New Page 1

العودة   .. :: منتدى تاروت الثقافي :: .. > المنتديات الثقافة الفكرية والعلمية > منتدى المكتبة الإلكترونية

منتدى المكتبة الإلكترونية قسم يختص بالكتب الإلكترونية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 12-02-08, 06:41 AM   #1

براءة
عضو فعال

 
الصورة الرمزية براءة  







رايق

رواية الدكة لمظاهر اللاجامي


هذه مقاطع متفرقة من رواية جديدة ستصدر قريباً بعنوان «الدّكّة»...

مُذْ أدْخِلَ سُبحَانُ غرْفةَ التحقيْقِ المُواجِهَة لسَاحَةِ الرّعْبِ التي شَهِدَتْ كَرْنفَالاتِ الألَمِ والإهَانَاتِ والصّرَخَاتِ حتّى وُصُوْلهِ للمَحْكمَة كانَت عَيْناهُ مَعْصوْبَتيْنِ تمَامَاً كيْ لا يبْصِرَ الحيَاةَ ويتنشّقَ ألوَانها وَمَلامِحَهَا التي انمَسَخَتْ في عَينيْهِ كَوْماً هائِلاً مَنْ اليَبَابِ... كانَتْ رجْلاهُ المُتهَالكتَانُ تجُرّانِ معَهمَا أصْفادَهُمَا الثقيْلةَ، تمَامَاً كمَا في العتبَةِ الأوْلَى التي مزّقَتْ نرْجسَة الأحْلامِ الغَضّةِ وافتَتحَتْ مَسيْرَةَ المَوْتِ بعْدَما جلّلها موْكِبُ الانْكسارَاتِ...
في ذَلكَ اليَوْم أُوْدِعَ سِجْنَ الحَائِر في الرّيَاضِ، دُوْنَ أنْ يفْهَمَ لحْظتهَا لِمَ اقتيْدَ مِنْ قَاعَةِ المُحَاضَرَاتِ في الجَامِعَةِ التي رَفَضَ أنْ يُعيْدَ قيْدَهُ الذي أوْقفَ تلقائيّاً بعْدَ أنْ مَرّ عَلَى انقطاعِهِ مُدّةَ أربَعَة فُصُوْلٍ مُتتاليَةٍ، متذرّعَاً بأنْ لا وَقْتَ في الوَقْتِ لمَزيْدٍ مِنَ العبَثِ والغَثيَانِ واللا جَدْوَى... مِنْ عنْدِ بَابِ الجَامِعةِ رحَلَتْ بهِ سَيّارَةُ المَبَاحِثِ نَحْوَ مَرْكَزِ الشرْطَةِ ليَظلّ هُناكَ حَتّى مُنْتصَفِ الليْلِ دوْنَ أنْ يعْرِفَ سَبَباً لذَلكَ... كانَتِ الأخْبَارُ قدْ بَدَأتْ تنْشِرُ دُخَانهَا فِي أزقّةِ القطيْفِ وَمَنَازِلَهَا عَنْ سِلسِلَةِ الاعْتقالاتِ، لكِنّ سُبْحَانَ مَا وَضَعَ احْتمَالَ أنْ يَكوْنَ إحْدَى ضَحَايَاهَا كمَا أصْبَحَ بعْدَ ذلكَ ضَحِيّة هَذهِ المَدينَةِ التي استبَاحَتْ ملامِحَهُ، واجتثّتْ ابتسَامَاتِهِ، لترميْ بهِ بمُحَاذَاةِ دكّتِهَا يتحطّمُ كزِجَاجٍ في مَهَبّ عَاصِفَةٍ عَنيفَةٍ كَالحَيَاةِ...
عِنْدَ عتبَةِ السَّاعَة الثانيَة عَشرَة مَسَاءً جَاءَ رَجلانِ مُدَجّجَانِ بالقَسْوَةِ والبَشَاعَةِ ليقتَادَا سُبْحَانَ مَعْصُوْباً بعدَمَا جَاءَا قبلَ ذاكَ ليَضَعَا قيْداً، بدْأ مُنذُ تلكَ اللحْظةِ يَحْفرُ سَوَادَ آثارِهِ في كاهِليْهِ ومِعْصَميْهِ... مُدّة شارفَتْ عَلَى السّاعتَينِ سَارَت السيّارَة في طرُقاتٍ مجْهُوْلَةٍ دُوْنَ أنْ يَعْرِفَ سُبْحَانُ مَا كَانَ مِنْ حَوْلهِ يَحْدثُ... كانَتْ مُحرّكَاتُ السَيّارَةِ وَحْدَهَا تبلّلُ أسْفنجَةَ الصّمْتِ وتملأُ الفَرَاغَ، وَبيْنَ الحِيْنِ والآخَرِ كانَ الرَّادْيُو يشتَغلُ لتجيْءَ وَشْوَشَةٌ مُزْعِجَة كَانَ وَاضِحاً أنّ السَّائقَ قدْ وَضَعَ المُؤشِرَ نحْوَ ترَدّدٍ يَخْلو مِنَ الإشَارَاتِ...
مِنْ عُمْقِ غيَابِهِ استيقَظتْ خَلايَاهُ حيْنَمَا وَقَفَتِ السَّيّارَةُ لتنْطَفِئَ مُحَرّكاتهَا بَعْدَ مُدّةٍ تجَاوَزَتِ العَشْرَ دَقَائقَ بقليْلٍ... بِطَريْقَةٍ هَادِئَةٍ تتباطأ حِيْناً وَتتسَارَعُ أحْيَانَاً أخْرَى أنْزِلَ مِنَ السَّيّارَةِ التي كَانَ وَاضِحَاً منْ دَرَجَةِ ارْتفاعِهَا أنّها سَيّارَة جَيْبٍ، ليَخْطُو سُبْحَانُ في تلْكَ اللحْظةِ الخُطوَةَ الأوْلَى باتّجَاهِ انْهيَارهِ، آخِذاً مَنْ كانَ يُمْسِكُ بهِ يَسِيّرُ خُطْوَاتِهِ بيْنَ لحْظَةٍ وَأخْرَى نَحْوَ لا مَكَانٍ سِوَى اسْتدَارَاتٍ مُتتابعَةٍ، دُوْنَ أنْ يَدْري سُبْحَانُ إنْ كانَتْ تلْكَ الاسْتدَارَاتُ حَقيْقيّة أمْ إنّها كانَتْ كَاذبَة كالتهْمَةِ التي سَيُحَاكَمُ عنْهَا بَعْدَ ذلكَ بسَنتيْنِ... بسَبَبِ مَا يَحْدثُ كانَتْ أعْمَاقُ سُبْحان تنشَقّ عَنْ قلَقٍ أصْفَرَ أخَذَ يعْشِبُ خُطُوَاتٍ تتعثّرُ كأنّها خُطَى طِفلَةٍ شَريْدَةٍ أتعَبتْها الطرُقَاتُ...
بعْدَ أرْبعِ سَاعَاتٍ تقْريْبَاً مِنْ وُجُوْدِهِ في غُرْفَةٍ تنْبِئُ رَائِحَتُهَا المُختَمِّرَةُ عَنْ زَوَايَا وَأشيَاءَ لمْ يُطهّرْهَا الهَوَاءُ مُنْذُ عِدّة أيّامٍ، أحَسَّ سُبْحَانُ بأنّ حَرَكَةً خَافتَةَ الصَّوْتِ كانَتْ في الغُرْفَةِ تُتْلفُ أعْصَابَهُ، وتهْدِمُ عَوَاصِفُهَا أعْمِدَة الصّبْرِ المُتَدَاعِيَة دَاخِلَ كيَانِهِ... وَضَعَ عِدّةَ احْتمَالاتٍ لدلالةِ ذلك الصّوْتِ، كانَتْ تشيْرُ جَميْعُهَا بأنّ شخْصَاً كانَ في ذَاتِ الغُرْفةِ مُنْذُ أنْ أوْدِعَ بيْنَ جُدْرانِهَا، دوْنَ أنْ يُبْدِي حَرَاكاً يُشيْرُ لوُجُوْدِهِ فيْهَا... أحَسّ بخُطُوَاتٍ بَطيْئةٍ تجِسّ المَكانَ ليقْتَنصَ منْ حَفيْفِ تلكَ الحَرَكةِ مِقدَار البُعْدِ والقُرْبِ منَ المَكانِ الذي كانَ إليْهِ مَغلوْلاً، تسَحَقهٌ عَجَلَة الوَقْتِ التي داسَتْ مَلامحَهُ المُمْتَقِعَةَ بالقلقِ والأسْئلَةِ المُتوَهّجَةِ كنهَارَاتٍ صَيفيّةٍ...
في ذَاتِ اللحْظةِ التي اسْتَشْعَرَ فيْهَا سُبْحَانُ الخُطوَاتِ تَدْنُو ناحيَتَهُ لمْ يَتمَكّنْ أنْ يُدْركَ ما يَحَْدثُ إلاّ بعْدَمَا هَوَتْ صَفْعَة عَلَى وَجْهِهِ، مُهَشّمَة بَكَارَةَ الصّمْتِ، لتظلَّ أصْدَاءُ دِمَائِهَا تقضّ سَمْعَهُ حَتّى في تلكَ السَّاعَةِ التي اسْتيقظَ فيْهَا عِندَمَا دَقّتِ السَّاعَةُ أجْرَاسَ الخَامِسَةِ مَسَاءً... لمْ يَعْقبْ تلكَ الصَّفْعَة شَيْئَاً يفْهَمُ مِنْهُ سَبَبَ وُجُوْدِهِ في تلْكَ الأمْكنَةِ التي امْتَلأَتْ فَرَاغَاتُ صَمْتِهَا بالغُمُوْضِ والاسْتفهَامَاتِ وَالحَيَرَةِ... اقتيْدَ بَعْدَ الصَّفعَةِ مُبَاشَرَةً حيْثُ لا يدْري نحْوَ أيْنَ كانَتْ تقودُهٌ قدَمَاهُ... أحَسّ بَعْدَ فتْرَةٍ قصيْرَةٍ مِنْ خلالِ ارْتَطَامَةِ بَابٍ حَديْدِيّ أُغْلقَ لتَغوْرَ أصْداءُ ارْتَطَامَتِهِ في المَكَان بأنّه في غُرْفَة خَاليَةٍ مِنَ الأشيَاءِ، دُوْنَ أنْ يَجْرَأَ عَلَى إبعَادِ ما كَانَ يمْنعُ الألْوَانَ أن تتدَفّقَ ملءَ عيْنَيْهُِ لتتشَرّبَ شكْلَ المَكَانِ...
لمْ يَشعُرْ بأيّةِ شيْءٍ إلاّ حِيْنمَا انتَزَعَ صَوْتُ البَابِ الحَديْديّ إيّاهُ مِنْ بُؤْرَةِ نَوْمِهِ التي سَقطَ فيْهَا مُنْهَكاً وُمُنْتهكاً في ذاتِ اللحْظةِ كفراشَةٍ مُحْتَرقَةٍ... بذَاتِ الطَريْقة اقتيْدَتْ خُطَاهُ نَحْوَ طرُقٍ مَجْهُوْلَةٍ لتنتهي بِهِ الطُرْقُ بمُحَاذاةِ حَائِطِ غرْفَةٍ كانَتَ بروْدَتُهَا ككُتلة مُرْعبَةٍ مِنَ الجليْدِ، ليظلّ منْذُ أغْلقَ البَابُ مُسْتنداً للحَائطِ ساعَتيْنِ مُتتَاليَتيْنِ كمَا قدّرَ لحظتَهَا...
بعْدَ السَّاعَتيْنِ اندَلعَتْ مِنْ بَيْنِ شبَاكِ السّكْونِ المُخَاتلَِةِ حُرُوْفٌ مُوْحِشَةٌ كمَسَافَاتٍ قاحِلَةٍ جَهّمتْهَا الصّفرَة ونزَّ في رائحتهَا الجَفَافُ... كانَ انتظامُهَا الكلمَةَ الأوْلَى التي سَمِعَها سُبْحَانُ في تلْكَ الغُرَفِ المُنسيّة كثقْبٍ صَغيْرٍ يَرْقدُ في أحْشاءِ عَيْنٍ رَاكِدَة... بَعْدَما أنهَتْ الحُرُوْفُ تشْكيْلَ كلمَتِهَا أدْرَكَ سُبْحَانُ المَقصُوْدَ مِنَ الكَلمَةِ التي أسْبَغَهَا عَليْهِ مَنْ كَانَ مَوْجُوْدَاً في الغُرْفة حَيْثُ كانَتِ الكَلمَاتُ سُؤَالاً متْبُوْعَاً بكلمَةِ يَا بْنَ القحْبَةِ المَجُوْسِيّةِ...
منْذُ تلكَ اللحْظةِ بَاتَ الوَقْتُ جوْقَة مَلْعُوْنَةً تمْنَحهُ مَوْعداً مُؤَجَلاً مَعَ المَوْتِ بَعْدمَا أصْبَحَتِ الأسْئلةُ تَعُوْدُ دَائمَا بصِيَغٍ مُخْتلفةٍ... في الغُرَفِ المُوْحِشَةِ كانَتِ الأسْئلَة تتَكرّرُ في كُلِّ حَفْلةٍ منْ حَفَلاتِ الألَمِ، أغلبُهَا يَدُوْرُ حَوْلَ إيْرَان، وَالثوْرَةِ الإسْلاميّةِ، والخُميْنِيّ، وحُزْبِ اللهِ اللبْنَانيّ، وَالطُقوْسِ الشيْعيّة، وَعِلاقةِ سُبْحَان بتفجيْرَاتِ مدِيْنَةِ الخُبَر التي اسْتهْدَفتْ مُجَمّعَاً سَكنيّاً، رَاحَ ضَحيّتهَا تسْعَة عشرَة عَسْكريّاً أمْريْكيَاً كمَا أُعْلِنَ رَسْميّاً، وَمَا زَالَ بعْضٌ ممّنْ أعْتقلَ يَرْقدُ مَنْسيّاً في زنْزَانتِهِ حَتّى الآنَ، ينتظِرُ حمَامَة بيْضَاءَ تفكّ القَيْدَ الذي كَانَ سُبْحَانُ مُقيّداً ذَاتَ يوْمٍ في مَثار جَحِيْمِهِ الذي كَانَ قدْ ابْتدأَ بعْدَ أسْبُوْعٍ منْ تلكَ اللحْظَاتِ حِيْنمَا رَحَلوا بهِ نحْوَ الدّمَامِ، ليسْجَنَ هُناكَ في زنْزانتِهِ الفرْديّة التي اتّخذَتْ رُكْنَ المُعْتقلِ مَقامَاً في مُوَاجَهةِ سَاحَةٍ مَكشوْفةٍ سُمّيَتْ بسَاحَةِ السَّلامِ...
في غُرْفةٍ ذَات مَسَاحَةٍ مُتوَسِطَةٍ اصْفَرّتْ جُدْرَانهَا العتيْقَةُ واسْوَدّتْ بعْضُ أجْزَائِهَا جَلَسَ سُبْحَانُ مُصَفّداً في أغْلالٍ هشّمَتْ مَرَايَا طفُوْلتِهِ البَريْئة.ِ.. فِي مُوَاجهَةِ شيْخٍ لمْ يشذّبْ شعيْرَاتُ لحْيتِهِ الطَويْلةِ المُتناثرَةِ في كُلّ اتّجَاهٍ كَانَ سُبْحَانُ سَاهِمَاً يُحَدّقُ في الفَراغِ الذي تشبّعَتْ بهِ السّاعَاتُ البَطيْئةُ كسُلحُفَاةٍ عَرْجَاءَ... صَامِتَاً كالشّتاءِ أصْبَحَ في مُوَاجَهَةِ الذّكْرَيَاتِ العَاتيَة التي جَمحَتْ في تلْكَ اللحْظَةِ التي ودّعَ أشبَاحَهَا المُخيْفَةَ، بعْدَمَا جَاءَ منَ الغِيَابِ طيْفُ مرْيَمَ مَلاذَاً وَرْدِيّاً وسَفيْنَةً دَافِئَةً جذَبَتْ سُبحََْانَ خَارِجَ أفْق الزّمَن، ليَظلّ في دِفئِهَا مَشْدُوْهَاً كشَوَاطِئٍ مَمْطوْرَةٍ بالسّحابِ وَعبَقِ الحَنيْنِ والترَانيْمِ الليْلكِيّة...
***
بَعْدَ أنْ تمّ دُخوْل القطيْف تحْتَ زعَامةِ المَلكِ اجْتاحَ الفقرُ القرْية بعْدَ سَبْعةَ عَشرة عَاماً مِنَ الاتّفاق الذي دَخلتْ بموْجَبهِ القطيْف تحْتَ حُكم المَلك، اصْطبَغتْ مَلامِحُ البَشر وَقتَ ذاكَ بالصّفرَةِ وَالضمُوْر والنّحوْلِ، ليَفرّ بعْضٌ مِنَ النّاس هَرَباً مِنَ الفقْر باتّجاهِ البَحْريْن، وعندَما أحَسّ مَنْ هرَبَ للبحْريْن بأنّها قدْ ضَاقتْ عَمّن رَحَلَ نحْوَها هاربَاً ممّا فتكَ بالقرْيةِ عادُوا، وقدْ أحَسّوا همْ ذاتهمْ بأنّهم قدْ ضَاقوا بكوْنهم ضيْوفاً لدَى أهَالي البَحريْن...
عنْدَما عَادُوا لديَارهمْ طلبَ الملكُ عَبْد العزيْز حيْنذاكَ تسْليم السّلاح الذي كانَ هَاجسَاً يرَاودُهُ بيْنَ الحيْن وَالآخر، مُحاولاً أن يتحاشى ما قدْ يحْدثُ مِنْ مُوَاجَهةٍ ربّمَا تتمّ يوْمَاً مَا، خصوْصَاً أنّ المَلكَ قدْ فرضَ ضَريْبَة مُضَاعَفةً، ولذلكَ فرَّ النّاسُ للبَحْريْن بعْدَما ضَاقوا ذرْعَاً بتلكَ المبَالغ الهَائِلَةِ التي كانوا يدْفعوْنَها مُرغَميْنَ... رفضَتْ الزّعَامة الدينيّة في العَوَّاميّة التي تمثّلتْ في الشيْخ مُحَمّد بنَ نمْر وَقتَها تسْليم السّلاح، وَعَلى إثر هَذا الرّفض حدثتْ مُوَاجَهاتٌ كَلاميّة غيْر مباشِرَة بيْن الشيخ أبي عبْد الكريْم الخنيزيّ وبيْن الشيخ النَّمْر الذي كانَ ذا عقليّة بدَويّة تقفُ شامِخَة بالرّفضِ في وجْهِ زعَامَاتِ القطيْفِ... أعلنَ الشيْخ الخنيْزيّ على إثْر تلكَ المُواجهَاتِ بَأنّ منْ سَوْفَ يَسْقطُ في مُوَاجهَةٍ تتمّ بيْنَ العَوّاميّة وَالمَلكِ عبْد العزيْز لا يُعدّونَ شهَدَاءَ، وعلى إثر هَذهِ الكلمَة َسَلّمَ الكثيْرُ منْ أهَالي العَوّاميّة الأسْلحَة، إلاّ إنّ الكثيْرَ ينْفي أنْ يكوْنَ هذا التسليْم قدْ تمّ فعْلاً، فبَعْضُ الرّوَاةِ قالَ بأنّ التسليْمَ كانَ لأسْلحَةٍ مُتهَرّئة، باليَةٍ، صَدئَة، لا تجْدي نفعَاً، لكنّ كثيرَاً مِنَ الأسْلحَةِ كانَ مخبّئاً عندَ الأهالي تحسّباً لمَوَاجهَاتٍ قدْ تَتمَ مستقبَلاً بيْنَ العَوّاميّة وبيْنَ غيْرِهَا مِمَّّنْ كانَ يُعتَبَرُ عدوّاً تتوجّسُ القريَة منْهُ معرَكَة قدْ تنبجسُ منْ خلَلِ الصّمْتِ في أيْةِ لحْظةٍ...
بَعْضُ مَنْ كانَ يرْوي حَادِثة نجْلا قالَ إنّ أهَالي صَفوَى همْ مَنْ يحْتملوْن وُزْرَ المَجْزَرَةِ التي اجْتاحَتْ القرْيَة نتيْجَة لمَا حَصَلَ، ذلكَ لأنّ ما حَدَثَ بعْدَ الاغتصَابِ، حسْبَما يدّعي بعْْضُ الرّوَاةِ، أنّ مَشايخَ العَوّاميّة ووُجَهَاءَها الذيْن اتخذتْ عقوْلهم طابعَاً بَدويّاً، قدْ اتّفقوا أنْ يُرْسلَ أهَالي صَفوَى رسوْلاً، ليخبرَهمْ أنّ الهَوَاجرَ قادِمُونَ ناحيَة القرْية مُدَجّجيْن بالانتقام وقَد أفرَغوا أغمدَتهمْ تأهُبَاً للقتال، لكنّ بعْضَ الرّواةِ وهمْ الأقلّ عَدَداً ينْفي أنْ يكوْنَ مِثل هذا الاتّفاق قدْ تمّ بيْنَ العَوّاميّة وصَفْوى... ما يؤكّدُ الروَايَة الأوْلى وَيوثّقها أكثرَ أنّ أهالي صَفوَى وَالعَوّاميّة همْ منْ سُكان المَنطقةِ الأصْليينَ، ويشتركوْنَ إضَافة لذلكَ في وحْدةِ المَذْهبِ، بيْنما لمْ يكنِ الهوَاجرُ منْ سُكّان المَنطقَةِ وكانوا يَعْتنقوْنَ مَذهبَاً مُخْتلفاً، ممّا يجْعَلُ الاتّفاق هوَ مَا يَرْجح بينَ الروايات المُتناقضةِ، على الرّغم منْ أنّ البعْضَ مَا زالَ مُصِرّاً ويؤكّد أنّ مبيْتَ الهَوَاجرِ قبْل الهجوْمِ كانَ في صَفوَى...
***
انتزَعَ صَوْتُ التهْليْلِ الأسْتاذَ مِنْ تلْكَ الحُفْرةِ العَميْقةِ التي سَقطَ مُرْغَماً في تشَابِكِ أنْسِجَتِها، مُمَزّقاً بَكارَةَ الذاكرَةِ التي وَلجَ أقْصَاها، مُتوَغّلاً في تفاصِيلِهَا التي سَكنَتِ الأعْمَاقَ... انْشقّ بَابُ المُغْتسَل ليَخْرجَ النّعْشُ مَحْموْلاً ببحْرٍ مِنْ الأكُفّ التي تَتَداخَلُ هيْئتُها نَحْوَ شيءٍ يُوَحّدُها، هِوَ أنْ تشيّعَ جَسَدَ ذاكَ الذي كَانَ عُشْبَةً خَضْرَاءَ في جَفَافِ هَذهِ المَديْنةِ وصُفْرتِهِا، وأصبحَ لعنتَها وذاكرتَها الحَزيْنةَ...

كانَ البَرْدُ وَقْتهَا يَزْدَادُ ضراوةً تنْهكُ العِظامَ، وتتَغلْغلُ في الرُّوْح كمَشهَدِ انْتَحَارٍ أوْ كانْهيَارِ نجَمَةٍ...
بَدَأتِ الجَنَازةُ مَسيْرَتها بعْدَما تَجَمّع المُشيّعُونَ حَوْلَ النّعْش... في نهَايَةِ الجَنَازَةِ كانَ رَجلٌ عجُوْزٌ بصَوْتِهِ المبْحُوْحِ يَرْسِمُ تهْليْلهُ ودَعَوَاتهِ شمُوْعاً ومَلائِكة حَوْل النّعْشِ الذي كانَ يَتَمدّدُ على الأكُفّ، بيْنمَا النّعْشُ بحمْرَتهِ يسْكبُ رَائِحَتهُ وشحوْبهُ مَطَرَاً مُتدَفّقاً في رُوْح الأسْتاذِ، دُوْن أنْ يَجدَ الطريْق لعيْنيهِ لتتَجَسّدَ دمُوْعاً تتشّرَبُ وَطأةَ الأحْزانِ والجُروْح والعَذابَاتِ القاسيَةِ كالدّنيَا أو كإحْبَاطاتِ حَالمٍ...

***
بدَأتِ السيَّارَة رحْلتها لتشقّ الشوارعَ ناحية منزلِ سبْحان... كانَ المَنزلُ يرقدُ في وحشته، تخيّمُ عليهِ أسنمة هائلة من الصّمتِ، هناك في منطقةٍ سمّيت بالعمارة كانَ مقفراً منَ الحياة، قاحِلاً إلا من لجّة ذكرياتٍ... حدّقت مريمُ باتّجاهِ الشوارع والمنازلِ، ليهوي منظرُ القرية في ذهنِها مصفرّاً كملامِح منتحرٍ... مسيّجة بالدموع ارتحلتْ نظراتها نحوَ السماءِ الملبّدةِ بالبرودةِ والسحبِ... حينما توغّلت عيناها في عمقِ السماء تكشّفت النجومُ أمامها عنْ دكّةٍ من الأساطيْر والليْل... ارتجفتْ أنفاسها واشتعلتْ دموعُها نغماً متقطّعاً كأنغام تنأى حيْناً وتدنو أحيَاناً أخرَى، لتتجسّدَ في أخيلتها جنازة، يشيّعها قلبُها وينتحبُ مَصْلوْباً بمحاذاةِ حفرتِها جَسَدُها...
حينما وَصَلوا للشارع الذي يُمزّقُ منتصفَهُ منزلُ سبْحانَ أوْقفَ توفيْقُ السيارَة في السَّاحَةِ الرمْليّة الصَغيرة... تناولتْ يدُ توفيق كيْساً متوسّطَ الحجْمِ كانَ مُستكيْناً بيْن المقعديْن الأماميين، لينزلَ منَ السيارةِ مُصطحِباً الكيْسَ معهُ للداخل... نزلَ الجميْع منَ السيارةِ متّجهينَ للجهةِ المقابلةِ من الشارع الخاوي إلا منْ بعضِ أنوَار السياراتِ التي تشوّهُ سَكيْنة المكانِ كلّما أسقطتْ إشعاعَها في غوْرِ العتمة، إضافة لبعْض أصوَاتِ الدراجاتِ الناريّة الصَّغيرةِ التي تتناسلُ كذبابٍ في شوارْع القرية، يقودُها غالباً العاطلونَ عنَ العمَلِ للسرقة أحياناً أو للنهب أو للتخريب أحياناً أخرى... خشعتْ مريمُ حينما واجهَتْ شموْخَ المنزل الذي شيّدَ طفولتها وأنوثتها وشكلَ أحاسيْسِها، واحتضنَ في إحدى غرفهِ فيضَ جنونِها ورذاذَ رعشتِها، لترسِمَ بدموْعِها انهيَارَ مدينةٍ انطفأتْ فيْها النجوْمُ، وتساقطتْ ملامحُها تدريجيّاً في الهاويَةِ...
اتّسعت الهوّة منْ حولها، وانشقّت السمَاءُ عنْ شرْخٍ ينبضُ كجوْعِ مقبَرةٍ تيبّستْ تربتها، وتلبّدت الأزقّة بسحبٍ سوداءَ وصفراءَ وحمراءَ كالدنيا... اضطربتْ نبضاتها وتحطّمتْ كمزهريّة جفّت ملامحُها، وابتلعتْ عطرَها حفرةٌ اتسعَ رعبُها ليأخذَ شكلَ القيامة... احتقنتْ الثوَاني وجمحَتْ تكتكاتها، لتحتشِدَ ساعاتها كلّها أمام عينيها حيْنما خطت الخطوَةَ الأولى عَلى عتبَاتِ المنزل، لترتسمَ كلماتها وكلماتُ سبْحان ـ منذ اعتنقا بعضَهَما حتى رحيلهِ ـ في ذاكرتها شهباً تشتعلُ، حافرة خُطَى جحيمِها صمْتاً أسوَدَ في جَسدٍ، انشقّ بغتةً عنْ صرْخةٍ مرعبةٍ كالموْت في ارتطام سفينتين...
" أنتِ العطرُ في مناماتيَ يا مريمُ والوطنُ الذي يرسمُ ملامحَ وجهي وهيئة حزني يا أنتِ كم أعشقكِ أمسية دافئة تخبّئني في ظلالها وبينَ سحاباتِها أغنية حزينة أحبّكِ يا أنثايَ في زمنِ الانهياراتِ والسقوطِ هذا العالم مخيفٌ حدّ الجنوْن وجهُكِ مأوايَ وأحْضانكِ الخضراءُ ملجَئي من لوعةِ الوقتِ وشظايا الزمن بيني وبينك مسافة حُبّ وعبقُ سوسنةٍ مريم ما بكِ؟ لا شيءَ لكنّي أحتاجُ صوتكَ وأنفاسكَ في مثل هذه الأوقات الحبّ يا مريمُ قصيدةٌ طويلة نكتبها من أشواقنا ولهفتنا ورغباتنا وأحزاننا وسقوطنا وكلّما انهينا بيتاً منها أحْسَسّنا بأنّ هذهِ القصيْدة لا تنتهي أبيَاتهَا ولو انتهت فمعنى هذا أن أشداقَ الحياةِ قد أوصلتْ هذهِ القصيدة لطريقٍ موصدةٍ بالخيبةِ وبهاويةٍ ستبتلعُ في أحشائها حكاية توّجتهما روْحان عذوبتهما كرمَالِ شوَاطئ سبحان أنتَ الطموحُ وأنتَ الأملُ بالنسبة لي أنتِ كذلكَ يا مريم منتهى أمنياتي وآخرُ ما أشتهيهِ في هذه الدنيا لكنّ في الروْح شيئاً يذبحُني يا مريم يصلبُني يرميني في الطرقاتِ حَائراً كدمعةٍ مختنقاً كصرخةِ حلمٍ أ يّهذا الفراغ يوجعُني كانهيار حلمٍ أدركُ تماماً أنّ الحُبّ يصوغُ الروْحَ والملامحَ وشكلَ الكلمات لكنّ أصفادَ الزنزانةِ ما زالتْ تقيمُ سلطتها على روْحي وانهيار وجْهي...
***
ذاتَ يوْمٍ رَكنتْ مريَمُ مَخْطوْفة الملامحِ في زاويَةِ الصالةِ لتتوغّلَ أكثرَ فأكثرَ نحوَ ذاتِها... تحدّقُ كانتْ في الشاشةِ التلفزيونيّةِ التي تبثّ إحدَى قنواتهِ الفضائيّة مُسلسَلاً أصبحتْ مريمُ تتابعُ حلقاتهِ حينما تجُد مزاجَها قادرَاً أنْ يُطلّ خَارجَ أعْماقِها... نحْوَها تقدّمتْ أمّها بخطوَاتٍ ثابتةٍ لامْرأةٍ كانتْ على ضفافِ شيخوْختِها... في موَاجَهتِها جَلستْ متربّعَةً لتسألها مُباشرة بنبرةٍ ممتقِعَةٍ تدلّ على اليقيْنِ والتعجّبِ في ذاتِ اللحْظةِ عمّا يجعلُها تعتزلُ الحيَاةَ وتنزوي حتّى عن أهلِها حينَ يزوْرونَ المَنزلَ في مساءِ الأربعاءِ الذي كانَ مخصّصاً لتلكَ الزيارةِ العائليّة... راوغتْها مريَمُ بأنها ليستْ في حَالةٍ تسمَحُ لها بإضاعةِ وقتها في تفاصِيلِ الحيَاة اليوميّة، فروايتها تنهكُها وتمنعُها أنْ تحيا حَياتها الطبيعيّة بعَدما شارفَت على نهايتها... قالتْ أمّها بأنها لاحظتْ منذ أن توفيَ سبحان إن مريَمَ قدْ انزوتْ واعتزلتْ أهلها وصديقاتها وقد أصبحتْ ملامحُها شاحبَة منذ تلكَ اللحظة التي اختطفتْ نحوَها سبحان، وكلّما ذُكِرَ اسمهُ أمامَها اصفرّتْ كلماتها واضطربتْ حَركاتُ جَسَدها... جاهدتْ مَرْيمُ أنفاسَها كي تأخذَ شكْلاً منتظمِاً طبيعيّاًّ لكنّ شيئاً في نغمةِ صوْتِها قد فضحَ أحاسيْسَها حينما أخذت تنفي ملاحظة أمّها، فقامتْ أمّها بعدَ أنْ رسمتْ بملامحِها أنها لمْ تتيقّنْ منْ صدْقِ ابنتِها فيما أكّدتْ أنهُ مجرّد شكٍّ لا يوجدُ ما يثبتهُ في الواقع، ولمْ تنسَ أنْ تصبّ حِمَمَ قسوَتِها وتسكبَ جحيْمَ شتائمِها على هذا الجيل الذي يشغلُ نفسهُ بالتفاهةِ والسخفِ والحيَاةِ غيْر الطبيعيّة وكتابةِ الرواياتِ وقراءةِ الكتبِ التافِهَة...
منَ بيْنِ جميعِ الأشيّاءِ التي مَا انفكّتْ تزعجُ مرَيمَ وتصفّدُها مغْلوْلَة في بؤرَةٍ رهيبةٍ من الكآبةِ والضيق أن أمّها باتتْ بينَ الحيْن والآخر تتفنّنُ في صياغةِ عباراتٍ منَ الاستخفافِ والتدخّلِ فيما تقومُ بهِ ابنتها، فبينَ الفترة والأخرى كانتْ أمّها تزعجُها بما أصبحتْ تحدّدُه لها، قائلَةً بأنّه ما يتوجّبُ أن تقومَ بهِ في حياتِها، فمرّة تقولُ لمريمَ بأنّ الأجدَى والأنفَعَ من قراءةِ هذهِ الكتبِ أنْ تقرأ بعْضاً منَ القرآنِ الكَريْمِ أو الأدعيَة الدينيّة، وفي مَرّةٍ أخرَى تطلبُ منها أنْ تقومَ بمسَاعَدتِها في شؤوْنِ المنزل كي تتعلّمَ ما ينفعها مُستقبلاً حينَما يتزوّجها منْ كانت تصفهُ دائماً بتعيْسِ الحَظ، ودائماً ما تختِمُ معزوفتها التي حفظتْ مريَمُ نوتتها بأنّ الأستاذَ كانَ السبَبَ الذي أفسَدَ ابنتها كمَا أفسدَ سبحانَ من قبلُ لتكوْنَ النتيجة أنْ ماتَ كافرَاً بعدما تخلّصَ مُختاراً منَ الحيَاة...
***
نَهَضَ الكَهْلُ مُتثاقِلاً، مُسْتأذِنَاً إيَّايَ بِأنّهُ سَيرْحَلُ بعدَمَا اندلعَتْ كلمَاتهُ لحْنَاً مُرْعِباً ملءَ أخيلتِي... أحْياناً كنْتُ أتامّلهُ حَيْثُ كانَ يَخْْطُو خُطوَة ليَعْقبهَا بخَطْوَة أشدَّ بُطأً... منْ خلفِهِ تركَني رَاحِلاً عنْ شابٍّ ودّ لوْ أنّه يَرْتمِي عَلى كتفِي هَذَا العَجوْز لينشجَ أحزانَهُ وَقضَايَاهُ وَخيْباتِهِ التي تناستْها هذهِ المدينةُ وجحَدتْ بآياتِها... مُتّجِهاً للزّحَامِ كانَ يغيْبُ تدْريْجيّاً وقَدْ احدوْدَبَتْ حتّى خطوَاتِهِ البَطيْئة... أحيَاناً أخْرَى كنْتُ أتأمّلُ الشوَارعَ والبَحْرَ والسّمَاءَ التي بَدأتْ تنيْخُ ظلمَتَهَا وتغرزُ أوتادَ شُحوْبِهَا في المَكانِ حيث كنْتُ أتدارَكُ ضَعْفي كي لا أسْقطَ في حَشَرَجةٍ منْ النحيْبِ، تغوْرُ أصْداؤُهَا المَمْسُوسَة باللعْنَاتِ في أقصْى رُوْحِي وأدنَاهَا... بالرّغمِ مِنّي ذَرَفتُ دَمْعَة كنتُ أجاهِدُهَا بيْنَمَا هِيَ تنشجُ دَاخِلي، لتتركَني أسْتعيْدُ جِرَاحَاتِ هَذهِ المَديْنةِ التي كانَتْ شَاهِداً فظيْعَاً وَرَهيْبَاً عَلَى مَأسَاتِنا وَضَياعِنا وَوَحشيّتِنا، خُصُوْصَاً أنّني كنْتُ قدْ رأيْتُ بَعْضَ المَبَانِي المُدمّرَةِ مِنْ بقايَا الحَرْبِ التي احْترَقتْ فيْهَا أنوْثة هَذهِ المَديْنة التي شوّهنَا طفوْلَةَ جَسَدِها وَعذوْبَةَ مَلامِحَهَا بهَمَجيّتنا بعدَمَا توَاطَأنا جَميْعُنا على أنْ نُدمّرَ أنْغَامَهَا الخَضْرَاءَ...
مِنْ عُمْقِ الصّمْتِ جَاءَنِي صَوْتٌ اغْتسَلَ بالحَنَانِ، وتعمّدتْ رَعْشتَهُ ببَحّةٍ دَافئةٍ انْتزَعَتْني مِنْ بُؤْرَةِ الغيَابِ التي أسَرْتنِي فِي خَنْدَقهَا العَميْقِ... كانَتْ دُعَاءُ هي التي تحَدّثتْ مَعِي لتخْبرَنِي بَأنّها سَمِعَتِ المُحَادثةَ التي كانَتْ بيْنِي وبيْنَ الرّجلِ الكَهلِ وقدْ لاحَظتْ كيْفَ انبَجَسَ الألَمُ فِي هيْئَةِ وجّهِي ليتركَ ملامحِي مذعورَةً كسحابَةٍ وحيْدَةٍ تنأى... سُبْحان!!، يُصَفّحُنا الحُبّ ضِدّ الحَيَاةِ وتجْعَلنَا إحْبَاطاتُنَا وخيْباتُنا مُحَصَّّنيْنَ ضِدّ كلِّ جِرَاحَاتِ العَالمِ التي تنْسَحِبُ لتظلّ آلامُنَا وَحْدَها تعْبثُ بنَا، وتخلّفنا خلفَهَا مُطْعونينَ، نحنُ ضحَايَاها وَسَبَايَاهَا المُحَطّمَة...
ابتدأتْ حِكايَة وَجَعي حيْنَما انفَتحَتْ ملّ روْحيَ الآفاقُ جميْعُهَا، لتلوّثهَا دُعَاءُ بنجْماتِهَا السّوْدَاءِ، مُدَشّنَةً مُنذ ذَاكَ هيْأةَ أحْزانِي وطحَالبَ القّلقِ التي حفَرَت حشرَجَةَ ندوْبِهََا مِلءَ كلمَاتِي... كانَتْ دُعاءُ زهْرَة الصّحَارَى المنْسيّة ورْعشَة الأبْجَديّاتِ المَهْجوْرَةِ، كانَتْ سيّدةَ الوَقْتِ والفَرَاشَاتِ ومُوَاءَاتِ الأمسيَاتِ الدافئَة، فأصْبَحَتْ بعْدَ ذلكَ وَحْشتها الدَّاكنة وضبَاعَهَا الجَائِعةَ... في حُضوْرهَا كانَتِ السّاعَاتُ تتخِذُ ألوَانَهَا الزَّاهيَةَ، لكنّهَا مُنْذ أنْ خلّفتنِي مَحْطوْمَاً عِندَ دَكّةِ طيْفهَا ومُسْتنقع اسْمِهَا بَاتَتِ الألوَانُ تنْحَدِرُ تدْريْجيّاً نحْوَ الهَاويَة، لتصطبغَ مَلامِحُهَا بالسّوادِ والرّعْبِ والعَصَافيْر المَذْبوْحَةِ... مِلءَ جَسَدي كانَ اسْمُهَا يعيْثُ فيّ خَوَاءً، وتتّشحُ الحيَاةُ منْ حوْلي بالضّياع والمَوْتِ، لأظلَّ رَهيْناً لخُطوَاتٍ حَائِرَةٍ، تخلّفُني رَاكِضَاً في كُلِّ الاتّجَاهَاتِ بَحْثاً عَنْ مَلاذٍ أوَارِي في صَخَبْهِ أعشابِي المُهَشّمَةَ وفي غيَابِهِ أحَضّرُ طقوْسَ نهَايَتي...
عندَ بدايَة ذلكَ الغروْبِ كانَت عِلاقَتي بدُعَاء قدْ ابْتَدأتْ نسجَ خيوْطهَا المُبعْثَرَة... بكلمَاتٍ مُتشتتةٍ تحَادَثْتُ وإيّاهَا لتطِلّ شمُوْسُها الدَّافئَةُ على ظلمَةِ شرْفتِي... وَعَدتني أنْ تتصِلَ بِي حِيْنمَا نعُوْدُ للقطيْفِ بعد أن سجّلتْ في ورقةٍ صغيْرَةٍ رقِمَ هَاتفِي حيْثُ طلبتْهُ منّي مَا إنْ لمَحَتْ المَجموْعَة تعوْدُ باتّجَاهِ نقطَة انطلاقِهَا، دوْنَ أنْ أدْركَ أنْ هَذهِ البدايَةَ جَسّدتْ فِي شخْصِهَا الأنثى الحَبيْبَة وَالوَطنَ وتَاريْخَ المَآسِيَ وَالهَزَائمِ والانكِسَارَاتِ...
بقيْتُ تلكَ الليْلةَ أحَدّقُ في كُلِّ الطرقاتِ وَالأشيَاءِ وَفِي دَاخِلي رَغْبَةٌ مَجْنوْنةٌ أنْ أودّعَ هَذهِ المَديْنةَ وأعوْدُ لدمَشقَ التي كانَتْ تتجلّى في عَيْنَيّ سيّدةً عربيّةً، ينبضُ فيْها التاريْخُ، ويُكحّلُ أجفانَها مِرْوّدُ الحكْمَةِ... تضجّ مآذنهَا بالأدعيَةِ والصلْبانُ العرَبيّة تشمَخُ، بَينَما الغيُومُ البيضاءُ تُقرَعُ نواقيْسُ الحُبِّ التي تخضّبهَا الصّلاة... سُبْحان!... لا أخفيْكَ بأنّي ظللتُ مُنْتحِباً في أعْمَاقي وتعْبَثُ بِي الوَحْشة حتّى لحْظةَ أنْ دخلْنَا ضَاحِيَة بَيروْتَ الجَنوبيّة، واكتَحَلتْ عينيّ وتعمّدَتْ بصوْرَةِ السيّدِ حَسَن نصْر اللهِ، حيْثُ كانَتْ مَلامِحُه شامِخةً كمَلامِحِ نبيٍّ رغْمَ خيانَةِ الصّحَابَةِ، وبمَنظر الأهلةِ والمَآذنِ واسْمِ عَليّ والحُسَيْن...


المصدر شبكة راصد الاخبارية

__________________
آآه من قلب أعيته جروح السنين

وما أستلذ بألمه غير الصحب والمحبين !!

براءة غير متصل  

 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رواية دموع مسلحة (( الشيخ منصور السيف و نجيبة السيد علي )) دانيال المنتدى الثقافي والأدبي 7 10-06-03 12:32 AM

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2023 م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 02:59 PM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited