أنا - أعود بالله من قولة أنا - وأخي القلم المتأمل من المؤسسين للجنة احياء التراث الشعبي البناء ، ومن المشدودين كثيراً الى التراث ، وهذه المرة وعبر قراءتي نصوصكم التراثية في هذا المنتدى العزيز ، اشارككم بهذه الوقفة التراثية الأزلية ، وقفة من وقفات أمي - المرحومة - ليلة من ليالي رمضان الكريم .
في ليلة من ليالي شهر رمضان الكريم انتبه والدي على رنين جرس الساعة المركونة تحت وسادته ، جلس يستغفر الله ويدير بنظراته في الباحة الكبيرة في البيت الكبير المفتوح على الأروقة ، استقر في جلسته وأخذ ينادي النيام من أخوتي وأختي الوحيدة ليتناولوا وجبة السحور التي تسبق صيام اليوم الجديد ، أمي استعدت في تقريب السفرة والبحث عن صحن العيش ، أخوتي قاموا من مفارشهم كسالى يغلب عليهم النعاس ، غسلوا وجوههم والتفوا دائرة حول والدي في انتظار السحور ، لازالت والدتي تبحث بين الرفوف في المطبخ عن صحن العيش الذي أخذ جّل وقتها ، والدي لم يأخذه الاصطبار على هذه المهلة من الوقت ، ناداها واستشاط غضباً بلهجته المعهودة .. بنت خالي ولا خٍير الى متى واحنا قاعدين ننتظر !! .. الجهال غلبت عليهم النومه وانتين في المطبخ تدورين الصحن .. سرعي يا بنت الحلال .. وجاء صوت أمي من المطبخ يفيد والدي بأن صحن العيش أختفى ، وما تدري وين صار .
تحركت في مكاني وقلت لوالدي الشيخ الهرم أنني سأعود الى فراشي لأن النعاس غلب على عيني ولا يمكنني الأستقرار في جلستي أكثر ، والدي لم يرحم والدتي ولم يساعدها أحد في البحث ، واستشاط والدي غضباً وقام واقفاً يشّد ازاره ، وبما أنه ضعيف النظر استحسن الوقوف في مكانه يصدر الأوامر ويكررها مراراً وتكراراً .. وجبة السحور طافتنا ، وبكره نقضي صيامنا جياع ، والأولاد يذهبون الى أعمالهم وبطونهم خاوية ، ويش اسوي الحين ، بعد أن أعي أمي البحث عن صحن العيش بين الرفوف خرجت وفي يدها اللمبة تبحث في الأمكنة الأخرى ، وفي الطريق الى - الليوان - توارت عن ملاسنة والدي ، وفي خلسة الليل المظلم بان الصحن المنقوش في داخله بالورود واستقر خاطرها وصار بالها طويل أن تهدىء والدي وتعلن الأنتصار على اختفاء الصحن ، وجاءت بالسحور ووضعت المائدة من الأرز ، واللبن ، والتمر ، وأكواب الماء ، ورجعنا الى أمكنتنا وكوّنا الدائرة حولة السفرة من جديد ، ولكن النعاس يأخذ مكانه من الجسم والعين معاً - خصوصاً مني أنا - وفي هدوء تام تناولنا وجبة السحور ، وأنا بينهم يأخذني النعاس وبدلاً من أن القف لقمة العيش واضعها في فمي أقوم بوضعها في جيب ثوبي ، واستنكرحينها أخوتي وبوخوني على فعلتي والضحكات تأخذ مكانها من الأتساع حول السفرة ، ولكني نعسان ولا أحس بما يدور حولي ، تعالت الضحكات من أخوتي ووصلت الى مسامع والدي ونهرني بصوته الجهوري .. اعتدل في جلستك .. كل وانت مستيقط .. لا تنام ياولد .. ولكن كل هذه الكلمات جاءت خفيفة على مسامعي ولم القف منها الا الكلمة الأخيرة ، واعتدلت في جلستي وحسست بالحرارة في ثيابي .. قمت واقفاً واذا الطعام ينزل من الثياب بدل أن يذهب الى المعدة وزاد الضحك حتى من والدي - الذي لم اسمع ضحكته بتاتاً الا هذه المرة - وقمنا من على السفرة نحمد الله لا يحمد على مكروه سواه - ولم يكن ذلك مكروهاً وأنما كان مرغوباً مطلوباً محبوباً في سبيل الله - ومشيت خطوات الى فراشي الذي هجرته منذو ساعة ، ورفعت أمي السفرة وأشعلت النار وجهّزت الغليون - النارجيلة - الى والدي الذي بقي متسمراً في مكانه ينتظره- النارجيلة - بشغف شديد ، وتقابلا الأثنان يدخنان الى أن حان أذان الفجر ، استعد والدي الى الصلاة وقراءة بعض الأدعية المأثورة ، وعاد الى سريرة ، ونمت أنا بعد قلق شديد ، هذه قصة اختفاء صحن العيش الذي اشعل البيت الهادىء ناراً وقلقاً، وبتنا بفضله نصف جياع ، اتمنى ان تسعدوا بها في هذه النكهة التراثية الأصيلة .
المعتوق