيباً، ان مرة العبدي لاحظ حرص علي الأكبر على تلقين جموعهم دروساً قاسية وتعليم جحافلهم حقائق بطولية رسالية لاتنسى لاحظ حرصه على عدم إهمال أي كتيبة دون أن يطعمها بالقتلى والجرحي ويختم لها بالهزيمة المنكرة فحقد حقداً قوياً . ((عليَّ آثام العرب، إن مرّ بيّ وهو يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه)).
فانتظر دور الكرة العلوية على كتيبته الأموية، وقد نزع منه لباس الهروب والهزيمة، وكأنه نسي أنه جبان جلف جافي.. فراح يتربص ويلتمس الفرص، ليطعنه ولو عن بُعد منه، وبينما كان الشجاع العطشان يستعرضهم رغم ضعف بدنه ذي الجراح المثخنة المكثفة، ويزحف على جموعهم بالتتابع، كأنما هو زحف منتظم، وبينما كان يشق طريقه مقاتلاً بقواه الباقية، دنا الجندي المرتزق فتأهب مستجمعاً جرأته على الله ورسوله، وجسارته على الحقائق مسدداً رمحه الطويل في ظهر علي(2) (سلام الله عليه) فغرز الرمح - أو السهم - فيه، فانحنى علي على جواده، ثم ثنى له العدو بضربة على رأسه الشريف، ففجه، حينها أطلق علي الأكبر صوته بالسلام علي أبيه:
((يا أبتاه عليك مني السلام. هذا جدي يقرئك السلام ويقول لك عجل القدوم إلينا)).
ثمّ شهق شهقة فاضت أثرها روحه الزكية..
لكنهم لم يتركوه، فثمة دور ومهمة لهم. ترى ماذا فعلوا به وبجسده الذي أذاقهم مرّ طعم المواقف المسلحة؟؟؟


الشهيد


المنتقمون:
ما أن تناهى إلى مسامع أبيه الحسين صوت حبيبه وسلام ريحانته حتى طفق نحو الساحة معتلياً جواده، كأنه في سرعته طائر ينقضّ من علو الفضاء..
ولكن بأي حال وجده أم بأي وضعية رآه..
لقد وجده جسداً ممزقاً مبعثر الأشلاء، متناثر الأعضاء، تتدلى بعض أوصاله من جانبي جواده الذي كساه الدم الزكي حلة حمراء.. هكذا تركوه.
فلم يتركوه إلا بعد أن مثلوا به سريعاً، إذ احتوشوه من كل جهة، وما أسرع ما وضعوا سيوفهم وحرابهم وسكاكينهم ليقطعوه تقطيعاً ويمزقوا جسمه تمزيقاً . ليشفوا غيظ صدورهم، ويرووا حقد قلوبهم مما أدخله عليهم من عذاب دنيوي هذا الشاب العطشان الشجاع الذي شكل جيشاً يقابلهم بمفرده، وعسكراً لوحده، وأُمة بذاته.
كان سلام الله عليه صلباً صابراً في البأساء، شديداً في الله، غليظاً على الأعداء، الأمر الذي يفسر شوق ابن العبدي للانتقام منه، ثم أشواق أولئك المرتزقة الذين آلوا إلا أن يشبعوا غريزة الانتقام، وكان كل منهم أراد أن يتبرك بجسده ويتزلف للشيطان بطعنه وغرز حربته بعضو من أعضائه الشامخة التي أذاقتهم مرّ الحياة، وحنظل المواقف العسكرية.
ولولا مجئ الإمام الحسين (عليه السلام) لأكلوه، لأكلوا كبده وقلبه، وما يدريك؟ ولِم العجب ؟ ألم تلك ((آكلة الأكباد)) هند الأموية كبد عمه حمزة الذي كان يجول في بطحاء الجزيرة.. أجل لولا إسراع الحسين لأتوا على أشلائه بأنيابهم فضلاً عن حرابهم، ولكان أثراً بعد عين.. وتلك سجية الأجلاف..
وصل الإمام إليه، وأخذ يطيل النظر إليه، ثم التحق به شباب هاشم فأخذوا مواقعهم حول الجسد الصريع وهم يقرأون آيات البطولة الرسالية والعظمة على صفحات جسده وعظامه المهشمة..
وهدأ جيش الأعداء بعد ضجيج دام خلال الجولتين وسكن العسكر بعد اضطراب طويل، فتنفسوا الصعداء، وانشغل بعضهم بجر القتلى مع أوزارهم، ودفن الجثث البالية فيما انشغل الجرحى بدمل جراحهم وأنين الشقاء يصدر منهم، بينما انشغل الباقي بتراشق التهم والعيوب وكل منهم يعيّر صاحبه بالهزيمة ويتبرأ كذباً من الهروب.

الإمام الحسين مع أشلاء الشهيد:
لا نفهم لماذا وضع الإمام خده على خد ولده المجاهد العظيم، وبالأحرى نحن لا نفهم ما رتله الإمام وتلاه حينذاك، فلم ندرك سر هذا الإجراء الذي لا يخلو من معنى..
غير أننا نفهم بأن الآلام قد ألمت بالإمام نتيجة التنكيل وشدة الانتقام بهذا الجسد الشريف، وقد ضاق به مشهد ولده سليل المصطفى فهو عبارة عن أشلاء موزعة وأعضاء مقطعة.. ثم تزداد حسرات الإمام وآهاته لما يدركه عميقاً من منزلة لهذا القتيل، ومن شأن وحرمة عند الله وعند رسول الله لذلك تمتم:
((قتل الله قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول.. على الدنيا بعدك العفا)) (1).
فصغرت الدنيا بعين الإمام.. ثم أنه قال وآثار الشجون قد تجلّت على سحنته الشريفة:
____________
1- الطبري: ج 4 ، ص 340 ، واللهوف: ص 44 ، وابن الأثير: ج 3 ، ص 293 .

(( أما أنت يا ولدي، فقد استرحت من هم الدنيا وغمها وسرت إلى روح وريحان وجنّة ورضوان، وبقي أبوك لهمها وغمها، فما أسرع لحقوه بك)).
ونزلت بالحسين آلام ظهرت معالمها على كيفية قيامه من الأرض، كأنه العجوز المتعب، وظهرت معالمها حينما اعتذر من حمل ولده بنفسه، فطلب من الشبيبة الهاشمية أن تتبنى حمله، لأنه قد صرح: ((والله لا طاقة على حمله)) (1).
قام الحسين (عليه السلام) ونهض الشباب الهاشمي وقد حملوا الشهيد العظيم..
قام الحسين وهو مختنق بعبرته يحبس حسراته وآهاته في صدره، قام وهو يكفكف بقايا دموعه محتسباً صابراً.. وأخذ يطيل النظر إلى الشهيد المحمول، فكما تابعه حينما خرج للحرب وودعه، يتابعه الآن بطرفه ويلاحقه بالنظر إلى جثمانه الممزق وهو يقطر ويسيل دماً، تحمله أكف الشباب بمطارف حمراء ناقعة بالدم..
شباب لا يخيفهم الموقف ولا يرهبهم المنظر، كما لا يخشون نفس المصير الذي آل إليه هذا المحمول.. شباب ينتظرون مهامهم وأدوارهم، يتنافسون ويتسابقون وكأنما هم يتسلون وفي الحلبات يمرحون، وكأني بهم لا يحملونه فحسب بل يحملون الثأر له ولمن سبقه، يحملون فكره وعقيدته، وإذ هم يضعونه في مخيم الشهداء، فلا ليبقوا معه .. هم جاءوا به لا ليجلسوا حوله، وانما لكي يواصلوا دوره، أو يجددوا صولاته في الميدان، وفعلاً كانوا يحملونه ليرجعوا، ولولا الأوامر الحسينية بحمله إلى المخيم، لما عاد الشباب المؤمن العقائدي إليها، ولباشروا وشهروا السيوف من هناك.
ذلك لأن الشهيد عندهم يغري الآخرين بالشهادة ولا يخيفهم منها، يشوقهم ويجعلهم يتلهفون لها ولا يرهبونها.
يبقى في ذهن الحسين هذا الأب الكبير، ذكرى ولده علي الأكبر، ويبقى في تصوره، صوت علي، وصورة علي، ومنطق علي، وخلق علي ومجمل مواصفات النبي.. وإذ كان هو ذكرى الرسول ومنعكس صورة النبي، فقد فقده وفقدوه جميعاً.. ويتذكر الأب العظيم علويات ولده ومحمديات ابنه، أقواله الصارمة وكلماته الصلبة الكثار التي لا نملك منها إلا أقل القليل، يتذكره جيداً وهو أدرى بما قاله ولده بمنطقه الجميل وأسلوبه الجليل .. فهو يتصوره متكلماً مرة:
((لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحق أن ترعى))..
((نحن ورب البيت أولى بالنبي)). (( يا أبه أفلسنا على الحق)) ((إذن لا نبالي بالموت)). ((والله لا يحكم فينا ابن الدعي)) ((الحرب قد بانت لها حقائق)).. ((يا أبتاه عليك مني السلام))..
آه ذكريات أيام وساعات مضت.
((جزاك الله يا ولدي خير ماجزى به ولد عن ولده)).
((ما أجرأهم على الرحمن وانتهاك حرمة الرسول)).

آثار المصرع:
تناهى إلى مسامع الفاطميات خير مصرع علي الأكبر ووصول جثمانه الموزع والمقطع بالحراب والأسنة، فكان للحادث وقعه العميق على النساء المخدّرات، وأي وقع أم أي عمق وهن ينظرن إلى شبيه جدهن رسول الله محمولاً وقد فارقت روحه الطاهرة جسده الزكي.. هذا الذي كن يجدن أسعد ما هن فيه ساعات اللقاء به والتحدث إليه، وإذا به قد آثر الصمت والرحيل إلى حيث لا عودة أو رجوع..
إنه لمصاب جليل على أُمه، اخواته، عماته، وأعظمهن مصاباً عمته الكبرى عقيلة بني هاشم، حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، الحوراء زينب (عليها السلام)، إذ التاعت ألماً وازدادت أسىً وتفجعاً، وقيل أنها خرجت تندبه وتنادي باسمه..
فعن أبي جعفر الطبري، عن شاهد عيان - حميد بن مسلم الأزدي - جاء هذا القول:
((وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة، تنادي يا أُخيّاه، ويا ابن أخاه.. قال فسألت عنها، فقيل لي هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) (1).
زينب التي إذا خرجت هرعت خلفها النساء من داخل خدورهن وخيامهن، وإذا قالت قلن معها، وإذا سكتت سكتن وإن عادت عُدن، اقتداءً بها، ومواساةً لها، وهكذا بدأ رثاء المجاهد الكبير الشهيد العظيم..
ولما كان موكب النسوة يولّد موقفاً سلبياً لأنه سيُشمت الأعداء ويسرهم ويبهجهم، ولما كان الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، شديد الحرص على ألاّ يدخل السرور على الأعداء، وألا يشمتوا بأهل الحق، فقد رأى أن ترجع جميع النساء فوراً، ولكن من يستطيع ارجاعهن، أو يقدر ان يسيطر على موقف العواطف المتدفقة ساعات الأسى العميق واللوعة الكبيرة، فمن الصعب أن يصغين لدعوة الرجوع من أحد سوى الإمام الحسين الذي وجد في شقيقته الحوراء زينب أول من ينبغي أن تعود لأن الباقيات الصالحات سيتبعنها بالتأكيد. فأخذ الإمام بيدها وأرجعها إلى الخيمة(2).
ورجعن جميعهن إلى خيامهن كسرب طيور تؤوب إلى أوكارها، رجعن كيلا يشتمن الأعداء، فلم يظهر منهن صوت حزن عاليا... سيما ولهن فيما بعد أوقات طويلة للبكاء والنحيب، يروحن بها عن أنفسهن وجراح صدورهن وتصدعات قلوبهن، وهو ما أشار إليه الإمام، ورجاهن الصبر ((ان اسكتن فان البكاء أمامكن)).. أو كما كلّم ابنته وحبيبته السيدة سكينة فيما بعد، فمما قال لها:
سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي منك البكاء إذا الحمام دهاني


أجل هكذا، فنحن لا نطالب النساء مهما كان ايمانهن كبيراً، وحتى نسائنا اليوم أن لا يبكين ويندبن ويرثين فهو أمر لا مفر منه، وهل نريد منهن أن يتحملن الألم، ألم فقدنا ثم يسكتن؟ اننا نطالبهن بأن يقدرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن لا ينهين الإخوان والأبناء عن المعروف ويثبطنهم عن العمل والسعي في سبيل الله، كما نطالب من يبرر قعوده عن الجهاد - من أجل إعلاء كلمة الله - بثكل أمه وتدهور أحوال أهله، أن يقلع عن هذه الشيطانيات ولا يكون أسير الشيطنة رهين ضيق الأفق.
فلتبك النساء ولتمت الأم والأمهات، وتلتاع الأخوات كل ذلك مع سفك الدم والتضحية بالروح بعد كمال الفداء والتفاني من أجل مبادئ الإسلام الخلاقة...

رثاء الشعراء:
كلا . إن رثاء رواد الحقائق لا كرثاء الميت العادي الذي يعني رثاؤه ختم حياته ودوره وإعطاءه اعتباره وكفى ثم إهالة التراب وغلق قبره..
إن رثاء رواد الحقائق هو إثراء للقيم والمفاهيم ذلك لأنهم شهداء بكل ما للكلمة من معنى.. فعلي الأكبر إذ يترنح أرضاً وأضحى طريح رمال ربى الطف يظلله فسطاط الشهداء إلى جانب الذين صرعوا ممن قد سبقوا عليّاً إذ هو في مرقده المقدس، كغيره كأبيه لم يزل فكراً نيراً ومثلاً شامخاً سامياً، ومن شأن الفكر والقضية المبدئية أن لا تنالها يد السوء والردى إن نالت الجسم والجسد.

ومحا الـردى يا قاتل الله الردى
منه هلال دجـى وغـرّة فرقـدِ
يا نجعة الحيين هاشـم والنـدى
وحمى الذمـارين العلا والسؤددِ
فلتذهب الدنيـا على الدنيا العفا
ما بعد يومك من زمـان أرغـد
كيف ارتقت همم الردى لك صعدة مطـروده الكـعبيـن لـم تتأوّد
أفـديه مـن ريحـانة ريـانـة
جفّت بحر ظـمى وحـرّ مهـنّد
بكر الذبول علـى نضارة غصنه
إنّ الذبول لآفة الغصـن النـدي
لله بـدر مـن مـراق نـجيعـه
مزج الحسـام لجينه بالعسـجد
ماء الصبا ودم الوريـد تجاريـاً
فيه ولا هـب قلبـه لـم يخمد
لم أنسـه متعمّماً بشـبا الضبى
بين الكماة وبالأسـنّة مرتـدي
خضبت ولكن مـن دم وفراتـه
فاخضرّ ريحان العـذار الأسـود

هكذا يرثيه الشيخ العاملي - كما رثاه شيخ آخر بقوله:

يا نفس ذوبي أسىً يا قلب مـت كمـداً
يا عيـن سحي دمـاً يا أدمع انسكبي
هذي المصائب لا مـا كـان في قـدمٍ
لآل يعقوب من حـزن ومـن كـرب
أنى يضـاهـي ابـن طـه أو يمـاثله
في الحزن يعقوب في بدء وفي عقب
إن أحـدبت ظـهره الأحـزان أو ذهب عيناه من مدمـع والرأس إن يشـب
فان يوسـف في الأحيـاء كان سـوى
ان الفـراق دهـى أحشـاه بالعـطب
هـذا ويحضـره مــن ولـده فئـة وإنـه لنبــي كـان وابــن نبـي
فكيف حال ابن بنـت الوحي حين رأى شـبيه أحمد في خلق وفـي خطـب
موزعـاً جسـمـه بالبيـض منـفلقاً بضربهٍ رأسـه ملـقى على الكثـب
هنـاك نادى على الدنيـا العفا وغـدا يكفكف الدمـع إذ ينهـل كالسـحب



وللسيد ابراهيم الطباطبائي قصيدة منها:
فاسـتقبلوه وقطّـعوا جثـمانه

إربـاً فإربـاً بالســيوف البتــّرِ

يلقى السيوف بطلق وجه أزهر
كالبدر يشرق في العجاج الأكـدرِ(1)
تركت سـيوف أميّـة جثمـانه
متوزّعـاً بيـن القنـا المتكسّــرِ
تعدو الجياد عليه وهي ضوابح
عقـر الهاتيـك الجيـاد الضـمّـرِ
اننا ننتقي مقاطع أدبية شعرية قصيرة دون أن نطيل . ولم يكن هؤلاء شعراء محترفون للشعر، بل إنّ هذا ما جادت به قرائح علماء وأدباء شغفوا بحب أهل البيت، واستغرقوا في تصور أنشطتهم، والوقوف على أحداثهم وبطولاتهم، وروائع مواقف ثباتهم المبدئي.
ولنتمثل بأبيات أبي تمام حول علي الأكبر (عليه السلام):
ألا في سـبيل الله من عطـلت لـه فجـاج سـبيل الله وانثغـر الثـغر
فتـى كلما فاضـت عيـون قبيـلة
دماً ضـحكت عنه الأحـاديث والذكر
فتى دهره شـطران فيمـا ينـوبه
ففي بأسه شـطر وفي جوده شـطر
فتى مات بين الطعن والضرب ميتة تقـوم مقـام النصـر إن فاته النصر
وما مات حتى مـات مضرب سيفه
من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
غداة غدا والحمـد نسـج ردائـه
فلـم ينصـرف إلا وأكفـانه الأجـر
تردى ثياب الموت حمراً فما دجـا
له الليل إلا وهي من سـندس خضـر



1-لأبي الحسن التهامي أبيات يرثي بها ولده وهكذا يقول:
يا كوكباً ما كان أقصـر عمره وكذاك عمر الكواكب الاسحار
وهلال أيام مضى لـم يستـدر
بدراً ولم يمهل لوقت سـرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانه فمحـاه قبل مظـنه الإبـدار
فكـأن قلبـي قـره وكــأنه
في طيه سـر من الأسـرار
فإذا كان يصف ولده بالكوكب والهلال فماذا عساه يصف علياً لو رآه وماذا عسى الشعراء أن يقولوا بعلي أو ما عسى أن يقول أبوه أبياتاً فيه.



(سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار):
لو استحضرنا قصة يوسف ومعاناة يعقوب عليهما السلام، لنقابلها بقصة علي الأكبر ومعاناة الحسين (عليهما السلام) فليس من باب المفاضلة والتفاضل أو المقارنة، وإنما من باب الحرص علي التنبيه وإلفات النظر، حيث لا تشابه بين القصتين إلا من حيث طبيعة المردود وأثر المفقود..
فيعقوب النبي، لم يبتل بما ابتلى به الحسين الوصي، وليس له مشكلة سوى أنه فقد ابنه ولم يستيقن قتله، فعانى ما عاناه حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وكاد أن يكون حرضاً أو من الهالكين.. فليس عنده مشكلة قياساً لما عند الحسين بكربلاء وهو يشهد ريحانته قتيلاً مقطعاً إرباً إرباً. فيفقده نهائياً وبمحضره. وليس ليعقوب وولده يوسف قضية بقدر ما للحسين ونجله من قضية ذات أبعاد مستقبلية.
ترى هل لنا أن ندرك الثمن الذي قدمه الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، من أجلنا نحن من أجل أن نحيا تحت ظل ديننا العملاق. أم هل لنا أن نتفهم حقيقة مهمة الحسين بحيث دفع بكل سخاء وجاد بكل كرم بأعز ما لديه من أجل حياة حرة لأمته الكريمة.
صحيح أن مقتل ولده قد هد من قواه وأحنى ظهره هو أرزه فكانت فاجعة رغم أنها متوقعة غير مفاجئة، لكن ذلك ما كان ليغير من موقفه الواحد، بل ما كان ليؤثر سلبياً على قضيته أدى تأثير، لا تردد لا تراجع أو تبديل، إنها مسألة حدية، وقضية رفض مبدئية، ليس للفواجع أي طارئ عليها، كيف والاستشهاد إنما هو من باب سمو التفاني وكمال الضحية..
فالإمام الحسين تملكه قضيته الإلهية الرسالية، تملك عليه جميع مشاعره وعواطفه وجوارحه، ولهذا يجود لنا- لمستقبلنا المرجو، لبقائنا المأمول- بولده علي الأكبر بل بكل ولده واخوته وأبناء عمومته وأصحابه الأحرار.. فالإسلام أثمن حتى من نفسه هو بالذات فمتى نستيقظ مما نحن فيه من سبات .. فهل لنا أن نقف لنتبصر طريقنا إلى تبني قضايانا بنكران ذواتنا، أم هل لآبائنا استعداد بأن يجودوا اليوم بنا؟ سنجود إن شاء الله بأنفسنا وبكل ما لدينا وحتى بآبائنا.
لم يرد الإمام أن نبقى نعيش النزاع، أرادنا أمة ترنو إلى العز تأبي الضيم، تسعى للتحرر والسعادة والهناء..
علينا إذن، أن نقف على سر دوام وجودنا، نتفكر نتأمل حول سرِّ فداء الحسين، نربط بين الثورة المجيدة للإسلام وبين البقاء المتصل للمسلمين.
أجل ما أن استشهد علي حتى حمله الشباب الهاشمي، ثم عادوا إلى حيث استشهد ليستشهدوا بعد جهاد باسل وخلال عطش قاتل لأنهم لم يقاتلوا لكي يبقوا وانما لكي نبقى؛ لا لكي يبقوا هم وانما لكي نبقى نحن، وهذا ما كان في روع كل الشهداء ونما استثناء وهو ما كان يحمله في طيات قلبه ذلك المجاهد الكريم علي الأكبر فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً...
سلام عليه وعلى عصبة الأنصار الذين سبقوه وثلة الهاشميين الذين لحقوه وسلام على من ختم قائمة الشهداء قائدهم السبط العظيم أولئك الذين خلدوا بالفكر بالقضية بالمهام القدسية وبمراقدهم المشرفة التي تهوى إليها القلوب والأفئدة: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قرآن كريم.
(سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار..)
(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
صدق الله العلي العظيم


نهاية المطاف

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُوْلِي الأَلْبَابِ) قرآن كريم
فنحن إذن - والحال هذه - ان لم نعتبر ونسترشد ونستنر منهم، من خطوات رجالهم ونسائهم أهل البيت، نكن قد ظلمنا أنفسنا ولم نظلم عدونا بل أسعدناه فقرت، عينه بنا.
مشكلتنا الأم أننا لم نتوفق إلى أن نتمثل آل رسول الله أهل بيت التحرير، كما لم نستلهم معاني القرآن بآياته التي قد طالما نلوكها بألسنتنا.. ولقد أكد القرآن المجيد حقيقة: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ...) الآية.
ومع هذا التأكيد بأن الله اشترى وأنه تعهد بالشراء والعطاء.. نلمس أن هناك من لا يريد أن يبيع .. ولربما كان هذا ممن يدعي الدين والأيمان...
لا يريد أن يبيع رغم أنه ممن يتلو آيات الشراء الإلهي ويرتل آيات القرآن ويقرأ أو يتسمع لآيات البطولة في كربلاء وغير كربلاء.. أنه ليفصل بين الآيات النظرية في المصحف الكريم وبين الآيات العملية في الساحة الكربلائية..
لا يريد أن يبيع، ولا أفهم كيف يحب المرء منا أن يربح وهو يتمنع من المبيع..
الحق على أصحاب الأقلام والمنابر والمساجد الذين لم يتجشموا عناء الحديث عن سبيل سلوك السوق التجارية الرابحة، ليعلموا الناس كيف يربحون وذلك بأن يدلوهم على كيفية الممارسات التجارية الناجحة الرابحة.. فلا بد لكي يبيع الناس ويبيع المسلم والمسلمة ما عندهما أن نعلمهما التجارة الرابحة في السوق الإسلامية الواسعة الرحبة.. وإلا غشوهم وخدعهم بعض السماسرة - وإلى أن نلتقي ببحث حول التجارة نرجو أن نوفق بحول الله وبإذنه - .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
(قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
والحمد لله ربّ العالمين








__________________
Tab3y K!th...!!

لولي غير متصل  

 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الصورة العامة لحياة الإمام السجاد (ع) =المحرر= منتدى الثقافة الإسلامية 2 24-01-11 03:12 PM
حقيقة الامام المهدي عليه السلام في روايات ومصادر العامة احمد امين منتدى الثقافة الإسلامية 1 20-04-08 02:48 PM
المهدي والمسيح عليهما السلام الخصائص والهدف المشترك احمد امين منتدى الثقافة الإسلامية 0 18-04-08 07:32 PM
أحكام ونصائح مبسطة للمرأة عاشق الحسين حواء الديني 55 09-01-05 03:44 AM
الامام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) اسير منتدى أفراح وأحزان آل البيت عليهم السلام 5 28-03-03 08:26 AM

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2023 م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 08:07 AM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited