بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحة الله تعالى
صبغة الله ) و لغة السينما الإيرانية ...
مذاق الكرز هو مذاق السينما الإيرانية .جديد و طازج و غير مألوف للعين . لقد أثبت هذة السينما أنها لا تحتاج الى أي من توابل الإثارة .. و أن حريتها الحقيقة هي في صدقها .
هذة سينما قومية ، تشارك سينماتين قوميتين أخريين ، شرق أوسطتين ، هما السينما التركية و السينما المصرية .
الخلفيات الثقافية و الوضعية و التاريخية نفسها ، و حتى نوعية المشكلات الأجتماعية و السياسية و الصراعات الإيديولوجية بصلة من القرابة وثيقة .
سينما وثيقة قريبة جارة تشكل الضلع الثالث في مثلث السينمات القومية الكبرى في المنطقة .
و لكن هذة السينما تميزت عن شقيقتيها ، بأنها أستطاعت ، برغم الظروف الموضوعية التي تمر بها و تتشابه فيها مع ظروف الشقيقتين في كثير أو قليل ، استطاعت أن تطلق و تفجر طاقات ذاتية عامرة بالمواهب الفردية التي تعلمت كيف تنظر الى الداخل ، داخل الذات الجماعية للأمة ، بدلا من الأنشغال بتبديد الطاقات و إستهلاكها في الصراعات الإيديولوجية التي أثمرت أعمالا دعائية خاوية تخلو من أثر الفن .
عندما نظروا الى الداخل ، أكتشفت صفوة فناني هذة السينما مكنونات زاخرة من الجمال الساحر في موروث الإمة في علاقته بالفرد .
و كلما غاض هؤلاء في هذة الموروثات ، أظهرت مواهبهم تميزا فرديا فيما عرف بالإسلوب الخاص . فالأسلوب هو الرجل في عبارة الكاتب أوسكار وايلد ، و معناها أن الفنان الحق يبدع أسلوبه الخاص .
و هكذا أكتشفت هؤلاء الفنانون مقدار الحرية التي يتمتعون بها في هذا العالم الداخلي الواسع فأبدعوا .
و خلال العقد الأخير تقريبا وصلت نسبة تقدر بنحو 15% تعبر عن الثقافة القومية في أي سينما دولية ( بما في ذلك السينما الأميريكية التي تنتج حوالي 400 فلم روائي سنويا ، 15% منها يقدرها النقاد الجادون ، و تحترمها المهرجانات السينمائية الرفيعة ، و تهرول في إتجاهها الجوائز القيمة و أولها الأوسكار ) ، و صلت صفوة إنتاج هذة السينما بصدقها و حرارتها و بساطتها المثيرة إلى شاشات العالم المفتوح ، فهزت قلوب مشاهديه من الأعماق ، فمنحها الجوائز و فتح لها صالات العرض في كبريات المدن و لاحقتها شركات التوزيع الكبرى ترجو توزيع أفلامها ، و كتب كبار النقاد قصائد مديح على نحو غير مسبوق في ألإضل إنجازات هذة السينما ، القريبة الجارة ..الحارة الصادقة .
ماذا هناك غير السينما الإيرانية ؟
حمى التقدير ...
بين يدي العدد السنوي الأخير من مجلة ( تايم ) الأمريكية التي توزع قرابة ثمانية ملايين نسخة مطبوعة و إلكترونية أسبوعيا ، و فيها مقال عن حصاد العام 2001 السينمائي بقلم ناقدها الكبير ريتشارد طورليس يحدد فيه ألإضل عشرة أفلام عرضت في الولايات المتحدة الإمريكية عام 2001 . وضع في مقدمتها في صدر إختياراته من بين كل الأفلام أمريكية و غير أمريكية ، فيلما إيرانيا .
من كان يصدق ذلك قبل عشرة أعوام ؟ من كان يصدق أن ناقدا كبيرا ذا قلم محترم في أمريكا و خارجها هو ريتشارد كورليس سيخصص أربع صفحات كاملة من أكثر المطبوعات الأمريكية أحتراما و سعة إنتشار يملؤها بقصائد غزل في فيلم جعفر باناهي ( البالون الأبيض ) الذي فاز ، و من كان يصدق ذلك أيضا ، بأوسكار أحسن فيلم أجنبي ؟
هذا في الوقت الذي أكتفى فيه كورليس في العدد نفسه بعمود واحد نقد لثلاثة أفلام أمريكية !!
من مان يصدق أن سلسلة النجاح (الذي لا يصدق ...) ستتدفق ة تكرر خلال التسيعينات على نحو مذهل لأهل الغرب و للمراقبين من أهل الشرق معا .
ناقد ( لوس انجلوس تايمز ) كويت توماس وصف هذا التدفق بأعتباره تعبيرا عن حقيقة مفادها ان السينما الإيرانية هي اليوم أكثر سينمات العالم حيوية و إثارة للأهتمام .
لم لا .. و عباس كياروستامي يفوز بالسعفة الذهبية ( الجائزة الكبرى ) في مهرجان كان السينمائي عام 1997 عن فيلمه ( مذاق الكرز ) في لوقت الذي فاز فيه جعفر باناهي بجائزة الأسد الذهبي ( الجائزة الكبرى ) في مهرجان فينيسيا عن فلم (الدائرة) ...هذا بينما فازت المخرجة مرضية مشكيني بجائزة سينما المستقبل و جائزة اليونسيف عام 2000 عن فيلمها ( يوم أصبحت إمرأة ) ... و هناك مخرجة أخرى توجت بجائزة في مهرجان كان عن فيلمها ( السبورة ) قبل أن تُختار عضوا في لجنةتحكيم ثاني مهرجانات العالم السينمائية ( فينيسيا ) لكي تتوجه بعد المهرجان الى مهرجان لندن لتتسلم جائزته الرئيسية عن فيلمها ( التفاحة ) تلك المخرجة الشابة بنت العشرين عاما ، سميرة مخملباف ، ابنة المخرج محسن مخملباف الذي اختار ريتشارد كورليس فيلمه الأخير ( قندهار ) في المرتبة الأولى لأفضل عشرة أفلام عُرضت في الولايات المتحدة الأمريكية في العام الماضي ، واصفا (قندهار ) بأنه يتمتع بروعة بصرية و انفعالية عظيمة ، و بأنه ضربة معلم في الصحافة السينمائية و في كتابة الشعر الذي يمزق نياط القلوب معا في آن و احد !
بوسعي أن أعدد قوائم من جوائز و شهادات تقدير و مناسبات تكريم لإنجازات السينما الإيرانية الجديدة ، بل و اعدد عدد المرات التي دخلت فيها الأفلام الإيراينة تصفيات الأفلام الخمسة الأخيرة و التي يُختار منها فيلم واحد للحصول على أعلى جائزة سينمائية دولية و هي الأوسكار .
و مع انه أمر لا يُصدق للوهلة الأولى خاصة لسينما شرق أوسطية ، و لأن ضلعي المثلث الأخريين و هما السينما التركية و السينما المصرية ، لم يصلا أبد الى هذا المكانة ، فإن دراسة فاحصة لأعظم أفلام هذة السينما ستبين أسبابا موضوعية لتفسير ما عثرف في التسيعينات باسم ( معجزة السينما الإيرانية ).
جوائز ... جوائز ...جوائز ... جوائز ... من جمعيات نقاد بوسطن و لندن و سان دييجو و تتويج بالجائزة الكبرى من مهرجان مونتريال السينمائي ، فاز بها فيلم مجيد مجيدي الممتاز ( صبغة الله ) ، و الذي عُرض عامي 2000 و 1999 .