الطب النفسي
لا يخفى على الكثيرين بأن الطب النفسي قد تطور كثيرا في الآونة الأخيرة إلا إن هذا التطور كان ملازما لكثيرا من المعتقدات أو إن صح التعبير (الخرافات) وذلك لأن بداية الطب النفسي كانت بواسطة رجال الكنيسة وخصوصا في أوروبا في القرون الوسطى فمزجوا بين تلبس الجن وبين السحر والتكهن في أمور الغيب وغيرها من الأمور التي لازالت منتشرة حتى في العالم الإسلامي.
ومن الطرق التي كانت مستخدمة في العلاج هي بأن يوضع المرضى في أماكن سيئة ويتعرضون لأسوأ أنواع المعاملة مثل التقييد بالأغلال المثبتة في الحيطان لفترات قد تصل إلى عشرات السنين . كما كانت تلك الأماكن أو الملاجئ مستقلة وبعيدة عن المستشفيات المعتادة ، مما أدى إلى ركود الأبحاث في الطب النفسي وإلى تخلف هذا الفرع من فروع الطب ، وبالتالي عدم إدراك الناس لحقيقته ومدى فائدته.
إضافة إلى ذلك فإن الصراع بين العلم والكنيسة في أوربا في القرن الماضي ربما كان أحد الأسباب الأساسية في رفض الناس للطب النفسي . فلقد استطاعت جميع العلوم تقريبا أن تثبت مكانتها وجدارة علمائها مقابل عجز وتخلف رجال الكنيسة -الذين كانوا وللأسف يعتبرون رمزا للدين وأهله في ذلك الوقت في حين أنه قد عجز الطب النفسي أن يحقق ذات المكانة ، وأن ينجح بنفس الجدارة التي نجحت بها غيره من العلوم ، بل إن بعض مؤسسة قد اتخذ موقفا معاديا للدين وابتدع بعض الفرضيات التي زادت من هذا الفصام النكد كتعريف سيجموند فرويد - وهو طبيب نمساوي من أصل يهودي -للدين بأنه وسواس الشعوب.
ونظرا لمكانة أوربا في العالم فلقد انتقلت نظرة الرفض تلك إلى الشعوب التي مازالت في بدايات التحضر ( دول العالم الثالث ) ، والتي رفضت بدورها الطب النفسي بدرجة أكبر مما حدث في أوربا ، وذلك لعدة أسباب منها:
الأول : أن هذه الشعوب مازال فيها بقية من خير وصلاح وسلامة فطرة إلى حد ما ، مما يجعلها ترفض في أغلب الأحوال أي شيء يبدو في ظاهره وكأنه يتعارض مع الدين .
الثاني : أن كثيرا من أوائل المتخصصين في الطب النفسي في دول العالم الثالث - إلا من رحم الله منهم - كانوا مجرد نسخة لعلماء الغرب ، ولا يختلفون عنهم إلا أنهم كانوا يتحدثون بلغة قومهم .
الثالث : أن الصحوة الإسلامية التي عمت أرجاء العالم الإسلامي في العشرين سنة الماضية قد دعمت هذه النظرة الرافضة في العالم الإسلامي ، وخصوصا في العالم العربي ، دون أن توجد نماذج جيدة كافية من المتخصصين في الطب النفسي ينقحون للناس ويبينون لهم الغث من السمين في الطب النفسي وعلومه .
وفي المقابل فعلى الرغم من بعض البقع السوداء في تاريخ الطب النفسي إلا أن فيه جوانب كثيرة مضيئة تنتفع منها الأمة بشكل كبير إن أحسن القائمون عليه توظيف تلك الجوانب . فليس الطب النفسي وعلومه مجرد عقاقير دوائية وأساليب علاجية ، بل إنه يمكن استخدام شيء منه في خدمة المجتمع وتطويره .
ومما يبهج قلب المسلم انتشار الصحوة الإسلامية في أوساط الأطباء النفسانيين المسلمين ، وحرص عدد منهم على خدمة الإسلام من خلال تخصصه . ولعل بعضا من أولئك المتخصصين المخلصين يصطدم بعض الشيء ويضايقه بعض من تلك النظرات الخاطئة لدى أفراد مجتمعه ، ولذلك سوف نقوم بإلقاء الضوء على بعض التصورات السلبية التي ينظر بها المجتمع للطب النفسي من خلال البحث الذي قام بكتابته الدكتور طارق بن علي الحبيب
استشاري وأستاذ الطب النفسي المساعد ورئيس قسم الطب النفسي بكلية الطب والمستشفيات الجامعية بالرياض ونسأل الله أن يعطينا القوة للخوض في غمار هذا الموضوع الشيق وأن يوفقنا لتوضيح أي لبس وأتمنى أن ينال الموضوع على اهتمامكم.
منقول:(