الى الأعضاء الكرام
الى أحــحورــــلام, أبو عبود , الأيام , وكل من جادت به قريحته وتعكز على كلماتي .
لا يخفى على أصحاب العقول الكبيرة بأن الطبع الإنساني يميل الى قصص وحوادث الآخرين ويتلذذ بسماعها وقراءتها , لهذا كان لقصة - الطريق الى المحموديات - حالة خاصة حملتني بها الأيام اليكم , وهي من القصص التراثي القديم الذي تتفتح له النفس البشرية , وهي تنقلكم الى عالم آخر غير العالم الحاضر - وأنا - عاهت نفسي الا أن انقلها لكم لتتلذذوا بطعمها الآخر .
عندما فكرت مليحة
الحلقة الخامسة
كانت الأيام التي قضيتها في - المحموديات - تعدّ من أجمل أيام عمري التي قضيتها في مراحل الدراسة , واليوم عند النخلة الطويلة التي يطلقون عليها حارسة المكان سهوت قليلاً وتذكرتها – أيام الدراسة - وتذوقت طعمها الخاص بمّره وحلاوته , خصوصاً عندما كانت في زمن العصا , ومدرسينا أشداء في طلب الواجب , ورحماء على من يستجيب , ولهم احترامهم الخاص , ولكن طلباتهم في التحضير تفوق قدرات الطالب , وتذكرت حينها مدّرس الحساب عندما طلب منا كتابة الواجب وحفظ جدول الضرب , اشترط وبقوة العصا .. أن الطالب الذي يتأخر عن تحضير الواجب يجلد أمام أقرانه في الصف , لا بد أن تكتبوا الواجب في أي ورقة كانت !! , حتى لو كانت من أكياس الأسمنت التي ترونها في الطريق , التقطوها, قطعّوها , واكتبوا الواجب - كنت صغيراً , صبوراً , أراقب حركات أصبعه الإبهام والسبابه عندما يشير بهما الى مقبض العصا , ترتتجف فرائصي , ويعتريني الخوف والهلع , وتسبقني الدموع وتسيل على صفحات خدي , ويضحك زميلي , وأمسحها بسرعة حتى لا يضحك الأخرين , والمدّرس يعلم بالحال وما آلت اليه ظروفنا المعيشية من طيق في الحال , في المأكل , والملبس , والمأوى , بغض النظر عن الكماليات الأخرى , ولكنه يريد أن يخّرج أجيال يعتمد عليها في المستقبل , والعصا في زماننا هي الآمر الناهي , وهي المحك في تأدية الواجب , وعشنا زمانها بمرارته وقسوته , ولكننا تخّرجنا بجدارة عالية , وتقلدنا المناصب العالية , ولم يسبقنا اليها أحد , وانتبهت من سهوتي على جلبة سريعة كنت فيها خارج حدود الزمن المعاش , وقارنت هذا التفكير بسوالف الكبار والعِبَر التي حملوها في زمن المرارة والمحن , واليوم في – المحموديات – مسحت الفرحة كل ما علق في الذاكرة من آهات , ونامت جوارحي على صوت مليحة , تصفحت وجهها الجميل جيداً وقرأت فيه تعابيرالأنوثة والجمال الألهي , وجدته صفحة بيضاء لا تشوبه الشوائب والخدوش , طويلة القامة , جميلة جداً يغلب وصفها على وصف ليله العامرية في الجَمَال وحُسِن الخلق , عيناها دائرتان وحِوَرها هما اللتان سلبتا قلب هذا الواقف المتسّمر بين الباب و الجدار , لها لحظات كأنها عيني نِسرٍ بَرّي , قوامها رقيق , نحيفة الخصر , فاقعة اللون تسّر الناظرين , وشالها الرقيق الملوّن يزيدها جمالاً على جمالها الريفي , صوتها تغلب عليه الغُنّة , ِضحكُتها موسيقى وورود , كانت إذا تحدثت – أشعر- بأن الجميع يصغي اليها ولايجرأ أن يقاطعها أحد الإ أمها , وفي انقطاع فواصل الكلام تلحظني بطرفها الجميل كأنما تطلب مني الإستئذان في الكلام , ولكن رهبة الموقف تهز بدني وتمنعني من المسايرة .
جلباب أمي هو العصا التي أتوكأ عليها وأهش بها على جوارحي الغافية على شال مليحة , وفرصتي الوحيدة في التقرب اليها , وسرعان ما فكرت – أمي – في زيارة أقاربنا في الجنوب , والمسافة التي نقطعها اليهم طويلة جداً وتحتاج الى مرشد ذكي يعي بدواعيس وطرقات القرية , ولم تجد – زوجة صديقنا أحمد – أجدر من مليحة لاختصار المسافة , وطرنا فرحاً- أنا وهي – فرحاً ذاتياً لم يكن في واقعنا ان يلد , ولكنه ولد " مبكراً " قمراً كامل النمو والإستعداد محفوفاً بالأماني , وحملتنا مليحة الى الجنوب في جو يسوده الأمن والأمان , الطريق تأخذ من خطواتي حيزاً كبيراً وتطمني الى خطواتها التي لا تفصلني عنها الا تلابيب والدتي , هي تسرق النظرات وتسرع في التخفي , وأنا ابادلها , وأرتاح عند وجهها الجميل , مرات كثيرة كبوت على وجهي من جراء الأحجار الظاهرة في الطريق وضّرني – الشنص – البارز وحفر جرح بليغ في أصبعي ولم انتبه الا بعد أن ابلغتني مليحة , تواريت من خجلي في الداعوس وحاولت تضميده بقطعة من القماش البالية , في وسط الطريق وقفوا ينتظروني , نادتني والدتي بصوتها المبحوح من شرب " التتن " .. يا الله عاد اسرع , لا يطيع علينا الوقت , ترى ما فيه عصرية , رفعت ديل ثوبي وهممت وأنا أعرج, والتقيت بهم وتشبثت بجلباب والدتي , أخفي جروحي النازفة , وأصحح من توازي خطواتي حتى لا تنزعج مليحة , شَعَرت هي الأخرى بألمي ولادت بجانبي , ومدت يدها الملساء وتلامست بأطراف أصابعي , وسرت قشعريرة قوية هّزت بدني , التفت اليها وراعني جمالها الريفي الساحر وخفت أن أبوح , خفت أن تفضحني عواطفي , كتمت أنفاسي وتركتها تعبث بها كما تشاء , وبقت قابضة عليها , تعصرها , تدلكها , وأنا أعتصر في داخلي مئات المرات , سوالف أمي القديمة المطّعمة بنكهات الماضي الجميل تحملنا الى بيت أقاربنا في أقلّ من الوقت المسموح , وسرعان ما اختفينا في الطريق الضيقة الملتوية , واستوقفنا باب عريض خشبي مشبّع بالمسامير الكبيرة البارزة يطل بهيبته التراثية على الجادة , وبسرعة آلية أطلقت مليحة سراح أصابعي وتنهدت كأنها غافية على جراح الزمن المر , وتريد أن تغفو مرة أخرى على جراحي النازفة وتطمدها , وصلنا المحّلة و أصوات الأطفال والنساء في الداخل ترتفع على عدة نغمات كأنها تراتيل الملائكة , صغت أمي الى الأصوات ورفعت راحتها التي عادة ماتتلهف لها مزاليج تلك الأبواب الخشبية التراثية , وطرقت الباب ووصل صوت المزلاج الى الداخل وخرجت فتاة في سن مليحة متلفعة بشال من الحرير المطرّز, واستراحت نظراتها عند أمي ومليحة ,ابتسمت ابتسامة عريضة , وأغلقت الباب دوننا , ودخلت تستنهض أهل البيت , جاؤا وأدخلوهم دوني , وقفتُ وحدي أعيد على ذاكرتي شريط المفاجئة التي هزّت معالم وجودي , شاشة عريضة بالغة الوضوح انتصبت أمام ناظري تنقل لي بالصوت والصورة ما تداخل في شبكات الدماخ من أسئلة حائرة , تتبعت الشريط بصمت رهيب , وسهمت مع أول لمسة حنان – طبعتها مليحة – على أصابعي , وسرت كسريان " السّيلان " في شرياني , واجتاحت هذه اللمسة المجنونة عنفوان شبابي السارح في متاهات الدنيا , وانتبهتُ على صوت مليحة تقف بجانبي تستعجلني في العودة الى الشمال .
ولي متابعة أخرى معكم في الحلقة القادمة وهذه المرة أرجو ألا تكون مجرد عبور
المعتوق