[ALIGN=CENTER]يزدحم الملعب بالجمهور من مختلف الأعمار. على رغم مزاجية المناخ. فالعاشقون لا يأبهون للحر غير المتوقع او الرطوبة الخانقة التي تجتاح المكان فجأة وبلا استئذان. لا شيء يثنيهم عن الحضور إلى مبارة كرة القدم. بعضهم حمل كرسياً معه لعله يصل متأخراً ولا يجد مكاناً, بعضهم الآخر يفترش الأرض لا همّ إذا كان جالساً أم واقفاً, إذ إن المهم هو مشاهدة المباراة. وأي مباراة؟ بين البرازيل والزمالك! لكنه ليس المونديال, إذ تستضيف محافظة القطيف شرق المملكة العربية السعودية نخبة الأندية العالمية, في تظاهرة لم يشهدها العالم حتى الآن. هذه نصف الحقيقة, أما النصف الآخر, فهو أن هذه المباريات بين عمالقة الأندية لم تأخذ منها سوى الاسم فقط, أما اللاعبون فهم من أبناء القطيف العاشقين لكرة القدم والمغرمين بأفضل لاعبيها.
وتسمى الحواري وهي مجموعة شباب تجمعهم الصداقة او الحارة, اجتمعوا لتكوين فريق كرة قدم محلي الطابع, وكل فريق يتخذ له اسماً يعرف به بين الفرق المختلفة, لدرجة عدم تكرار الاسم مرتين بل يحمله فريق واحد, ويحصل على شبه احتكار فلا يسمى به أي فريق آخر. ويوجد ما يقارب الـ100 فريق ينضم إليها الشباب من مختلف الأعمار, موظفون وطلاب في مختلف المراحل التعليمية.
وتنتشر ملاعب الحواري في محافظة القطيف, وتصل إلى ما يقارب 50ملعباً, فلا يخلو حي او قرية من قراها إلا وتجد ملعباً لها سواء كان أرضاً بوراً, جهزت لتكون صالحة للعب, أو ملعباً جاهزاً لا ينتظر سوى الشباك حتى يكتمل ويكون جاهزاً في انتظار اللاعبين بكرتهم المدورة. ومهما كان الطقس رديئاً فإنه لا يثني الشباب عن اللعب. يقول عيسى الجيراني الملقب بالفيفا وأحد المنظمين لمباريات الحواري: "لدينا ملاعب شتوية تمتص الماء ولا تتأثر بالأمطار نهائياً لأن ترابها بحري, وملاعب صيفية تتأثر بالمياه نجهزها حتى تكون صالحة للعب".
يتضمن جدول الدورات المقامة اسماء ارسنال و مانشستر وميلان ويوفنتوس ومرسيليا وفلامنغو وأياكس ولاتسيو. ومن الأندية العربية نجد العربي والسد والقادسية والكويت. وهناك فرق أخذت أسماء مدن مثل سامراء, أو أسماء أخرى مثل الشاطي وببيلا والهدف والنجوم وداحس والنحت والبحر وتاروت و الحوامي والدشة . وكان للمحطات الفضائية نصيب مثل فريق المستقبل والمنار وال بي سي. ويقول إبراهيم غانم "إطلاق هذه المسميات خصوصاً أسماء الأندية الأوروبية هو من اجل جذب الانتباه, وخلق نوع من التمييز بين الفرق المختلفة". ولم تقتصر الأسماء على الفرق بل تعدتها إلى اللاعبين, حتى اصبحوا يعرفون بغير أسمائهم الحقيقية مثل عباس الحبيب من فريق الشاطي والذي يشتهر بلقب دافيدز, وعباس السادة بلقب رونالدو, ومحمد الشرفا بلقب توتي, وعادل دخيل بلقب نونوغوميز . ويعتقد ياسر سهوان كابتن فريق الشاطي ان "إطلاق هذه الأسماء عليهم إما لوجود شبه في الحركات التي يقوم بها اللاعب مع نظيره العالمي, او حباً في اللاعب الأجنبي". وفي بعض الأحيان "يطلق أعضاء الفريق هذا الاسم عليه ليشتهر به بعد ذلك بين فرق الحواري".
ولا تخلو فرق الحواري من لاعبين محترفين وصلوا إلى الأندية الرسمية من الدرجات الأولى او الثانية, مثل أيمن عباس وعماد عباس لاعبي نادي الخليج بسيهات, وهاني السالم لاعب القادسية. وهناك من اعتزل اللعب في الأندية الرسمية ليحط رحاله بين فرق الحواري, مثل حبيب الصفواني لاعب القادسية ونزار عباس لاعب الاتحاد. ويرى ياسر سهوان بخصوص موجة الاعتزال هذه أن "تفضيل هؤلاء اللعب في الحواري يعود إلى أن الأندية التي كانوا فيها تقبع في الدرجة الثالثة لضعف الموارد المالية التي تتلقاها حالياً من الدولة الممثلة في الرئاسة العامة لرعاية الشباب. بخلاف فرق الحواري التي تحظى بدعم كبير من أفرادها او بدعم المؤسسات مقابل حمل الفريق شعار المؤسسة الراعية". وتصل موازنة بعض الفرق إلى أكثر من 30 ألف ريال سعودي (8 آلاف دولار) مثل العربي والخط والجراري. ولا تقتصر فرق الحواري على خوض المباريات فقط, بل تتكفل بعلاج اللاعبين في حال الإصابة, وتصرف عليهم أموالاً لا تصرف إلا في الأندية الكبيرة, فضلاً عن توفير الزي الرياضي الموحد باسم الفريق. إلا ان الامر لا يخلو من بعض الفرق التي تعاني من أزمات مالية تصل إلى عدم قدرتها على توفير مبلغ الاشتراك في الدورات مثل فريق الشاطي. وللحفاظ على اللياقة البدنية تنخرط فرق الحواري في مباريات أسبوعية في شكل دوري استعداداً للدورات المقبلة. ويتم تنسيق المباريات من قبل "شبه" اتحاد كرة قدم محلي, فما على الفريق الراغب في خوض مباراة سوى الطلب من اللجنة إدراج اسمه في اللائحة. واشهر المنضمين لهذه المباريات عيسى الجيراني الملقب بالفيفا وأبو شكري الطويل وفيصل الفرج ومحمد الحمران وعباس سويد. وتنظم الجمعيات الخيرية في محافظة القطيف دورات سنوية, ومن أشهرها دورة "كافل اليتيم" في كل من مدينة القطيف والقديح وتاروت والعوامية. وتحمل بعض الدورات أسماء لاعبين ماتوا تكريماً لهم. وتحظى هذه الدورات بدعم مادي ومعنوي من الشركات والمؤسسات وكبار التجار, وتصل موازنة بعضها إلى أكثر من 120 ألف ريال (32 ألف دولار), يخصص جزء منها للجوائز التقديرية للفرق الفائزة وللمتميزين من اللاعبين, والباقي يعود ريعه لدعم الجمعيات المنضمة للدورة. ولم تغفل الصحف الرياضية المحلية هذه الدورات إذ تجد فيها مادة دسمة تستقطب القراء, خصوصاً في التصفيات النهائية. تبقي كرة الحواري صناعة محلية, تملأ وقت الفراغ الذي يعاني منه البعض وفي الوقت نفسه متنفساً يروح الفرد عن نفسه فيه. ولذا يقول ياسر سهوان: "يبقي الأمل لدى الشباب بأن تتوجه أنظار المسؤولين في الأندية الكبرى إليهم وإلى مهارتهم, بدل استيراد اللاعبين من الخارج, وكما يقول المثل ما يحك جلدك مثل ظفرك".[/ALIGN]