يعرف الدكتور عبد النبي اصطيف النقد الأدبي:
"النقد الأدبي إنشاء لغوي، عن إنشاء لغوي آخر هو الأدب، أحد الفنون الجميلة، حافظة القيم الإنسانية التي لا يكون الإنسان إنساناً إلا بها، وهو إنشاء يستخدم اللغة الطبيعية، اللغة الإنسانية، أداة له، مثله في ذلك مثل موضوعه، الذي يستخدم اللغة الطبيعية أيضاً، فالأدب فن لغوي كما أنّ النقد الأدبي تفكير منظم باللغة عن هذا الأدب"
النقد مثله مثل الأدب حقل من حقول المعرفة الإنسانية، لكنها معرفة عن الأدب، في حين أن الأدب نفسه معرفة عن الإنسان وما يحيط به، عن ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله وبيئته. يعرف الدكتور فؤاد المرعي الأدب: "إنّنا نعني بكلمة الأدب بتلك الأعمال التي تخاطبنا بلغة الصور، لا بلغة المفاهيم المجردة، وتصور الحياة، وتفسرها، وتحكم عليها.".
وكما هو واضح يتكون مصطلح النقد الأدبي من مفهومين، النقد والأدب. ويقول ميخائيل نعيمة (1899 -1988) عن الأدب "فالأدب الذي هو أدب، ليس إلا رسولاً بين نفس الكاتب ونفس سواه، والأديب الذي يستحقّ أن يدعى أديباً هو يزودّ رسوله من قلبه، ولبّه"
ويقول ميخائيل نعيمة أيضاً عن الشعر: "هو غلبة النور على الظلمة، والحق على الباطل، هو ترنيمة البلبل، ونوح الورقِ، وخرير الجدول، وقصف الرعد، هو ابتسامة الطفل ودمعة الثكلى، وتورّد وجنة العذراء وتجعّد وجه الشيخ، هو جمال البقاء، وبقاء الجمال، الشعر لذة التمتع بالحياة، والرعشة أمام وجه الموت، هو الحب والبغض. والنعيم والشقاء....".
فالنقد الأدبي: نشاط إنساني يستخدم اللغة أداة لا ليعبر عن موقف جمالي كما هو حال الأدب، بل ليكتب عن الأدب، والنقد الأدبي قسم من أقسام علم الأدب الثلاثة وهي:
1ً-نظرية الأدب.
2ً-تاريخ الأدب.
3ً-النقد الأدبي.
فهو إنشاء لغوي عن إنشاء لغوي آخر وهو الأدب ويحتاج إلى موهبة وفكر وتجربة ومهارة. وجاء هذا المصطلح من الكلمة اليونانية القديمة التي تعني فن البحث والتقويم.
ويقوم النقد الأدبي على فعاليات.
1ً-تذوق النص الأدبي.
2ً-القدرة على تحليل النص الأدبي.
3ً-القدرة على تقويم النص الأدبي، وإصدار الأحكام.
علاقة النقد الأدبي بالأدب، الأدب أسبق من النقد، فلا وجود للنقد الأدبي، إذا لم يتوفر أولاً النص الأدبي، مثلاً أولاً كتب هوميروس ملحمة "الإلياذة" في القرن التاسع قبل الميلاد، وبعد ذلك بقرون جاء أرسطو (384 -32) ق. م وألف كتاب "فن الشعر" الذي تطرق به إلى إلياذة هوميروس، وإلى المسرحيين الذي سبقوه، أي سبقوا أرسطو مثل أسخيلوس (525 -456) ق. م وسوفوكليس (496 -406) ق. م الذي ترك لنا مجموعة من المآسي مثل مأساة "أوديب الملك" ومأساة "أنتيغونا" وغيرهما.
فكتب عن الأدباء الذي عاشوا قبله فلا يعقل أن يكتب عن أدباء جاؤوا بعده، لأنّه لا يعرفهم، هذا أمر طبيعي. وكما نعلم قد يكون المبدع نفسه ناقداً على سبيل المثال كان الشاعر العربي الجاهلي النابغة الذبياني شاعراً كبيراً، وبالوقت ذاته كان يمارس النقد في سوق عكاظ الشهير وهذا ما نجده في العصور كلها، فمثلاً هناك شاعر اسمه حسين حموي نظم الشعر وكتب النقد وكذلك هناك روائي عربي من فلسطين اسمه حسن حميد، كتب الرواية، وكتب بحوثاً نقدية عن الأدب، وكذلك الأمر بالنسبة لمعظم الأدباء فلقد كتب الروائي الروسي الشهير دوستويفسكي روايات عظيمة مثل "الفقراء" (1846) ورواية "الجريمة والعقاب" (1866) ورواية "الأبله" (1868) ورواية "الأخوة كارامازوف" (1880)، ومارس الروائي المذكور النقد الأدبي فكتب عن رواية تولستوي "آنا كارينينا" (1873 -1877).
ولقد نشر الروائيّ الروسيّ المذكور أعماله النقدية في المجلات التي كان يصدرها، فكما هو معروف، أصدر دوستويفسكي (1821 -1881) مجلة "الزمان" مدة عامين ما بين عامي (1861 -1863) وأصدر بعدها مجلة "العصر" ما بين عامي (1864 -1865)، وأصدر فيما مجلة "المواطن" ومجلة "يوميات كاتب"التي يظن البعض أنها مذكرات الروائي المذكور، في حين أنها اسم مجلة كان يصدرها وينشر فيها آراءه في الأدب والفكر، فلقد ألقى عام 1880 كلمة عن بوشكين، ونشرها، وله آراء عن الحضارة الغربية، نشرها بعنوان "انطباعات شتوية عن رحلات صيفية "يذكر فيها انطباعاته عن زيارة لباريس ولندن، وكانت آراؤه سلبية.
وكتب الروائي الروسي إيفان تورغينيف (1818 -1883) رواية "رودين" (1856)، ورواية "عش النبلاء" (1859) ورواية "في العشية" (1860)، ورواية "الآباء والبنون" (1862) فلقد كتب مقالاً هاماً بعنوان "هاملت ودون كيشوت".
أما الكاتب الروسيّ ليف تولستوي (1828 -1910) الذي ترك لنا مجموعة من الروايات والمسرحيات والقصص القصيرة، من رواياته "الحرب والسلام" (1863 -1869) ورواية "آنا كارينينا" (1873 -1877)، ورواية "البعث" (1899)، كتب أيضاً عن الأدب والفن فلقد انتقد مسرح شكسبير (1564 -1616) وترك مجموعة من الدراسات عن الأدب.
والكاتب العربي من لبنان ميخائيل نعيمة (1889 -1988) كتب القصة القصيرة وأصدر مجموعته القصصية الأولى "كان ما كان" وفيما بعد أصدر مجموعتيه القصصيتين، مجموعة "أكابر" (1856) ومجموعة "أبو بطة" (1958) ونشر أكثر من مسرحية مثل "الآباء والبنون" (1917) وكذلك أصدر مجموعة من الأشعار، جمعها في ديوانه "همس الجفون" (1943)، وأصدر أيضاً أكثر من عمل نقدي مثل كتابه "الغربال" (1923) صدر في القاهرة بتقديم عباس محمود العقاد (1889 -1964) الذي نظم الشعر وترك كتاباً عن شكسبير (1564 -1616) وكتباً أخرى عن أدباء عرب وغربيين، وكذلك الدكتور طه حسين (1889 -1973) كتب القصة وترك مجموعة كبيرة من الدراسات النقدية منها "في الأدب الجاهلي" وكتب عن المتنبي (916 -966م) والمعري (973 -1057م) وغيرهما.
وبذلك فإن العلاقة بين الأدب والنقد علاقة جدلية، فالتأثير قائم ومتبادل، وأول ناقد للنص الأدبي هو المؤلف نفسه، وإن كان نقده عادة يتصف بالذاتية أكثر من كونه موضوعياً، فليس دائماً يعرف الكاتب قيمة ما كتبه، فيعطيه أحياناً قيمة أكبر من قيمته الحقيقية أو العكس، فيأتي الناقد المتسلح بالمعرفة النقدية، والمطلع على المناهج النقدية مثل المنهج النفسي لتفسير الأدب والمنهج الانطباعيّ والمنهج التاريخي والمنهج الفني والمنهج الاجتماعيّ، والمنهج البنيويّ، والمنهج الشكلي، أمّا الأديب فينتمي إلى مدرسة أدبيّة معينة، مثل المدرسة الكلاسيكية أو المدرسة الرومانسيّة أو المدرسة الواقعيّة النقديّة أو المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة.
ويبين الناقد إيجابيات وسلبيات النص الأدبي ومكانته الحقيقية، ويقارن بينه وبين النصوص الأدبية الأخرى. وكما أسلفنا، أول ناقد للنص الأدبي هو المؤلف نفسه، ولذلك يلجأ بعض الأدباء إلى إعادة كتابة مؤلفاتهم فبعضهم يعيد كتابة النص قبل نشره، وبعضهم يعيد كتابة النص بعد الطبعة الأولى فتأتي الطبعة الثانية متميزة عن الطبعة الأولى، والأمثلة على ذلك كثيرة، مثلاً كان تولستوي يعيد كتابة الصفحة الواحدة من رواية "الحرب والسلام" مرات عدة، قد تصل إلى ثماني عشرة مرة، واختلفت الطبعة الثانية عن الطبعة الأولى، واختلفت الطبعة الثالثة عن الأولى والثانية، وهذا كلّه يدل على أنّ المؤلف ينتقد نفسه، فيتجنب العيوب التي يراها في كتاباته، وتصل درجة الانتقاد عند بعض عظماء الأدباء إلى درجة عدم الثقة، ولا سيما في بداية الحياة الأدبية، فمثلاً كلّ من دوستويفسكي (1821 -1881) وتولستوي (188 -1910) والروائي العربي من القطر المصري نجيب محفوظ (مواليد 1911) بدؤوا حياتهم الإبداعية بالترجمة، فلقد ترجم دوستويفسكي رواية الروائي الفرنسي بلزاك (1799 -1850) "يوجين غرانديه" عام 1844 عن الفرنسيّة، ومازالت هذه الرواية تقرأ في روسيا بترجمة دوستويفسكي، مما يدل على جودة الترجمة وبذلك بدأ دوستويفسكي حياته الإبداعية بالترجمة، ونشر بعد مرور عامين على ترجمة الرواية المذكورة روايته الأولى "الفقراء" عام (1846)، ولم يكن واثقاً من موهبته إلا أن الناقد الروسي بيلينسكي (1811 -1848) شجعه كثيراً، وإنني أذكر أن بعض الأدباء الكبار بدؤوا بالترجمة مما يدل على تواضعهم، وعدم تقديرهم لموهبتهم حق التقدير. وممارسة النقد الذاتي، قبل أن ينتقدهم الآخرون.
أما ليف تولستوي فلقد بد حياته الأدبية بترجمة رواية "رحلة عاطفيّة" لشتيرن، ونشر روايته الأولى "الطفولة" عام (1852) بالأحرف الأولى من اسمه، فلم يكتب اسمه صراحةً مخافة الفشل.
ولقد بدأ نجيب محفوظ (مواليد 1911) حياته الإبداعية بترجمة أحد الكتب عن اللغة الإنكليزية، ولم يكن متوقع حصوله على هذا المجد الأدبيّ كلّه، وصرح عن مشاعره هذه في إحدى المقابلات التلفزيونيّة، إذ قال لو كان يعلم بموهبته الأدبيّة لدرس اللغة العربيّة وآدابها، ولما أختار اختصاص الفلسفة، ونجيب محفوظ هو الروائي العربيّ الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل للآداب، وذلك عام 1988.
وأولى علامات النقد الذاتي للأديب، تكون أحياناً توقيع مؤلفاته باسم مستعار، فيلجأ بعض الأدباء، أحياناً وليس دائماً، إلى هذه الطريقة مخافة الفشل. مثل الروائي الروسي مكسيم غوركي (1868 -1936)، وغوركي اسم مستعار أمّا اسمه الحقيقي بيشكوف ولقد استطاع هذا الأديب تأسيس مدرسة أدبيّة انتشرت في العالم كلّه، وهي المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة، وكانت روايته "الأم" (1907) العمل الأدبي الأول الذي ينتمي لهذه المدرسة، وأصبح لها ممثلون في الآداب العالمية كلها مثل بريخت في ألمانيا ولوركا في الأدب الإسباني، وناظم حكمت في الأدب التركي وحنا مينة في الأدب العربيّ.
وكذلك فإن المسرحيّ الفرنسيّ الشهير موليير (1622 -1673) فموليير ليس اسماً حقيقياً فاسمه الحقيقي جان بوكلان وهو الذي ترك لنا ملهاته الشهيرة "البخيل" (1668).
وكذلك الشاعر العربي السوري الشهير "أدونيس" فهذا ليس اسمه الحقيقي اسمه الحقيقي علي أحمد سعيد (مواليد 1930).... وكذلك الأدبية مي زيادة فاسمها ماري زيادة.
النقد الأدبي -رؤى وأفكار ـــ د. ممدوح أبو الوي
جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002