أذن الله تعالى إلى نوره أن يبعث وإلى نبيه أن يُرسل. وأطلّ بذلك النور البهي لسحق الظلمات، ورفعت راية التوحيد لتزهق راية الظلال والجهالة.
ما أسوأ الحالة قبل البعثة حيث ليس بالإمكان تصورها فقد ساد في الجزيرة قبل البعثة، عبادة الأصنام، والتجارة التي تعتمد السلب والغش والنهب، والوضع الاجتماعي المروع حيث الخوف والقتل والعداء، والعادات الجاهلية حيث وأد البنات وخنق الحريات وتسلط القوي على الضعيف والأبيض على الأسود.
والحالة الاقتصادية التي بلغت من التدهور إلى حد لا يوصف، وقس على ذلك مجالات الحياة الأخرى..
فكانت نعمة البعثة المحمدية نعمة للدنيا قبل الآخرة وفي الآية (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) الجمعة: 2، يذكر سبحانه وتعالى نعمته على الأمة بالرسالة والرسول.
التبشيربالنبي
دعا الأنبياء السابقون أممهم إلى الإيمان بنبوة النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) وبشروا به، ووضعوا دلائل وعلامات تدلل على بعثته ومكان ظهوره وما هي شمائله وعلاماته وصفة أخلاقه ومزاياه. والكتب السماوية المتداولة اليوم بما فيها من تحريف تشير إلى بعض ذلك، خصوصاً إنجيل (برنابا) الذي فيه الكثير من ذلك فلهذا تركوه.
وقد ذكر القرآن الكريم من بشائر عيسى (عليه السلام) بالنبي محمد (صلّى الله عليه وآله) (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) الصف: 6، وكذلك في الكتب المنزلة على موسى (عليه السلام) (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) الصف: 6، يعني نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) كما قال الشاعر:
صلى الإله ومن يحف بعرشه *** والطيبون على المبارك أحمد
هذا كنموذج على اتحاد الأديان في الهدف والقصد والمصدر. ولو اتبع الناس الرسل لعم السلام والأمن والخير والبركة ولكن (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون).
ثم أضف إلى ذلك بشارات القساوسة والرهبان بنبوته (صلّى الله عليه وآله)، حيث كان لفيف من رجال الدين من أهل الديانتين يبشرون الناس بمبعثه (صلّى الله عليه وآله)، حيث علموا ذلك من كتب الله المنزلة، وتوارثوه عن الأنبياء (عليهم السلام).
إن من يتصدى لجمع هذه البشائر يحصل له الشيء الكثير وحسبنا أن نذكر من ذلك:
ما ذكره ابن هشام من قتال تتبع مع أهل المدينة فقال: فبينا تتبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة، عالمان راسخان في العلم حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولِمَ ذلك؟
فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى عن ذلك، ورأى أن لهما علماً فأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة.
يقول عبد الوهاب النجار: سألت (كارلو نلينو) الحاصل على الدكتوراه في آداب اللغة اليونانية: عن معنى كلمة (بيريكتلوس) فأجاب: إن معناها الذي له حمد كثير.
فقلت له: هل ذلك يوافق (أفعل التفضيل) من حمد؟
فقال: نعم.
فقلت: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أسمائه (أحمد).
فقال: يا أخي تحفظ كثيراً، ثم افترقنا، وقد ازددت بذلك تثبيتاً في معنى قوله تعالى حكاية عن المسيح (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). الصحيح من سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله).
عمرالنبيحينالبعثة
لقد بعث (صلّى الله عليه وآله) بعد عام الفيل بأربعين عاماً، أي حينما بلغ الأربعين من عمره الشريف، على قول أكثر أهل السير، والعلم بالأثر. وكان قبل ذلك يسمع الصوت ولا يرى الشخص حتى تراءى له جبرائيل وهو في سن الأربعين.
وقيل: بل كان عمره (صلّى الله عليه وآله) حين بعثته اثنين، وقيل: ثلاثاً. وقيل خمساً وأربعين سنة.
بدءالوحيوأولماأنزل
لقد كان بدء الوحي في غار حراء، وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة ويقال: هو جبل فاران، الذي ورد ذكره في التوراة إلا إن الظاهر هو أن فاران اسم لجبال مكة، كما صرح به ياقوت الحموي، حسبما تقدم، لا لخصوص حراء.
وكان (صلّى الله عليه وآله) يتعبد في حراء هذا، على النحو الذي ثبتت له مشروعيته، وكان قبل ذلك يتعبد فيه عبد المطلب.
وأول ما نزل عليه (صلّى الله عليه وآله) هو قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق).
وهذا هو المروي عن أهل البيت (عليهم السلام). وروي أيضاً عن غيرهم بكثرة، كما ورد عن المسعودي قال: فأنزل عليه بمكة من القرآن اثنان وثمانون سورة ونزل تمام بعضها في المدينة وأول ما نزل عليه من القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق).
ويذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) البعثة بقوله: (بعثه بالنور المضيء والبرهان الجلي والمنهاج البادي والكتاب الهادي، أسرته خير أسرة وشجرته خير شجرة أغصانها معتدلة وثمارها متهدلة).
قال المسعودي: (بعث الله نبيه (صلّى الله عليه وآله) رحمة للعالمين ومبشراً للناس أجمعين وقربه بالآيات والبراهين النيرات وأتى بالقرآن المعجز فتحدى به قوماً وهم الغاية في الفصاحة والنهاية في البلاغة وأولوا العلم باللغة والمعرفة بأنواع الكلام من الرسائل والخطب ... والسجع والمقفى والمنثور والمنظوم والأشعار في المكارم وفي الحب والرمز والتحضيض والإغراء والوعد والوعيد والمدح والتهجين فقرع به أسماعهم وأعجم به أذهانهم وقبح به أفعالهم وذم به آراءهم وسفّه به أحلامهم وأزال به دياناتهم وأبطل به سنتهم، ثم أخبر عن عجزهم مع تظاهرهم (لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) مع كونه عربياً مبيناً.
رواياتلطمسالحقيقة
إن النعمة العظمى التي حظيت بها البشرية حين بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) بإخراجهم من الظلمات إلى النور دفع بالبعض اللئام إلى تشويه هذه الصورة الجلية والحدث المهم للتقليل من شأنه والتضعيف من أحقيته وحقيقته.
كما رأينا في حديث عبد الله بن الزبير الذي أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام دون تحقيق أو تدقيق وقال فيه: إن أول لقاء لمحمد (صلّى الله عليه وآله) مع الوحي كان في النوم، ورأينا كيف أخذ هذا الخبر محمد حسين هيكل وأورده في (حياة محمد) لا بلفظه الذي رواه ابن هشام، بل مترجماً إياه عن إميل درمنجم.
ورأينا كيف أن هذا القول (لقاء محمد (صلّى الله عليه وآله) بالوحي) أول مرة كان رؤيا رآها وهو نائم، ليضيع العبرة الكبرى من المبعث النبوي. لأن هذه العبرة تكمن في أن هذا اللقاء وقع في يقظة محمد (صلّى الله عليه وآله) ووعيه الكامل وبهذا وحده يكون المشهد حقيقة ..أما المشاهد الواعية فهي في الحقيقة التي يُعوّل عليها، وهي سندنا في القول بأن محمداً (صلّى الله عليه وآله) مر خلال مراحل انتقاله إلى النبوة وهو صاح وواعٍ لكل ما يمر به، فعرف الخوف والشك والقلق واليأس ثم الأمل والتصديق والإيمان لصحة ما رآه كما جاء في القرآن الكريم على لسان محمد (صلّى الله عليه وآله) في سورة الإسراء (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً) الإسراء: 93، فكانت بشريته أسوة وقدوة للناس في شؤون المعاش، وكانت نبوته ورسالته هدياً للناس في شؤون المعاش والمعاد.
تاريخالبعثة،وكيفيةنزولالقرآن
والمروي عن أهل البيت (عليهم السلام) ـ وأهل البيت أدرى بما فيه وأقرب إلى معرفة شؤون النبي (صلّى الله عليه وآله) الخاصة ـ : أن بعثة النبي (صلّى الله عليه وآله) كانت في السابع والعشرين من شهر رجب. وهذا هو المشهور بل ادعى المجلسي، الإجماع عليه عند الشيعة، وروي عن غيرهم أيضاً.
وقيل: إنه (صلّى الله عليه وآله) بعث في شهر رمضان المبارك، واختلفوا في أي يوم منه، وقيل في شهر ربيع الأول، واختلف أيضاً في أي يوم منه.
ولعل هذا عائد للاختلاف في فهم الآيات الدالة على نزول القرآن في ليلة القدر والروايات عند المذاهب الإسلامية ومن أراد التفصيل فليراجع الكتب المختصة. وخلاصة القول: إنه لا مانع من أن يكون (صلّى الله عليه وآله) قد بعث وصار نبياً في شهر رجب، كما أخبر به أهل البيت (عليهم السلام) وهيئ ليتلقى الوحي القرآني: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، ثم بدأ نزول القرآن عليه تدريجياً في شهر رمضان المبارك.
موقع الإمام الشيرازي