لا تزال قصص وحكايات جدتي وكأنها حيّة تعيش بيننا رغم رحيلها عن هذه الدنيا منذ أكثر من ثلاثين عاماً ، و هذه مذكرة أو قصة قصيرة من قصص ومذكرات جدتي يتخللها نمط المعيشة والثقافة في تلك السنين الماضية ، وهي قصة حقيقية وليست من ضرب الخيال .
جدتي التي تجاوز عمرها الثمانين عاماً ، ذات الملفع الأسود العتيق والذي لا يفارق رأسها حتى عند نومها ، اعتادت أن تنام القيلولة تحت السنطوانة الكبيرة ( العمود الذي يرتكز عليه البيت ) والتي يتفرع منها قوسان كبيران يتكون كل قوس من عدة أقواس صغيرة متتالية لبعضها البعض ومزحرفة بأجمل الزخارف .
لا تستطيع جدتي أن تأخذ القيلولة في ظل وجودنا ، فتشير علينا باللعب خارج البيت فنأخذ أدوات اللعب سواء كانت من التيل أو الدوّام ، وبعد أن نخرج تبقى جدتي وحيدة لأن والدتي سبقتنا حاملة سلة الملابس المتسخة لتغسلها في النبع القريب من حارتنا ، أما المرحوم أبي فيكون مشغولاً بتصليح عدة صيد الأسماك .
في هذا الوقت ترخي جدتي بجسدها النحيل تحت ذلك العمود فوق حصيرة ووسادة باليتين وتذهب في سبات عميق هانئة بقيلولة ولو لساعة من زمان ، ثم لا تجلس من غفوتها الا بعد أن تؤثر تلك الحصيرة في خاصرتها وضلوعها لكنها تجلس نشيطة متعافية ، وفي هذه المرّة وقبل أن تفتح عينيها نحو السقف المصنوع من جذوع النخل والجندل المتلاصق ببعضه البعض ، ولا أنسى رفّ الحمام والذي هو صندوق برتقال من نوع شموطي والملاّلة المتدلية من منتصف السقف والتي كانت تعلق أمي عليها بعض الأغراض بعيداً عن متناول أيدينا وبعيداً عن متناول القطط والدجاج .
ماذا حصل لو تأخّرت جدتي في نومها ولو لبضع ثوان ؟