قلب أبيض..
31-07-06, 09:21 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
http://www.aqlaam.net/media/pics/1143843703.jpg
هذا جزء صغير من روايتي الأولى ( بين علامتي تنصيص ) والتي ما زالت تبحث عن دار نشر لها ....
بقلم : الاديب مظاهر اللاجامي
المملكة العربية السعودية / القطيف
إنها أحزان المساء...
تعود كذكرى، كشهوة، كرؤيا، وأحياناً أخرى على هيأة ضحكة...
ذكرى تصلبنا على قارعة الوقت وتموّج المسافة، دون أن تعود ودون أن تمّحي...
شهوة قاتلة تتركنا على ضفاف الهاوية و تخوم المقبرة، دون أن نموت ودون أن نحيا...
رؤيا تتغلغل في مسامات حلمنا فترمينا بين النوم واليقظة، فلا نحسّ بالأشياء من حولنا، لكننا نحسّ بالألم يعصف بكياننا، دون أن نستيقظ ودون أن يتلاشى ...
هنا في مستنقعي السرياليّ الذي ازداد غموضاً وسريالية يوم ضيّع صوت سماء، تنبثق الأحزان كلّما دفنتُ في ذاكرتي فمي، راثياً ذاتي بعدما طعنتني تلك التي أسميتها عصفورتي الصغيرة...
مستنقعي يزداد سريالية وأنا أزدادُ عزلة عما حولي، فلا ذلك الطيف يكفّ عن مراودة هذا الراهب الفارس الذي توغّل في هوّة الضياع، ولا هو يتوب عن إشعال البخور في محراب تلك التي اسمها، يرجمه بحروفه الأربعة فيتركه دون حياة ودون موت...
ربّما القاتل يتوب وربّما السارق أيضاً، أما العاشق فقد علّمنا العامريّ أن العشق ذنب، والعاشق منه لا يتوب...
كنت أردد هذه العبارة دون أن أدرك حقيقتها الواقعية... كانت جملة أدبيّة قلتها في لحظة من لحظات العبث بحروف الأبجدية، لكنني الآن أدفع ثمن عدم توبتي من حبك يا سماء..
لو كنت سارقاً وقطعت يديّ فسأحتمل الألم وبعدها سينتهي...
لو كنت قاتلاً وقطع رأسي، فسيكفّ بعدها الألم، أما أن أكون عاشقاً، يضحك أمام الجميع نهاراً، وفي مساء عزلته يجترّ آلامه مرميّاً على هوة سريره التي تبتلع صفرة جسده كخريف، فلا الآلام تكفّ عن تمزيق ألحانه، والحبّ لا يذوي شيئاً فشيئاً حتى يختفي صوته بين ضجيج الأصوات فحين ذاك أين أدفن وجهي؟!!..
لم تكن اللامبالاة ومشاعر الغضب التي شعرت بها يوم تركتني سماء، دون أي تبرير أو عذر لتركي عند المنحدر، أواجه الريح حائراً وحدي كأنني سفينة أشرعتها ممزقة، إلا خدعة جميلة تعدّ لما كنت لا أدريه...
لا أدري كم من الأيام والأسابيع مرّت عليّ وأنا هاجر مكتبتي وكتبي كما هجرتني سماء... لم يكن بمقدور هذا الذهن أن يفهم شيئاً مما يقرأ، أو ربّما فهم لكن هاته الروح تشتهي الصمت من أجل استدعاء الجروح، لعلّها تتلاشى أو تصبح ذكرى في أروقة تاريخ الألم، تستعيدها بحزن دون أن تحيا فيها ولها وبها...
مرّت الأيام تحملني نحو قعر الانهيار...
لم يكن في شفتي غير اسمك يا سماء...
في الليل حين أراود النوم عن ذاته يحرقني بكوابيسه، جاعلاً إيايَ بؤرة للهذيان، كأنني حانة تتدفّق سكراً، و في النهار أطفئ الأضواء بعتمة وجهي، حين أخرج أو أظلّ في البيت، لا لشيء سوى للتوغل أكثر فأكثر في جحيم العزلة، ووحدها ضحكة تلك السافلة أسمعها في صمت الأشياء تسخر بي...
كلّ من في البيت كان مسافراً...
أمي ذهبت إلى العراق، والباقي للمدينة المنورة، وأنا فقط أسافر في عتمة أيامي، أحملني نحو الهاوية... وحدها كانت حوراء تزور البيت ممزّقة أنسجة الصمت ساعات، لا يتلوها إلا مزيداً من الصمت والشحوب...
في المساء لا أسمع في المنزل سوى عبثي بالأشياء هنا وهناك، وصوت أنفاسي المنهكة كأنها بقايا أشلاء، وصوت سماء وتوتّر حروفها الوردية يتألقُ كطيفٍ بألوان الصباح..
طالت في تلك الفترة لحيتي، وكانت تلك المرّة الأولى التي أطلقها فيها.. ربّما لأن شحوب وجهي لا بدّ له من شيءٍ يستره من الفضيحة...
ازددت نحولاً وازدادت روحي اشتهاءً للموت...
كنت ممزّقاً كخرق موجة، محطّماً كمرآيا وموسيقى، ضائعاً كطفلٍ في زحمة الضجيج، يبحث حائراً عن صدر أمه التي ضيّعته في منتصف الطريق...
هذا الانكسار الذي حييته كان في فترة الإجازة الصيفيّة، لكني كنت أدرس فيها من السبت حتى الثلاثاء، لعلّي أعوّض شيئاً مما فات... التزمت بالحضور ثلاثة أسابيع فقط من أصل ثمانية، ثمّ تواريتُ عن أعين قاعات الدرس حين أصبح الشحوب يشتعل في وجهي كأنه إشاعة...
في هاته الأسابيع الثلاثة لم أبارح غرفتي في الشقة، حتى أن أحد زملائي قال لي مستنكراً عدم جلوسي معهما: هل نحن حثالة لدرجة أنك لا تجلس معنا.. كانوا اثنين فقط في الشقة بعكس أيام الدراسة الاعتيادية، مما يجعل غيابي عن جلساتهما مستنكراً، لكن ماذا بيديّ أن أفعل، وحطامي يغريني بالاعتزال لعلّي أرمم ما انهدم على يدَيْ سماء...
صادفت هذه الفترة نزول ألبوم عايشا لك في الأسواق، و في إحدى الليالي وكنا نسير متوجّهين بالسيارة لمكان دراستنا، توقّفنا في محطّة لتعبئة الوقود... نزلتُ من السيارة لتدخين سيجارة وتوجّهتُ نحو محلٍ لبيع الأشرطة فابتعت الشريط...
هل كان رسوبي في المادة التي كان امتحانها في اليوم التالي بسبب هذا الشريط أو أغنية آه من هواك تحديداً؟!!.. لا أدري إلا إنني كلّما سمعتُ هذه الأغنية سقطت في بؤرة الكآبة، حيث تعود لي تلك الفترة بعذاباتها التي لم أنسها، وربّما لن أنساها طالما في الشرايين تنبض ذكرى...
كنت بشكل أو بآخر رجلاً مكسوراً...
كان الصمتُ رفيق دربي وإنجيلي الذي أتعبّد به تقرّباً للموت...
توغلتُ في أقصى دهاليز روحي...
لم أعد أسمع شيئاً مما يدور حولي، حتّى أن الأحاديث التي كانت تخرجني من عزلتي سابقاً، أصبحت بالنسبة لي عبثاً في جسد الثقافة لا طائل من ورائه...
وحدها الأغاني كانت في تلك الفترة تمزّق جدار الصمت، تاركة بيني وبين صمت المقبرة شعرة يا ليتها انقطعت... وحدها حوراء كانت تراني أسقط ببطءٍ وكأني أقتل تدريجياً على فترات، وكأني هكذا بين الموت واللاموت من أجل أن تستعذب تلك السافلة ألمي وأناتي التي أرسلها من غور صمتي...
تغيّرت علاقتي وإدراكي لكل ما حولي ومن حولي...
بيني وبين الناس هاوية، وعدّة شروخ كلّما تقدّمت بي السنين أراها تتسعُ، إلا إنها في هذه الفترة شملت الأصدقاء، حتى حوراء نفسها كانت بيني وبينها هاوية، استطاعت هي بقدرتها وبقربها مني أن تردمها، فما كنت أجلس مع سعيد أو يحيى إلا بجسدي بينما الروح وراء هذا الجسد تحتضر على هيأة طفلٍ مصلوب على قارعة الظلام...
لم أكن أتحدّث معهما بقدر ما كنتُ أخفي انكساري ببعض كلمات أبعثرها مجاملة، وضحكة حزنٍ ترتسم بين حين وآخر على شفتي بعد أن أنتزعها عنوة من بؤرة موتي...
لم يكن للكتاب أيّ معنى في هذه الفترة، فلم يعد يثيرني جنسياً... لم يعد يغريني بتفصيل قوامه، و بسكب حروفه، أو بعنوانه الجذاب، المثير كرائحة عطر...
كذلك الكتابة التي أذكر أني كتبت في هذه الفترة نصّاً واحداً، كانت بنيته التعبيرية تدلّ أن الموت ابتدأ معي بالصخب الذي أقصد به الشعر أو ربّما العبث، لكن ما جدوى ذلك الصخب، والروح لم يبق بها ما يغري بعد أن أرقصت سماء أفاعيها في أروقتها، فانتقلت لمرحلة الموت في وجوم الصّمت...
هل تحوّلت الكتابة بالنسبة لي لعبث، ولعمل من لا عمل له؟!!..
ربّما كانت الأحزان تتغلغل في روحي ثمّ تخرج منها في اتجاه مسامات جسدي كلّها، وخارطة ذهني، فلا الكلمات لها ترجمة معنوية في ذهني، ولا أنّاتي تجسّدها الحروف الأبجدية، ووحده الصمت يجسّد أغنية العذاب...
كانت الساعة في تلك الفترة تمرّ عليّ بصعوبة قاتلة حتّى كأنّ ثوانيها ترقصُ كوحوشٍ على أعصاب جسدي، وإيقاع حزني...
كيف تجاوزتُ الموت؟!!..
تجاوزتهُ ربّما بموتٍ هو بعد مرحلة الموْت...
لم أستطع الاستقرار على حال معين وكأن ضجيج الروح وانسكابها في قعر جحيمها يمنع الجسد من الاستقرار، والركون للراحة والهدوء، فعلى الرغم من أنّ الصّمت كان أغنيتي التي أغنيها إلا أنني لا أدري لمَ لم أكن أستطيع الاستقرار في مكان واحد مدّة تتجاوز الساعة...
كنت أتسكّع في الطرقات فتخنقني رطوبة الطقس فأعود بعدها لصومعتي لعلّي أتوارى قليلاً عن الأضواء، مخبّئاً في عتمتها الحمراء آخر أشكال النهار، لكني سرعان ما أعودُ متسكّعاً في أقاصي الحضور أحياناً، وأحياناً حين يكون من حوليَ الغياب...
بدأت منذ هذه الفترة أتعرّف أكثر فأكثر على الأغاني العراقية القديمة، ربّما لأن أحزان العراق كانت جزءاً من أحزان الروح الراكعة تحت وطأة تلك السافلة التي اسمها سماء، وحقيقتها لعنة ترتسم على هيأة فتاة...
لا أدري لم ازددت تعلّقاً بالمقابر، ومجالسة القبور، ففي بعض الليالي كان جدّ ما يحلو لي أن أتسلل للمقبرة حين تكون الشوارع هادئة، والمقبرة خالية إلا من أنفاس الموتى وأنفاسي...
كنت أصطحب معي دخاني ومسجلة صغيرة لأتوغّل في منتصف المقبرة، جالساً على قبر امرأة اسمها مريم، توفيت عن عمر يناهز السبعين، لا أدري لم كانت هي دون سواها رفيقة عزلتي كلّما ذهبت للمقبرة وبقيت وإياها في حضرة مولانا الموت، تعرّي ضعفنا خطبة الموت للإمام علي بن أبي طالب بصوت المالكيّ، أو بعض الترانيم المسيحيّة الشاحبة كذاك الكاسيت الذي قمت بجلبه من كنيسة السيدة حريصة بجونيه في لبنان وكانت الترانيم مستوحاة من سيرة القدّيسة رفقا...
كانت الأيام تسير وكنت أسحق تحت وطأتها كأنني قشة في الطريق ترجمها الأمطار والعتمة...
هل كنت أحيا أم كنت أموت؟!!..
ربما تحتاج الإجابة عن هذا السؤال لوقفة عند كل منعطفٍ وعند كلّ زقاق، ففي أحد أزقة تلك الليالي كنت عائداً للمنزل بعد أن مللت الجلوس مع أحدهم عند إحدى زوايا الطرقات، وكان الوقت متأخراً حينذاك، والشارع خالياً من الناس الذين اعتزلوا الطرقات بعد أن امتلأت بالرطوبة الهامدة...
كانت حالة من الخواء تسقِط أنواءها في صفرةِ رُوْحي...
عينايَ حائرتان تحدّقان في النجوم، وأحيانا ترسمان حيرتهما على هيأة دموع...
لا أدري كيف كدتُ أختنق في تلك الليلة وحيداً بين جدران الصّمت، في منزلٍ ملّ أغاني المساء، كأنني وردة في دهاليز يكفنها الدخان... حاولت الصلاة في تلك الليلة، وكنت قد أهملتها فترة طويلة، لكني لم أستطع السجود لله عبادة، وروحي تسجد حزناً، وهو في ذهني لا يفعل ولا ينفعل كأيّ صنم...
ارتميت على سريري وسقطت باكياً في بؤرة النحيب، وصوتي كأنه تكسّر النصل على الجراح... قمت من غرفتي متّجهاً نحو غرفة أمي لعلّ رائحتها تهدهدني من دموعي، وترسم حول شموعي ملاك رحمتها وحنانها، لكنني لم أزدد إلا انتحاباً، فما كنت أريده أن أريح على صدرها رأسي، وأقول لها لقد أنهك الجسد من صفرة المساء بينما الروح تذوي كزهرةٍ ظامئة يا أماه...
بعد أن عدت إلى غرفتي راودتني عدّة رغبات ممزوجة بعدّة مشاعر، لكن كلّ ما أذكره الآن أني رفعت سماعة الهاتف متّصلاً بسماء، لكن لم يجبني سوى رنين الهاتف وأنا هنا في ركام ساعاتي أستنشق صوت دموعي...
كانت هذه الأيام والليالي تخطو على ملامح وجهي، تاركة لي أسفل عينيّ ملامحَ مخالبها كأنها خطوات الجحيم...
تركتني سماء عند منحدرٍ أسقط ولا أسقط
http://www.aqlaam.net/media/pics/1143843703.jpg
هذا جزء صغير من روايتي الأولى ( بين علامتي تنصيص ) والتي ما زالت تبحث عن دار نشر لها ....
بقلم : الاديب مظاهر اللاجامي
المملكة العربية السعودية / القطيف
إنها أحزان المساء...
تعود كذكرى، كشهوة، كرؤيا، وأحياناً أخرى على هيأة ضحكة...
ذكرى تصلبنا على قارعة الوقت وتموّج المسافة، دون أن تعود ودون أن تمّحي...
شهوة قاتلة تتركنا على ضفاف الهاوية و تخوم المقبرة، دون أن نموت ودون أن نحيا...
رؤيا تتغلغل في مسامات حلمنا فترمينا بين النوم واليقظة، فلا نحسّ بالأشياء من حولنا، لكننا نحسّ بالألم يعصف بكياننا، دون أن نستيقظ ودون أن يتلاشى ...
هنا في مستنقعي السرياليّ الذي ازداد غموضاً وسريالية يوم ضيّع صوت سماء، تنبثق الأحزان كلّما دفنتُ في ذاكرتي فمي، راثياً ذاتي بعدما طعنتني تلك التي أسميتها عصفورتي الصغيرة...
مستنقعي يزداد سريالية وأنا أزدادُ عزلة عما حولي، فلا ذلك الطيف يكفّ عن مراودة هذا الراهب الفارس الذي توغّل في هوّة الضياع، ولا هو يتوب عن إشعال البخور في محراب تلك التي اسمها، يرجمه بحروفه الأربعة فيتركه دون حياة ودون موت...
ربّما القاتل يتوب وربّما السارق أيضاً، أما العاشق فقد علّمنا العامريّ أن العشق ذنب، والعاشق منه لا يتوب...
كنت أردد هذه العبارة دون أن أدرك حقيقتها الواقعية... كانت جملة أدبيّة قلتها في لحظة من لحظات العبث بحروف الأبجدية، لكنني الآن أدفع ثمن عدم توبتي من حبك يا سماء..
لو كنت سارقاً وقطعت يديّ فسأحتمل الألم وبعدها سينتهي...
لو كنت قاتلاً وقطع رأسي، فسيكفّ بعدها الألم، أما أن أكون عاشقاً، يضحك أمام الجميع نهاراً، وفي مساء عزلته يجترّ آلامه مرميّاً على هوة سريره التي تبتلع صفرة جسده كخريف، فلا الآلام تكفّ عن تمزيق ألحانه، والحبّ لا يذوي شيئاً فشيئاً حتى يختفي صوته بين ضجيج الأصوات فحين ذاك أين أدفن وجهي؟!!..
لم تكن اللامبالاة ومشاعر الغضب التي شعرت بها يوم تركتني سماء، دون أي تبرير أو عذر لتركي عند المنحدر، أواجه الريح حائراً وحدي كأنني سفينة أشرعتها ممزقة، إلا خدعة جميلة تعدّ لما كنت لا أدريه...
لا أدري كم من الأيام والأسابيع مرّت عليّ وأنا هاجر مكتبتي وكتبي كما هجرتني سماء... لم يكن بمقدور هذا الذهن أن يفهم شيئاً مما يقرأ، أو ربّما فهم لكن هاته الروح تشتهي الصمت من أجل استدعاء الجروح، لعلّها تتلاشى أو تصبح ذكرى في أروقة تاريخ الألم، تستعيدها بحزن دون أن تحيا فيها ولها وبها...
مرّت الأيام تحملني نحو قعر الانهيار...
لم يكن في شفتي غير اسمك يا سماء...
في الليل حين أراود النوم عن ذاته يحرقني بكوابيسه، جاعلاً إيايَ بؤرة للهذيان، كأنني حانة تتدفّق سكراً، و في النهار أطفئ الأضواء بعتمة وجهي، حين أخرج أو أظلّ في البيت، لا لشيء سوى للتوغل أكثر فأكثر في جحيم العزلة، ووحدها ضحكة تلك السافلة أسمعها في صمت الأشياء تسخر بي...
كلّ من في البيت كان مسافراً...
أمي ذهبت إلى العراق، والباقي للمدينة المنورة، وأنا فقط أسافر في عتمة أيامي، أحملني نحو الهاوية... وحدها كانت حوراء تزور البيت ممزّقة أنسجة الصمت ساعات، لا يتلوها إلا مزيداً من الصمت والشحوب...
في المساء لا أسمع في المنزل سوى عبثي بالأشياء هنا وهناك، وصوت أنفاسي المنهكة كأنها بقايا أشلاء، وصوت سماء وتوتّر حروفها الوردية يتألقُ كطيفٍ بألوان الصباح..
طالت في تلك الفترة لحيتي، وكانت تلك المرّة الأولى التي أطلقها فيها.. ربّما لأن شحوب وجهي لا بدّ له من شيءٍ يستره من الفضيحة...
ازددت نحولاً وازدادت روحي اشتهاءً للموت...
كنت ممزّقاً كخرق موجة، محطّماً كمرآيا وموسيقى، ضائعاً كطفلٍ في زحمة الضجيج، يبحث حائراً عن صدر أمه التي ضيّعته في منتصف الطريق...
هذا الانكسار الذي حييته كان في فترة الإجازة الصيفيّة، لكني كنت أدرس فيها من السبت حتى الثلاثاء، لعلّي أعوّض شيئاً مما فات... التزمت بالحضور ثلاثة أسابيع فقط من أصل ثمانية، ثمّ تواريتُ عن أعين قاعات الدرس حين أصبح الشحوب يشتعل في وجهي كأنه إشاعة...
في هاته الأسابيع الثلاثة لم أبارح غرفتي في الشقة، حتى أن أحد زملائي قال لي مستنكراً عدم جلوسي معهما: هل نحن حثالة لدرجة أنك لا تجلس معنا.. كانوا اثنين فقط في الشقة بعكس أيام الدراسة الاعتيادية، مما يجعل غيابي عن جلساتهما مستنكراً، لكن ماذا بيديّ أن أفعل، وحطامي يغريني بالاعتزال لعلّي أرمم ما انهدم على يدَيْ سماء...
صادفت هذه الفترة نزول ألبوم عايشا لك في الأسواق، و في إحدى الليالي وكنا نسير متوجّهين بالسيارة لمكان دراستنا، توقّفنا في محطّة لتعبئة الوقود... نزلتُ من السيارة لتدخين سيجارة وتوجّهتُ نحو محلٍ لبيع الأشرطة فابتعت الشريط...
هل كان رسوبي في المادة التي كان امتحانها في اليوم التالي بسبب هذا الشريط أو أغنية آه من هواك تحديداً؟!!.. لا أدري إلا إنني كلّما سمعتُ هذه الأغنية سقطت في بؤرة الكآبة، حيث تعود لي تلك الفترة بعذاباتها التي لم أنسها، وربّما لن أنساها طالما في الشرايين تنبض ذكرى...
كنت بشكل أو بآخر رجلاً مكسوراً...
كان الصمتُ رفيق دربي وإنجيلي الذي أتعبّد به تقرّباً للموت...
توغلتُ في أقصى دهاليز روحي...
لم أعد أسمع شيئاً مما يدور حولي، حتّى أن الأحاديث التي كانت تخرجني من عزلتي سابقاً، أصبحت بالنسبة لي عبثاً في جسد الثقافة لا طائل من ورائه...
وحدها الأغاني كانت في تلك الفترة تمزّق جدار الصمت، تاركة بيني وبين صمت المقبرة شعرة يا ليتها انقطعت... وحدها حوراء كانت تراني أسقط ببطءٍ وكأني أقتل تدريجياً على فترات، وكأني هكذا بين الموت واللاموت من أجل أن تستعذب تلك السافلة ألمي وأناتي التي أرسلها من غور صمتي...
تغيّرت علاقتي وإدراكي لكل ما حولي ومن حولي...
بيني وبين الناس هاوية، وعدّة شروخ كلّما تقدّمت بي السنين أراها تتسعُ، إلا إنها في هذه الفترة شملت الأصدقاء، حتى حوراء نفسها كانت بيني وبينها هاوية، استطاعت هي بقدرتها وبقربها مني أن تردمها، فما كنت أجلس مع سعيد أو يحيى إلا بجسدي بينما الروح وراء هذا الجسد تحتضر على هيأة طفلٍ مصلوب على قارعة الظلام...
لم أكن أتحدّث معهما بقدر ما كنتُ أخفي انكساري ببعض كلمات أبعثرها مجاملة، وضحكة حزنٍ ترتسم بين حين وآخر على شفتي بعد أن أنتزعها عنوة من بؤرة موتي...
لم يكن للكتاب أيّ معنى في هذه الفترة، فلم يعد يثيرني جنسياً... لم يعد يغريني بتفصيل قوامه، و بسكب حروفه، أو بعنوانه الجذاب، المثير كرائحة عطر...
كذلك الكتابة التي أذكر أني كتبت في هذه الفترة نصّاً واحداً، كانت بنيته التعبيرية تدلّ أن الموت ابتدأ معي بالصخب الذي أقصد به الشعر أو ربّما العبث، لكن ما جدوى ذلك الصخب، والروح لم يبق بها ما يغري بعد أن أرقصت سماء أفاعيها في أروقتها، فانتقلت لمرحلة الموت في وجوم الصّمت...
هل تحوّلت الكتابة بالنسبة لي لعبث، ولعمل من لا عمل له؟!!..
ربّما كانت الأحزان تتغلغل في روحي ثمّ تخرج منها في اتجاه مسامات جسدي كلّها، وخارطة ذهني، فلا الكلمات لها ترجمة معنوية في ذهني، ولا أنّاتي تجسّدها الحروف الأبجدية، ووحده الصمت يجسّد أغنية العذاب...
كانت الساعة في تلك الفترة تمرّ عليّ بصعوبة قاتلة حتّى كأنّ ثوانيها ترقصُ كوحوشٍ على أعصاب جسدي، وإيقاع حزني...
كيف تجاوزتُ الموت؟!!..
تجاوزتهُ ربّما بموتٍ هو بعد مرحلة الموْت...
لم أستطع الاستقرار على حال معين وكأن ضجيج الروح وانسكابها في قعر جحيمها يمنع الجسد من الاستقرار، والركون للراحة والهدوء، فعلى الرغم من أنّ الصّمت كان أغنيتي التي أغنيها إلا أنني لا أدري لمَ لم أكن أستطيع الاستقرار في مكان واحد مدّة تتجاوز الساعة...
كنت أتسكّع في الطرقات فتخنقني رطوبة الطقس فأعود بعدها لصومعتي لعلّي أتوارى قليلاً عن الأضواء، مخبّئاً في عتمتها الحمراء آخر أشكال النهار، لكني سرعان ما أعودُ متسكّعاً في أقاصي الحضور أحياناً، وأحياناً حين يكون من حوليَ الغياب...
بدأت منذ هذه الفترة أتعرّف أكثر فأكثر على الأغاني العراقية القديمة، ربّما لأن أحزان العراق كانت جزءاً من أحزان الروح الراكعة تحت وطأة تلك السافلة التي اسمها سماء، وحقيقتها لعنة ترتسم على هيأة فتاة...
لا أدري لم ازددت تعلّقاً بالمقابر، ومجالسة القبور، ففي بعض الليالي كان جدّ ما يحلو لي أن أتسلل للمقبرة حين تكون الشوارع هادئة، والمقبرة خالية إلا من أنفاس الموتى وأنفاسي...
كنت أصطحب معي دخاني ومسجلة صغيرة لأتوغّل في منتصف المقبرة، جالساً على قبر امرأة اسمها مريم، توفيت عن عمر يناهز السبعين، لا أدري لم كانت هي دون سواها رفيقة عزلتي كلّما ذهبت للمقبرة وبقيت وإياها في حضرة مولانا الموت، تعرّي ضعفنا خطبة الموت للإمام علي بن أبي طالب بصوت المالكيّ، أو بعض الترانيم المسيحيّة الشاحبة كذاك الكاسيت الذي قمت بجلبه من كنيسة السيدة حريصة بجونيه في لبنان وكانت الترانيم مستوحاة من سيرة القدّيسة رفقا...
كانت الأيام تسير وكنت أسحق تحت وطأتها كأنني قشة في الطريق ترجمها الأمطار والعتمة...
هل كنت أحيا أم كنت أموت؟!!..
ربما تحتاج الإجابة عن هذا السؤال لوقفة عند كل منعطفٍ وعند كلّ زقاق، ففي أحد أزقة تلك الليالي كنت عائداً للمنزل بعد أن مللت الجلوس مع أحدهم عند إحدى زوايا الطرقات، وكان الوقت متأخراً حينذاك، والشارع خالياً من الناس الذين اعتزلوا الطرقات بعد أن امتلأت بالرطوبة الهامدة...
كانت حالة من الخواء تسقِط أنواءها في صفرةِ رُوْحي...
عينايَ حائرتان تحدّقان في النجوم، وأحيانا ترسمان حيرتهما على هيأة دموع...
لا أدري كيف كدتُ أختنق في تلك الليلة وحيداً بين جدران الصّمت، في منزلٍ ملّ أغاني المساء، كأنني وردة في دهاليز يكفنها الدخان... حاولت الصلاة في تلك الليلة، وكنت قد أهملتها فترة طويلة، لكني لم أستطع السجود لله عبادة، وروحي تسجد حزناً، وهو في ذهني لا يفعل ولا ينفعل كأيّ صنم...
ارتميت على سريري وسقطت باكياً في بؤرة النحيب، وصوتي كأنه تكسّر النصل على الجراح... قمت من غرفتي متّجهاً نحو غرفة أمي لعلّ رائحتها تهدهدني من دموعي، وترسم حول شموعي ملاك رحمتها وحنانها، لكنني لم أزدد إلا انتحاباً، فما كنت أريده أن أريح على صدرها رأسي، وأقول لها لقد أنهك الجسد من صفرة المساء بينما الروح تذوي كزهرةٍ ظامئة يا أماه...
بعد أن عدت إلى غرفتي راودتني عدّة رغبات ممزوجة بعدّة مشاعر، لكن كلّ ما أذكره الآن أني رفعت سماعة الهاتف متّصلاً بسماء، لكن لم يجبني سوى رنين الهاتف وأنا هنا في ركام ساعاتي أستنشق صوت دموعي...
كانت هذه الأيام والليالي تخطو على ملامح وجهي، تاركة لي أسفل عينيّ ملامحَ مخالبها كأنها خطوات الجحيم...
تركتني سماء عند منحدرٍ أسقط ولا أسقط