
ينجح الكثيرون في الإقلاع عن التدخين لكنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن التخلي عن الإمساك بكوب القهوة الساخن وارتشاف السائل الأسود كل صباح، على رغم قلقهم حيال الأضرار المتداولة حولها. إلى هؤلاء نزف بشرى سارة، وهي أن القهوة تتمتع بفوائد عديدة، فما هي منافعها وأضرارها وفق أحدث الأبحاث؟
سرت شائعات مؤخراً أن القهوة، ناهيك عن تسببها بارتفاع معدل الكولسترول ومساهمتها في مشاكل القلب، ترتبط أيضاً بإصابات السرطان، غير أن الإثباتات الطبية نفت صحة بعض هذه النظريات جملة تفصيلاً.
وقد ذهب بعض الخبراء إلى حد الادعاء أن القهوة تتمتع بفوائد صحية لا سيما بالنسبة للرياضيين، إلا إذا كان المرء يتناول ما يزيد عن 4 أكواب في اليوم، فإن القهوة هي آخر ما يجب القلق بشأنه في مجال التسبب بالإدمان عليها.
ويرى بعض الباحثين أنه في حال عدم تسببها بالأرق ينصح بتناولها، لأنها تقي من العديد من الأمراض.
ثمة دراسات حديثة خلصت إلى أن القهوة تخفض احتمالات الإصابة بالسكري وتصلب الشرايين وتشكل الحصى، وقد لوحظ أن الرياضيين والعدائين على وجه خاص أقبلوا منذ زمن على الاعتماد على القهوة لمساعدتهم على تحسين الأداء خلال مباريات العدو، وذلك يعود إلى الكافيين، المادة التي تمنح القهوة نكهتها، والتي ترفع من دورة الحوامض الدهنية فيعزز بالتالي عملية أكسدتها، ومساعداً بذلك في عمليات تمثيل الحوامض الدهنية. وقد ذكرت دراسة طبية أن القهوة توفر على الكبد والعضلات عناء تحليل الغليكوجين، من خلال تسهيل استخدام الأحماض الدهنية وتحويلها إلى طاقة. ويشير العديد من الرياضيين ومن بينهم العداء الماراتوني رون والتر، أنهم يحتسون كوباً من القهوة قبل المباراة لأنه يحسن من أدائهم ويمنحهم طاقة غير فورية، أي يظهر تأثيرها في مرحلة لاحقة من السباق عندما تنتاب الجسم بوادر الإرهاق.
ووفقاً لأبحاث أولية تبين أن الكافيين يسبب إطلاقاً سريعاً لأيونات الكالسيوم في العضلات، الأمر الذي يعزز من قدرات انقباضها ويجعل حركتها أكثر فعالية، وبما أن بعض السباقات الطويلة الأمد التي تدوم لأكثر من ساعة من سباق الدراجات للمسافات الطويلة ومباريات التزحلق، تحول دون إمكانية تناول ما يكفي من الطعام للحفاظ على معدلات عالية، فإن القهوة بحسب بعض الخبراء قد تشكل بديلا ًفعالاً، خصوصاً إذا ما مزجت مع عصير الكريب فروت (الليمون الهندي)، الذي أشار بشأنه بحث نشرته إحدى المجلات الطبية في بريطانيا أن تناول العصير المعلب منه يطيل تأثير الكافيين لأنه يبطئ من تحليله في الكبد، وهذا يسمح بالحصول على النتائج نفسها مع استهلاك كمية أقل من القهوة.
لكن الخبراء يحذرون من تناول القهوة بعد مزاولة الجهد الجسدي، وينصحون بتناول المشروبات الخالية من الكافيين، وينبهون إلى أن الكثير من القهوة قد تكون له مفاعيل سلبية ملحوظة، على الرغم من أنها تحفز الانتباه وتسرع من ردات الفعل عند تناول كمية معتدلة منها. حتى أن بعض الأشخاص الحساسين قد يتأثرون سلباً من جراء تناول كوبين من القهوة فقط في اليوم، وقد يؤثر الكافيين في الجهاز العصبي ويرفع من معدل دقات القلب.
ومن التأثيرات السلبية الأخرى للقهوة ـ أو بالأحرى لمادة الكافيين التي تحتويها ـ التسبب باسترخاء العضلة الفاصلة بين المرئ والقفص الصدري، مما يؤدي إلى الإصابة بحرقة باب المعدة. كما أن القهوة حتى إن كانت خالية من الكافيين، قد تحفز تطور تقرحات المعدة الناشئة من خلال زيادة الإفرازات الحامضية.
أما بالنسبة للشائعات المتداولة حول ارتباط القهوة بإصابات السرطان، فقد تم نفيها من قبل هيئات طبية متعددة بما فيها الجمعية الأميركية لأمراض السرطان.
لقد برأت كل الدراسات تقريباً والتي تمت طوال العقد الماضي القهوة من الاتهامات الموجهة ضدها. وقد أثبتت دراسات جرت في العام 1996 وشملت 121 ألف مريضة، من اللاتي يستهلكن القهوة بكميات كبيرة، أن هذه الأخيرة لم ترفع من مخاطر النوبات القلبية لديهن. ولم يظهر بحث حديث - شمل 16 ألف شخص - في النرويج أي علاقة بين استهلاك القهوة واحتمالات نشوء السرطان، ولم يكشف تقرير صدر عن الجمعية الطبية الأميركية في عام 1994 عن وجود أي صلة بين زيادة استهلاك القهوة وانخفاض الكثافة المعدنية للعظم، مع التذكير في المقابل أن تناول كوب من الحليب يومياً يزيل التأثير المحتمل لأي خسارة في الكالسيوم، ولكن تبقى مسألة ارتباط القهوة بارتفاع معدل الكولسترول التي لم تحسم بعد، حيث تجدر الإشارة إلى أن التحقيقات الطبية بشأن إبانة هذه العلاقة اقتصرت على القهوة السريعة التحضير والقهوة المضغوطة أو القهوة المغلية غير المصفاة، مع وجوب التأكيد على أن استخدام ورق الترشيح خلال الطحن يساعد على التخلص من كل المواد الدهنية في حبوب القهوة.
ان الدراسات الحديثة التي أثبتت أن تناول القهوة يرفع من معدلات الهوموسيستين في الدم، وهو هورمون يشتبه بمساهمته في التسبب بمشاكل القلب، قد ارتكزت على إعطاء الأشخاص الذين شملتهم الدراسة ستة أكواب من القهوة يومياً، وهي كمية تفوق بكثير المعدل الوسطي لاستهلاك الفرد العادي والذي يبلغ كوبين يومياً.
مهما كانت كيفية تحضير القهوة لتخفيف كثافة الكافيين فيها، فإن التوصية تشدد على الاعتدال بتناولها، ويجمع الخبراء على أن احتساء 10 أكواب يومياً يشكل إفراطاً يؤثر سلباً على الصحة العامة، لافتين إلى إمكانية تقلص كمية الكافيين من دون التخلي عن القهوة نهائياً.
وينصح بعضهم بتخفيض تناول الكمية بمعدل نصف كوب يومياً وبشكل تدريجي، وتناول كمية أقل من القهوة مقابل اختيار النوعية العالية الجودة، ذلك لأن التخلي عن القهوة بشكل مفاجئ، وبالأخص القهوة التركية، قد تنجم عنه حالات من الصداع وسوء الهضم.
في أي حال، فإن الإقلاع عن القهوة نهائياً ليس ضرورياً ولا مرغوباً به، ففي أسوأ الحالات لا تلحق القهوة أي أضرار وفي الحالات الأفضل تعطي بعض المنافع للرياضيين وللآخرين الذين يحبون مذاقها.
وهنا نسأل: مع كل هذه الدراسات والأبحاث التي تؤكد فوائد القهوة وأهميتها, لماذا تواجه القهوة كل هذه الإتهامات؟!